هل تستطيع روسيا أن تدفع بعملية السلام الأفغانية إلى الأمام؟، نعم ولكن ليس بمفردها

نيكولا ميكوفيتش

AFP Photo: Alexander Zemlianichenko

تسعى روسيا لتصبح لاعبًا هامًا فيما يخص حل النزاع في أفغانستان؛ وهي المنطقة التي تشهد وجود مصالح قوى إقليمية ودولية مختلفة بما فيها الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن الغرب ينظر إلى روسيا نظرة شك بصورة كبيرة – خاصة منذ الكشف عما يُقال أنه محاولة موسكو التأثير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت العام الماضي ومحاولة تسميم أليكسي نافالني – فإن موسكو وواشنطن اليوم في أفغانستان لديهما أجندة متقاربة للغاية؛ إن لم يكن لديهما ذات الأجندة، وأحد أسباب هذا الأمر تتعلّق بمسألة نقل الغاز من تركمانستان إلى جنوب آسيا، والواقع أن هذا الأمر يعُد بمثابة إشارة على أن السلام الدائم في أفغانستان بات يتمحور حول التعاون الهائل بين روسيا والولايات المتحدة وليس العداء المتصاعد بين الدولتين.

وقد كانت القمة التي عُقِدت في العاصمة الروسية في الثامن عشر من مارس بمثابة واحدة من سلسلة مبادرات دبلوماسية؛ تهدف إلى القيام بضربة البداية من أجل المضي قدمًا في عملية السلام الأفغانية المتوقفة، وبالرغم من استدعاء روسيا سفيرها في واشنطن بعد تصريحات جو بايدن بأن فلاديمير بوتن سوف “يدفع ثمن” تدخُله المزعوم في الانتخابات وموافقة بايدن على وصف بوتن ب”القاتل”؛ على الرغم من ذلك فإن المبعوث الأمريكي الخاص زلماي خليل زاد قد أتى إلى موسكو للمشاركة في القمة، وإلى جانب المبعوث الأمريكي استضافت روسيا أيضًا مبعوثين من الصين وباكستان وقطر، فضلًا عن استضافة العديد من الأطراف الأفغانية المختلفة، وعلى الرغم من أن روسيا تعتبِر حركة طالبان حركة محظورة إلا أن قادة طالبان أيضًا كانوا حاضرين في تلك المحادثات.

وتلك ليست المرّة الأولى التي يتفاوض فيها الكرملين مع حركة طالبان، فقد قام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان في العام 1979 وبقي الجيش السوفيتي غارقًا في المستنقع الأفغاني طيلة 10 سنوات، وقُتِل ما يقارب 15 ألف جندي سوفيتي في الصراع مع رجال حرب العصابات الإسلاميين المدعومين من الولايات المتحدة، وهذا الغزو الذي كان يهدف إلى دعم الحكومة الأفغانية الشيوعية المتحالفة مع موسكو أدّى إلى تدمير أفغانستان، حيث أسفر عن مقتل نحو مليون أفغاني وتدمير البنية التحتية للبلاد، لكن في النهاية وبعد أن سيطرت حركة طالبان على مقاليد الأمور في البلاد في العام 1996 عمدت روسيا إلى فتح قنوات للتواصُل مع قادة الحركة.

ومنذ ذلك الحين باتت النفعية تحكم تعامل الكرملين مع حركة طالبان، ولم ترفض موسكو أبدًا القيام بمحادثات مع طالبان، وذلك لأن موسكو كانت تدرك أن تلك الحركة الإسلامية لا يمكن إقصائها من واقع المشهد الأفغاني اليوم، وفي العام 2019 قام وفد من حركة طالبان بعقد محادثات مع المسؤولين الروس في موسكو، وذلك عقب انهيار المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان.

ومن المنظور الروسي فإن حكومة كابول الحالية تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، وهذا هو ما يدفع بالكرملين إلى تقوية العلاقات مع عدوه اللدود – حركة طالبان – إلى جانب الحفاظ على علاقات جيدة مع الحكومة المركزية في ذات الوقت، وبمعنى آخر فإن موسكو تحاول أن توازن في العلاقة مع كل من الطرفين الرئيسيين، وذلك رغم وجود دلالات على محاولات الكرملين لتحذير كابول ألا خيار أمامها سوى التوصُل إلى اتفاق مع طالبان بناء على الترتيبات وتوازن القوى في “أفغانستان خلال مرحلة ما بعد رحيل الولايات المتحدة”.

