المواجهة الأمريكية الصينية في الشرق الأوسط وأفريقيا

كريستيان لامير

AFP Photo: Ng Han Guan

يبدو أن التوقيع الوشيك على “المرحلة الأولى” من اتفاقية التجارة بين الصين والولايات المتحدة 15 يناير ينبئ ببادرة أمل لبداية انتهاء فترة توتّر العلاقات بين البلدين. على الرغم من أن توقيع الاتفاقية لم يُؤكد رسميًا بعد، فقد تنفّست الأسواق الصعداء، بل عند توقيعها بالفعل، من المحتمل أن يشعر أكبر اقتصادين بآثار ذلك مباشرة. بل إنهما ليسا البلدين الوحيدين. لقد كان للحرب التجارية أثر عميق وطويل الأمد وكان من أعراض المنافسة الأوسع نطاقًا التي بدأت في الظهور في جميع أنحاء العالم. وكما يقول المثل السواحيلي “عندما يتصارع فيلان، يكون العشب هو المتضرر الوحيد”.

فإنّه و دون شك أن المنطقة الأكثر تضرراً بشكل مباشر هي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا . وباعتبارها البلد المضيف لأكبر الاستثمارات و الاقتصادات الحيوية في العالم، فقد أصبح اعتماد المنطقة على الاقتصاد الصيني مطردًا، إذ تعدّ الصين الآن أكبر شريك تجاري لجميع دول الشرق الأوسط وشرق إفريقيا تقريبًا؛ و مما لا شك فيه تأثر هذه الدول بتباطؤ الاقتصاد الصيني و نزوله إلى أدنى مستوياته منذ 30 عامًا.

إنّ التباطؤ الاقتصادي الذي أصاب العالم – نجم –جزئيًا- عن الحرب التجارية الأمريكية الصينية و هو ما أدي إلى تباطؤ النمو وقلة المعاملات التجارية بالنسبة للاقتصادات المفتوحة والمعتمدة على النفط في جميع هذه المناطق.

في أكتوبر، تراجعت منظمة التجارة العالمية عن توقعاتها بنمو التجارة العالمية بأكثر من النصف؛ إلى 1.2% فقط في عام 2019، وهو أبطأ معدّل منذ الركود الكبير الذي حدث بين عامي 2008-2009.

و في نفس الوقت وعلى الرغم من ارتفاع سعر النفط في عام 2019 بوجه عام، كان هذا التراجع بسبب انخفاض سعر النفط في نهاية عام 2018 جرّاء الشعور السلبي السائد بشأن الحرب التجارية الأمريكية الصينية.

كان بترول برنت الخام، قبل الارتفاع الحاد الناجم عن مقتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، يُتداول فعليًا بحوالي 19% و هو سعر أقل من الارتفاع الذي حدث في أكتوبر 2018.و في وقت المخاوف بشأن الحرب التجارية الأمريكية الصينية، أدي التباطؤ الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي والعوامل الجيوسياسية إلى حدوث أكبر معاملات بيع خلال عامين.

هذه العوامل أعاقت النمو في دول الخليج العربي التي تعتمد على عائدات النفط وتجارته. ففي 29 ديسمبر، أعلنت حكومة دبي (ربما لأنّ دبي هي النموذج الرئيسي لاقتصاد مفتوح للتجارة في المنطقة) عن زيادة بنسبة 17% في ميزانيتها لدفع عجلة الاقتصاد الراكد.

وعلى غرار ذلك، تضررّت الاقتصادات في أفريقيا من انخفاض أسعار السلع وتراجعت أسعار العملات المحلية. ففي أوائل عام 2019، قدّر بنك التنمية الأفريقي انخفاضًا محتملًا بنسبة 2.5% في نمو الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات الأفريقية كثيفة الموارد وانخفاضًا بنسبة 1.9% في البلدان المصدّرة للنفط بحلول عام 2021.

قد تبدأ المرحلة الأولى من الصفقة التجارية في تخفيف بعض هذه القيود الاقتصادية، تزامنًا مع خفض الرسوم الجمركية الأمريكية على الصادرات الصينية بقيمة 120 مليار دولار وزيادة مشتريات الصين من السلع والخدمات الأمريكية بنحو 200 مليار دولار على مدار عامين.

