“ثقافة الإلغاء” مذهبًا لترامب

كريستيان لامير

AFP Photo: Jung Yeon-je

منذ الحرب العالمية الثانية، كان لمعظم الرؤساء الأمريكيين جوانب رئيسية تصيغ طبيعة سياستهم الخارجية، يحددها “المذهب” الذي يلتزمونه. وبالنسبة لإدارة ترامب، يزداد هذا “المذهب” وضوحًا للعيان مع اقتراب انتخابات هذا العام.

لعل أفضل تجسيد للمذهب المقصود هو مصطلح انتقده الرئيس الأمريكي في الماضي؛ وهو “ثقافة الإلغاء” التي تتضمن سحب الدعم من بعض الشخصيات أو الكيانات العامة التي يراها بغيضة، ومنعها من التواجد على الساحة العامة والامتناع عن التعامل معها. لكن “ثقافة الإلغاء” هي “التعريف الدقيق للاستبداد” في نظر دونالد ترامب؛ لا سيما عندما تنطوي تلك الثقافة على إعادة تسمية المؤسسات التي تحمل أسماء شخصيات مثيرة للجدل، أو إزالة تماثيل هذه الشخصيات.

لكن المصطلح أصبح ملائمًا كذلك لوصف السياسة الخارجية لإدارة ترامب ذاتها. ومع الإعلان عن أن الولايات المتحدة بصدد حظر استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي الصيني “تيك توك” القائم على مشاركة الفيديو، وتشجيع استحواذ شركة “مايكروسوفت” على الأصول المملوكة لهذا التطبيق في الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، أصبحت أوجه التشابه واضحةً لا ريب فيها.

هذا ليس أول “إلغاء” للشركات الصينية من جانب إدارة ترامب، فحكومة الولايات المتحدة تعمل بلا كلل منذ أكثر من عام على إقناع حلفائها بتجنب استخدام تقنيات شركة “هواوي” في مشروعات البنية التحتية للجيل الخامس. وفي مايو/آيار 2019، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يمنع الشركات الأمريكية نظريًا من تصدير المنتجات إلى شركة “هواوي”، وذلك عقب حظر مماثل على شركة الاتصالات الصينية ZTE في 2018.

ولم تكن شركات الاتصالات الرائدة وحدها في مواجهة مع ثقافة الإلغاء التي تتبناها إدارة ترامب. فقد أضاف مكتب الصناعة والأمن الأمريكي 72 شركة صينية إلى “قائمته للكيانات الاقتصادية الخاضعة لقيود” خلال العام الماضي، والتي يُفرَض على الشركات الأجنبية المشمولة فيها متطلبات للترخيص تقوِّض بشدة من مدى تعامل الشركات الأمريكية مع تلك الكيانات. وبالطبع، يمكن اعتبار حرب الرسوم الجمركية بأكملها محاولةً من إدارة ترامب لفصل الاقتصاد الأمريكي عن الصيني، بما يلغي التجارة فعليًا بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

بل إن ثقافة الإلغاء التي يعتمدها ترامب مذهبًا تمتد إلى ما هو أبعد من الشئون الاقتصادية. في يوليو/تموز الماضي، أعلنت الحكومة الأمريكية أنها ستغلق القنصلية الصينية في هيوستن، وهو ما يحدّ من المشاركة الدبلوماسية مع بكين. وقبلها في مارس/آذار الماضي، صرّحت الولايات المتحدة بأن خمسة منابر إعلامية صينية ستخفض أعداد موظفيها في مقراتها بالولايات المتحدة بنسبة 40%، مما يؤدي إلى “نزع قواعد” تلك الكيانات في أمريكا.

لا تقتصر ثقافة الإلغاء التي أسسها ترامب على الصين وحدها؛ فقد فرض ترامب أو هدد بفرض سلسلة من الرسوم الجمركية على الواردات، وهو ما يرقى إلى كونه شكلًا من أشكال المقاطعة. يحاول ترامب إلغاء تجارة الولايات المتحدة مع شركائها الرئيسيين – لا سيما أعضاء الاتحاد الأوروبي – ومع المنافسين، بدءًا من تجارة الفولاذ والألومنيوم وحتى الغسالات وألواح الطاقة الشمسية، بهدف تعزيز التصنيع الأمريكي.

فضلًا عن ذلك، انسحبت إدارة ترامب من الاتفاقيات والمنظمات الدولية الرئيسية، بما في ذلك الشراكة التجارية العابرة للمحيط الهادئ، واتفاقية باريس للتغيرات المناخية، واتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران في الشأن النووي، ومنظمة الصحة العالمية. وبرغم أن جميع تلك الاتفاقيات والمنظمات لا تزال قائمة، فإن إنهاء مشاركة أكبر قوة اقتصادية ودبلوماسية في العالم يدنو بإدارة ترامب من إنهاء وجود هذه الاتفاقيات والمنظمات، تمامًا كما يدنو بها من إنهاء القوة الدولية لواشنطن.

من الناحية العسكرية، حاولت إدارة ترامب سحب أو تقليل الدعم الذي تقدمه لمجموعة من العمليات وخطط نشر القوات، من سوريا إلى أفغانستان وحتى ألمانيا. ومع ذلك فإن تعهد ترامب “بإنهاء الحروب الأبدية” – وإن لم يثبت نجاحًا – يمثّل محاولة لإلغاء سياسة التدخل الأمريكية ومشاركة أمريكا مع حلفائها.

لا يعني مذهب ثقافة الإلغاء بالضرورة تطورًا سلبيًا في التعامل مع المقصود إلغاؤه. إدارة أوباما أيضًا كانت أكثر انعزالية من الناحية العسكرية بالمقارنة بالإدارات السابقة لها مباشرةً، ولم تكن للتدخل الأمريكي آثار إيجابية على طول الخط. لكن إدارة ترامب انتقلت بهذه الانعزالية إلى مستوى جديد، حيث نجحت في إلغاء الدور الدبلوماسي الريادي الدولي للولايات المتحدة من خلال تقويض التحالفات والاتفاقيات. تشكّل جائحة فيروس كوفيد-19 مثالًا ممتازًا يوضح كيف يمكن توظيف الدور القيادي الأوحد والحازم للولايات المتحدة في أزمة دولية؛ لكن أمريكا تفتقر إلى هذا الدور تمامًا في ظل إدارة ترامب.

قد يكون عُمر ثقافة الإلغاء في واشنطن قصيرًا. ولعله من المؤكد أن إدارة بايدن ستنخرط أكثر مع الحلفاء والمنافسين على حدٍ سواء، فبالفعل وضعت الحملة الانتخابية لبايدن صورة عامة لشكل تعامل هذه الإدارة مع الصين بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، مثل التغيرات المناخية. النوبات السابقة من الانعزالية الأمريكية، مثل تلك التي حدثت في ظل إدارة كارتر، غالبًا ما أعقبها مشاركة أكبر. كما أنه يصعُب تأسيس رسالة أمل ملهمة على مذهب يعتمد ثقافة الإلغاء.

 

مع ذلك، من المرجح أن يكون لمذهب ثقافة الإلغاء الذي تتبناه إدارة ترامب تداعياته الممتدة على كلٍ من النفسية السياسية للولايات المتحدة ومكانتها في العالم. لن تسهُل إعادة الأمور إلى نصابها بعدما دُمِّرت المحطات البارزة في المشاركة الأمريكية.