النقاش بشأن الأسلحة الكيميائية يتحول لصالح سوريا وروسيا

فيصل اليافعي

في ساعة متأخرة من مساء السبت الماضي لشهر نوفمبر، وفي أعقاب قصف المدينة، بدأ الرجال والنساء والأطفال في مدينة “حلب” في الإبلاغ عن إصابتهم بأعراض هجوم كيميائي. وعلى الفور، ألقى النظام السوري، وهي الجهة المسؤولة عن المدينة، باللائمة على الثوار الذين لا يسيطرون إلا على الضواحي فقط. وادعت روسيا والنظام السوري بأن الهجوم تم بأسلحة كيميائية وبالأخص غاز الكلور، وفي اليوم الثاني استهدفت المقاتلات الروسية أهدافًا غرب مدينة “حلب” بالقرب من الحدود مع “إدلب”.

وبعدها طالب النظام السوري الأمم المتحدة بإدانة الثوار. وفي اليوم التالي، طالبت دمشق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي وكالة دولية معنية بالأسلحة الكيميائية، بالتحقيق في ملابسات الهجوم.

وعلى مدار أسابيع عدة، ظلت مسألة هذا الهجوم مباراة سجال بين النظام وروسيا من جانب، والأمم المتحدة وحلفائها الغربيين من جانب آخر. وحمل النظام السوري الثوار مسؤولية هذا الهجوم. وقالت المملكة المتحدة أنها قد لا تعثر على دليل على هذا الهجوم، بينما قالت الولايات المتحدة الأمريكية أن الهجوم لم يكن بالأسلحة الكيميائية، إلا أن روسيا تزعم امتلاكها “دليل دامغ” على أن الهجوم كان بالأسلحة الكيميائية.

ويأتي هذا السجال المتبادل متماشيا مع رغبة النظام السوري وروسيا، لأنه بمثابة عرض جانبي يصب في مصلحتهما. اذ إن إستراتيجيات النظام السوري وروسيا بشأن هذا الهجوم واضحة تمام الوضوح، كما حدث من قبل، فهم يقومون بنشر المعلومات والاستعانة بالمؤسسات الغربية المناهضة لها، ومن ثم يستطيعون ان يصلوا الى مرادهم.

وللتعرف على تلك الإستراتيجية، من الضرورة بمكان العودة إلى بداية هذا العام، وبالتحديد في شهر فبراير، عندما أمطرت طائرات هليكوبتر مدينة سراقب في إدلب ببراميل الغازات الكيميائية، وهنا طالب ألمانيا منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بفتح تحقيق في هذا الأمر. وبعد عدة أشهر، أفادت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأن النظام السوري قد استخدام على الأرجح غاز الكلور في هجومه على المدينة.

وفي الوقت ذاته، شهدت مدينة “دوما” في ضواحي دمشق الهجوم الثاني بالأسلحة الكيميائية، وكان أوسع نطاقًا من سابقه. ومرة أخرى، أجرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقها، وبعد مرور أربعة أشهر، أفادت المنظمة أن الهجوم كان بغاز الكلور، وكان النظام السوري حينها قد تمكن من إعادة السيطرة على مدينة “دوما”.

وبعد الهجوم الذي تعرضت له مدينة “حلب” في شهر نوفمبر، اتخذ النظام خطوة استثنائية وخادعة بأن طلب من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فتح تحقيق بشأن هذا الهجوم.

وتتولى الوكالة الأوروبية مسؤولية التحقيق في مزاعم النظام السوري وروسيا بشأن مسؤولية الثوار عن الهجوم، وهي ذاتها التي قد ألقت باللوم من قبل على النظام السوري بسبب هجماته الكيميائية على شعبه والتي بلغت ثلاثة وثلاثين “33” هجومًا كيميائيًا، وهي نفس الوكالة التي أكدت أن غاز “نيفوتشك” روسي الصنع هو الغاز المستخدم في الهجوم على مدينة “سالزبوري” البريطانية.