وتسيطر طالبان على أجزاء واسعة من أفغانستان التي تقع في وسط آسيا، وقد تعهّدت الحركة بدعم وحماية عملية إنشاء خط الغاز الطبيعي الذي سيمُر عبر تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند، وفور اكتمال هذا المشروع فإنه سيعمل على نقل الغاز الطبيعي من حقل جالكينيش للغاز الطبيعي في تركمانستان عبر أفغانستان إلى باكستان ثم الهند، وهذا هو السبب الذي أجبر موسكو وواشنطن على عقد الاتفاقيات مع حركة طالبان، وكانت الولايات المتحدة قد أكّدت استعدادها للتعاون مع طالبان بغرض حماية مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.

ويواجه فريق بايدن معضلة موعد الأول من مايو وهو المقرر لسحب باقي القوات الأمريكية من أفغانستان والمقدر عددها بنحو 2500 مقاتل، وذلك وفقًا للاتفاقية التي عُقِدت في فبراير 2020 بين إدارة ترامب وطالبان، وعلى أي حال ليس من الواضح حتى الآن إذا ما كانت واشنطن ستحاول بشكل رسمي تأجيل عملية الانسحاب، والمشكلة الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة تكمن في أنها من غير المرجح أن تكون قادرة على مغادرة أفغانستان مع الحفاظ على نظام حكم في كابول يظل صديقًا لواشنطن، وعلى أي حال فإن الأمريكيين إذا ما قرروا عدم الانسحاب فإن أفغانستان من الممكن أن تدخل مجددًا في حرب شاملة.

ومن جانب آخر فإن روسيا تخشى من أن الولايات المتحدة ربما تحاول الاحتفاظ بقاعدة دائمة في أفغانستان، وبحيث يمكنها من خلالها تطويق إيران وحماية المصالح الأمريكية في منطقة وسط آسيا الغنية بالمعادن، كما أن موسكو تشعر بالقلق بسبب تصاعد الأنشطة الإرهابية في المناطق الشمالية من أفغانستان، والقريبة من حدود الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل طاجيكستان وأوزباكستان، والواقع أن تحييد التهديدات التي قامت بها الجماعات الإرهابية والآتية من الجنوب كان الشغل الشاغل لموسكو لفترة طويلة، والواقع أن بعض المحللين الغربيين يقولون إن موسكو تستخدم تلك التهديدات الإرهابية كذريعة من أجل زيادة تواجدها العسكري في وسط آسيا، بينما تظل موسكو صامتة حيال نوايا الولايات المتحدة التي لا تختلف كثيرًا.

والواقع أن كل من واشنطن وموسكو يسيران في مسارات متوازية ويتشاركان ذات الأهداف، وفي جميع الحالات فإن الهدف المُعلن للولايات المتحدة وروسيا في أفغانستان يبقى واحدًا – وهو منع الجماعات المتطرفة من تحويل أفغانستان إلى بيئة خصبة للإرهاب الدولي بعد انسحاب القوات الأمريكية.

والمؤتمر الذي تم برعاية روسية يعُد واحدًا من عدة مبادرات دبلوماسية تهدف إلى إعادة إحياء عملية السلام، وقد أعلنت تركيا مؤخرًا أنها تخطط لاستضافة جولة أخرى من محادثات السلام الأفغانية بمدينة اسطنبول خلال إبريل القادم، وبغضّ النظر عن مكان عقد المحادثات فإن نجاح تلك المحادثات أو حتى أثرها المحدود سوف يتمحور حول قوة روسيا في الإقناع والاستمالة، وحتى الآن من غير المرجح أن تكون روسيا وحدها قادرة على إقرار سلام دائم في أفغانستان، وكذا فإن الولايات المتحدة لن تستطيع بمفردها تحقيق ذلك، والحقيقة أنه لا يوجد طرف ضامن للسلام بمفرده فيما يخص المعضلة الأفغانية.

ومن ثم فإن مستقبل البلاد التي مزقتها الحرب من المرجح أن يعتمد على صفقات جيوسياسية أوسع نطاقًا تتم بين موسكو وواشنطن، وهذا يعني أنه بات من المرجح وضع عملية السلام في أفغانستان على مسار منفصل عن النزاع بين موسكو وواشنطن حول الانتخابات الأمريكية وأليكسي نافالني، وبات السؤال يتمحور حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية الجديدة خلال محاولات إظهار صلابتها مثل دونالد ترامب أمام خصوم أمريكا التقليديين – بما فيهم الصين – أن تكون لدى واشنطن الإرادة والقدرة على القيام بذلك.

 

نيكولا ميكوفيتش؛ محلل سياسي يقيم في صربيا، ويُركز عمله غالبًا على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع التركيز بشكل خاص على مجال الطاقة و«السياسات المُتعلقة بخطوط أنابيب النفط»..