الرقابة الإعلامية على الفلسطينيين كشفت عن خلل شديد في وسائل التواصل الاجتماعي

جوزيف دانا

AFP Photo: Thomas Coex

منذ أكثر من 10 سنوات؛ أصبح حي صغير يقع شرقي القدس بمثابة نقطة ارتكاز لأسلوب جديد من المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي والتي لا تعتمد على العنف، وحي الشيخ جراح يقع في منطقة يصعب وصفها لكنه كان في مركزالجهود الإسرائيلية الرامية إلى “تهويد” المدينة عبر إخلاء العائلات الفلسطينية واستبدالها بمستوطنين يهود، ومع تصاعُد عمليات الإخلاء لجأ الفلسطينيون إلى منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر من أجل تعريف العالم بالواقع اليومي للأفعال الإسرائيلية، وقد عاد حي الشيخ جراح ليتصدر واجهة الأخبار من جديد، لكن الفلسطينيين باتوا يواجهون نوع جديد من العقبات التي تقف في طريق توصيل قضيتهم للعالم – وتلك العقبات تأتي هذه المرة من شركات التواصل الاجتماعي التي تدّعي توفير مساحات حرة ومفتوحة للنقاش، ويعُد القمع الذي يواجه تلك الجهود الفلسطينية بمثابة دليل واضح يشير إلى أن شركات التواصل الاجتماعي غير قادرة على أو غير راغبة في القيام بما وعدت به باعتبارها منصات مفتوحة لمناقشات غير متحيزة.

والواقع أن العلاقة الهشة بين شركات التواصل الاجتماعي ومقص الرقيب ظلّت تحت المنظار لسنوات، لكن القضية الفلسطينية باتت في لقلب تلك المسألة، وموجة العنف الأخيرة التي اندلعت بين إسرائيل وحماس وضعت الصراع مجددًا على قمة أجندة الأخبار الدولية، وفي غياب أية قيادة سياسية فلسطينية محددة (أو متماسكة) ظهر جيل جديد من الفلسطينيين ليستغل إمكانياته الضخمة لتحويل حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة به إلى أدوات فعالة بغرض تنظيم ونشر القضايا الخاصة بهذا الجيل، وقد كان نجاح هؤلاء في التغلُب على العقبات التي منعت المجتمع الدولي من الإدراك الكامل للحقيقة الصادمة للاحتلال الإسرائيلي؛ و كان له بصمات واضحة خلال موجة العنف الأخيرة التي صاحبتها رقابة اعلامية غير مسبوقة.

ومن قيام تويتر بمنع منشورات الصحفيين الفلسطينيين دون تفسير إلى حجب المحتوى الفلسطيني على منصات مثل فيسبوك وإنستجرام (الشركتان ضمن ملكية فيسبوك)؛ تعرّض الفلسطينيون لرقابة غير مسبوقة على مدار الشهرين الماضيين.

لكن الوعي بالحركات الاجتماعية مثل “حياة السود مهمة” بات أيضًا أعلى بكثير من السابق، وهذا يعني أن حجب تلك المعلومات بات من الصعوبة بمكان، ومنذ شهر مايو الماضي كانت هناك العديد من حركات التمرد الداخلية التي شهدتها شركات التواصل الاجتماعي الكبرى بسبب المحتوى الفلسطيني.

وقد بدأ الأمر بمئات الموظفين في شركتي جوجل وآبل الذين قاموا بدعوة رؤسائهم التنفيذيين إلى إدانة العنف ضد الفلسطينيين و”رفض أية تعريفات لمعاداة السامية ترمي إلى وصف انتقاد إسرائيل أو الصهيونية باعتباره مُعادِ للسامية”، وتبع ذلك قيام المئات من موظفي فيسبوك بالتوقيع على خطاب داخلي يدعو الشركة إلى وقف الرقابة على أصوات الفلسطينيين (خاصة على منصة إنستجرام التي يملكها فيسبوك).

وكتب هؤلاء الموظفين في تلك العريضة قائلين :”إن الصحافة وأعضاء الكونجرس وكما هو واضح من انخفاض تقييم متجر التطبيقات الخاص بنا فإن مستخدمينا ومجتمعاتنا بشكل عام يشعرون أننا أخفقنا في الوفاء بوعدنا في ضمان حرية التعبير فيما يخص الموقف في فلسطين، ونحن نعتقد أن شركة فيسبوك تستطيع بل يجب عليها أن تفعل المزيد لإدراك ما يريده مستخدمونا والعمل على إعادة بناء الثقة من جديد”.