وكان السوريون، في حقيقة الأمر، يطلبون من الصياد أن يتحول إلى حارس، وقبلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بهذا الأمر.

ومع مرور الوقت، ستقدم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقاريرها – والتي قد تكون في شهر “فبراير” إذا صدرت بصيغتها الحالية، أو قد تتأخر عن ذلك إذا أعاق النظام وصول المنظمة إلى مدنية “حلب” – وسينشغل العالم عن سوريا، وبهذا تحقق سوريا والنظام السوري أهدافهما.

وفي بداية شهر ديسمبر، قالت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة بأن تحقيقهما خلص إلى أن غاز الكلور لم يُستخدم – وفي الأرجح أنه غاز مسيل للدموع – وأن من استخدم هذا الغاز المسيل للدموع هو النظام وليس الثوار.

ولكن ما جدوى ذلك؟ إذا كان النظام يفعل فعلته، وليس في استطاعة الولايات المتحدة الأمريكية منع الانتقام الروسي الذي ما لبث أن حدث بعد مرور أقل من “24” ساعة على الهجوم. وإذا تبين لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في غضون أشهر قليلة أن الهجوم كان بغاز مسيل للدموع وليس غازًا كيميائيًا، فهذا لن يمنع روسيا من أفعالها الانتقامية والتي وقعت فعليًا. وإذا أراد النظام السوري وروسيا استخدام الغاز الكيميائي – أو شن هجمات في المستقبل بذريعة كاذبة – لإنهاء وقف إطلاق النار في إدلب، فلن تستطيع أمريكيا منع حدوث ذلك أيضًا.

وفي الحقيقة، تصب تلك النتيجة مباشرة في مصلحة روسيا لأنها تثير التساؤلات أكثر من الإجابات. وإذا نفذ النظام السوري هذا الهجوم الكاذب لتشويه صورة الثوار، كما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية، فلماذا يستخدم النظام الغاز المسيل للدموع وليس غاز الكلور، ولاسيما أن النظام يدعي بصفة خاصة أن الغاز الذي استخدمه الثوار هو غاز الكلور؟ ورغم كل هذا، يبدو أن النظام لا يكترث إطلاقًا لرفاهية شعبه. وقال المتحدث باسم روسيا، ذو الملامح الصارمة، بالنظر إلى مواجهاته السابقة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بأن ادعاء الولايات المتحدة الأمريكية يهدف إلى إعاقة “التحقيق المحايد” الذي تمارسه الوكالة الأوروبية.

وتشكل تلك التساؤلات، التي لا يوجد لها إجابة، الصراع الذي يرغبه النظام السوري وروسيا لمكافحة حرب المعلومات.

إن الهدف من حملة التضليل الروسية لم يكن الترويج لحقائق بديلة بل زرع الشكوك، وبذلك تظل الرواية الحقيقة مجهولة. ومنذ شهر أغسطس، تقود روسيا حملة تضليل وتدعي فيها أن الثوار سيشنون هجومًا بالأسلحة الكيميائية. وفي الأسبوع الماضي، سلط الاتحاد الأوروبي الضوء على الطريقة التي تمارس بها روسيا حملة التضليل منذ عام انتظارًا للمواجهة في بحر آزوف.

والهدف من هذا الجدل هو تمكين روسيا والنظام من التأثير على العالم، وكسب الوقت لصالح النظام لكي يخطط لخطواته التالية.

يتظاهر النظام السوري وحلفاؤه بالتصدي للحرب المعلوماتية بخصوص الأنشطة الغربية من خلال الاستعانة بشبح الأسلحة الكيميائية، والتظاهر بقبول شرعية المؤسسات والقوانين الدولية– مع أن مع يفعلونه في حقيقة الأمر هو مجرد التعتيم على أفعالهم في أرض المعركة الحقيقية.

AFP PHOTO/JOHN THYSA