من الناحية النظرية، يجب أن يكون لكل من هذين العاملين آثارُ إيجابيةُ وفوريةُ في التجارة الثنائية ومن ثمّ في أنماط التجارة العالمية.

أمّا بالنسبة للقوانين الأخرى التي تفرض حماية أقوى للملكية الفكرية والاستثمار في سياق الخدمات المالية الصينية فينبغي أن تعمل على تحسين تدفقات الاستثمار عبر الحدود. ونتيجة لذلك، يجب أن تؤدي زيادة النمو الصيني والاستثمار الأجنبي المباشر إلى ارتفاع أسعار السلع وأن تصبح التجارة الإقليمية والتدفقات الرأسمالية أكثر قوة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

لكن علينا ألا نخطئ الفهم بشأن المرحلة الأولى من الصفقة التجارية في حلّ النزاعات التجارية التي تعرقّل العلاقات الصينية الأمريكية. بل الأهم من ذلك، أن يكون أثر ذلك محدودا في تقييد القضايا الاستراتيجية الأطول أجلاً التي تدفع التنافس الصيني-الأمريكي الأوسع نطاقًا، وهو ما يعبّر عن موقف سياسة بكين الخارجية “الأكثر صرامة”.

هذا التنافس هو الذي يمكن أن يترك في منطقة الشرق الأوسط أثرًا أكثر عمقًا في العقود المقبلة، حيث بدأت الصين في تحدي التفوق الأمريكي عبر مجموعة من القطاعات، مثل القطاعات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.

هذا التحدي ثابت القدمين على أرض الواقع الآن؛ فالصين هي أكبر مستثمر أجنبي في الشرق الأوسط وأكبر مستثمر في البنية التحتية الأفريقية. وقد عزّزت من وجودها العسكري، حيث هناك ثلاث سفن تجوب خليج عدن والمحيط الهندي منذ عام 2008 في مهمة محددة بمكافحة القرصنة، كما أنشأت أول قاعدة عسكرية في الخارج في جيبوتي في عام 2017. كما بدأت بكين في توريد الأسلحة إلى دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث باعت مركبات جوية مقاتلة دون طيار ترفض الولايات المتحدة بيعها لدول الخليج العربية.

في الوقت نفسه، تفوّقت الصين على الولايات المتحدة كشريك تكنولوجي في معظم أنحاء المنطقة. ففي إفريقيا، استطاعت هواوي تزويد القارة بنسبة 70% من شبكات الجيل الرابع “4G “، وحسبما أفاد كوبوس فان ستادن، الباحث البارز في معهد جنوب إفريقيا للشؤون الدولية، أنه من المقرر أن تزوّد جنوب إفريقيا بأول شبكة للجيل الخامس “5G” في أفريقيا. كما وقّعت هواوي صفقات في جميع أنحاء الشرق الأوسط لإنشاء شبكات الجيل الخامس “5G”، ومنها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين.

حاولت الولايات المتحدة كبح جماح التوغّل الصيني من خلال العديد من الإجراءات التي تتجاوز الحرب التجارية، و ذلك من خلال فرض قواعد أكثر صرامة على الاستثمار الأجنبي (معظمها موجّه نحو الشركات الصينية)، وتعزيز الدعم المقدّم إلى منافسي الصين (ممن يتمتعون بدعم قوي عبر المظلة السياسية الأمريكية) وزيادة الضغط على حلفائها، وفرض عقوبات على الشركات التكنولوجية الصينية. لقد تحوّل التوجّه في واشنطن من تشجيع انتقال الصين إلى “صاحب مصلحة مسؤول” في المجتمع الدولي إلى وصف الصين بمصدر التهديد الرئيسي لأمريكا.

حتى إنّ بعض المعلّقين السياسيين يصفون الوضع بأنه “حرب باردة جديدة”. منذ عهد طويل، كانت القوى العظمى تخوض معاركها الجيوسياسية في الشرق الأوسط وإفريقيا؛ وهناك منافس آخر يلوح في الأفق الآن لتشكيل تلك المناطق مرة أخرى.

 

كريستيان لو ميرا، مؤسس شركة أرسيبل، شركة للخدمات الاستشارية الاستراتيجية مقرها في لندن ولاهاي. تقلّد منصب كبير المستشارين في إحدى الكيانات في أبوظبي وكبير زملاء المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. @c_lemiere