وقد دعت العريضة أيضًا إلى وجود طرف ثالث يعمل على التدقيق في الإجراءات التنفيذية التي يقوم بها فيسبوك لمراقبة المحتوى الفلسطيني والعربي، كما شملت تلك العريضة تسليط الضوء على منشور لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال الموقعون على العريضة أنه “يصف بالخطأ المدنيين الفلسطينيين بالإرهابيين”؛ ورغم ذلك فقد سُمِح لهذا المنشور بالظهور على فيسبوك.

وقد أدّت تلك العريضة إلى ما يكفي من الضغط لإجبار إنستجرام على تغيير حساباتها، وقد اكتشف بعض المراقبين للإعلام أن فيسبوك تتعامل مع بعض المصطلحات مثل “الشهيد” و”المقاومة” – وهي عبارات شائعة يصف بها الفلسطينيون نضالهم – على أنها من قبيل “التحريض على العنف”، حتى المحتوى الخاص بالمسجد الأقصى تمت إزالته بعد أن عملت تلك الحسابات على توصيف هذا الكيان الذي يعد ثالث أقدس الأماكن عند المسلمين باعتباره منظمة إرهابية، وقد أعادت الشركة بعد ذلك نشر مجموعة من المنشورات قالت أنه تمت إزالتها بالخطأ.

وفي الوقت الذي شهد انخفاض الثقة في شركات التواصل الاجتماعي واكتشاف جميع أعضاء الطيف السياسي أن هناك خلل في أسلوب معالجة تلك الشركات لمحتويات المستخدمين؛ فإن حقيقة قيام بعض المنصات الكبرى مثل إنستجرام بالتأكيد علانية على انحيازها كان بمثابة ضربة مؤلمة للثقة في تلك المنصات، وقد أضفى هذا الأمر مزيد من القوة على حجة مفادها أن تلك المنصات الحيوية إما أنها أخفقت في تحقيق أهدافها في توفير مساحة حرة ومفتوحة للمستخدمين أو أنها لا تريد القيام بذلك.

وإسرائيل من جانبها تملك سجلًا قويًا في الضغط على شركات التواصل الاجتماعي كي تتبنّى موقف تل أبيب، وخلال شهر مايو على سبيل المثال حصل موقع “إنترسيبت” على مذكرة سرية للفيسبوك تعمل على تحديد قواعد للتخفيف من وقع مصطلح “الصهيونية”؛ وبحيث أدّى هذا الأمر بشكل أساسي إلى تمكين فيسبوك من قمع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، ولم يعُد المحتوى الذي يتعرض للضغط من وسائل الإعلام التقليدية مثل صحيفة نيويورك تايمز أو آلة العلاقات العامة الإسرائيلية يشفع لأجل تحويل أنظار تلك الكيانات عن شركات التواصل الاجتماعي – هذا المحتوى الذي حقق نجاحات وفقًا لجميع الحسابات.

ولكن كيف يمكن للفلسطينيين الرد على تلك الموجة العلنية من الرقابة الاعلامية؟، سيعمل الفلسطينيون على الرد بذات الطريقة التي قاموا باستخدامها عدة مرات منذ بداية الصراع، وسوف يستمر هؤلاء في عرض القصص الخاصة بهم أيًا كانت الوسيلة التي في أيديهم، وقد أثبتت المعارضة التي أبداها موظفي شركات التواصل الاجتماعي أن الناس باتوا أكثر وعيًا أكثر من أي وقت مضى بآلية عمل الرقابة الاعلامية، وقد أدرك هؤلاء الناس كيفية قيام عملية قمع المحتوى الفلسطيني بالكشف عن خلل رهيب وهو أن شركات التواصل الاجتماعي لا تستطيع تنظيم نفسها.

أما حقيقة إجبار إنستجرام على الاعتراف بالخطأ وتغيير السلوك فقد أثبتت أن الأمر لن يذهب هباء، واليوم فقد بات هذا الصراع أكبر من عناوين الأخبار، لذا فمن المهم ألا تواجه المناقشات على وسائل التواصل الاجتماعي وعملية تنظيم المعلومات ذات المصير.

وبالرغم من جميع الأخطاء المصاحبة لها تبقى وسائل التواصل الاجتماعي من أقوى ساحات النقاش التي نمتلكها.

 

يعيش جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.