هل سيستطيع الملك تشارلز الحفاظ على اتحاد الكومنولث؟

مايكل جينينغز

Image courtesy of Stefan Rousseau / Pool / AFP

لم تكن الملكة إليزابيث الثانية أبدًا شخصية ضيقة الأفق، فقد كانت موضع اهتمام المملكة المتحدة وأيرلندا الشمالية، والعوالم الأربعة عشر الأخرى التي كانت ترأسها، وخلال سنواتها السبعين على كرسي العرش، التقت بـ 13 رئيسًا للولايات المتحدة، كما التقت بعدد من قادة العالم أكثر من أي شخص آخر، وشاهدت الأمم المتحدة وهي تتوسع من 60 إلى 197 دولة، وعلى الرغم من التباطؤ الأخير في رحلاتها حول العالم، فقد احتلت المركز الثالث في استطلاع عالمي أجري عام 2021 حول “النساء الأكثر إثارة للإعجاب حول العالم”.

ولكن الإرث الذي تركته خلفها بالغ التعقيد، فعلى الرغم من كل الاحترام والمحبة التي حظيت بها، لكن هناك أولئك الذين تمثل لهم مؤسسة ونظامًا مسؤولاً عن الأذى والعنف والاستغلال في جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية السابقة وخارجها، ومع خلافة الملك الجديد، ماذا سيعني هذا بالنسبة للملكية البريطانية وعلاقتها بالشعوب والبلدان خارج المملكة المتحدة، وعلى وجه الخصوص، ماذا عن الكومنولث؟ حيث يضم النادي 56 عضوًا معظمهم أعضاء سابقين في الإمبراطورية البريطانية. وبالنظر إلى الإرث المعقد للنظام الملكي، هل يمكن لذلك الإرث النجاة بعد وفاة ملكة ربما حظيت باحترام أكثر لتفانيها والتزامها من المؤسسة الأوسع التي ترأسها؟

وبمجرد انتهاء مظاهر الحداد والاحترام العلنية، فمن المرجح أن تثار أسئلة في البلدان غير البريطانية المتبقية التي كانت الملكة هي رئيس الدولة بالنسبة لها بشأن استمرار علاقتهما مع النظام الملكي، كما كان وضاحاً من قرار دولة باربادوس بأن تصبح جمهورية العام الماضي، فهناك شهية متزايدة منذ فترة طويلة لقطع تلك الروابط الرسمية بالملكية البريطانية. ومن المحتمل أن يكون هناك دفعة جديدة من قبل العديد من الدول مثل أستراليا وجامايكا (التي أعلنت للتو عن نيتها إجراء استفتاء) وغرينادا لتصبح جمهورية، وسيتم استغلال خلافة الملك الجديد كفرصة لبداية جديدة.

ولكن إذا كان من المرجح انخفاض ​​عدد الدول التي يترأسها الملك تشارلز الثالث خلال السنوات القليلة المقبلة، فإن تلك الروابط الرسمية لم تكن أبدًا أساس سلطة الملكة العالمية، بل كانت تلك القوة الهادئة وغير المرئية في الغالب. وقد تأسس ذلك بشكل أكبر في قيادتها للكومنولث، وعلاقات القوة الناعمة الظاهر في عشاء الدولة والدردشات غير الرسمية ومظاهر الأبهة والعظمة. وفي حين أن الملك الجديد سيكون قادرًا على الاستمرار في أداء تلك المراسيم والأنشطة، بفضل تشكيله علاقاته الخاصة مع قادة العالم خلال الفترة الطويلة التي لعب فيها دور ولي العهد، لكن هناك تساؤلات حول ما يعنيه ترأسه لدول الكومنولث.

وتم اختيار تشارلز ليكون الرئيس القادم للكومنولث في اجتماع رؤساء الحكومات لعام 2018، لكن ذلك القرار كان بفضل روابط المودة الدافئة للملكة داخل الكومنولث، أكثره منه دعم نشط للأمير تشارلز.

وكان احترام الملكة في المستعمرات السابقة أمرًا مثيرا للحيرة، كون عهدها بدأ في الأيام الأخيرة اليائسة والعنيفة للإمبراطورية، وحدثت بعض أهم لحظات عهدها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ففي عام 1947  وفي خطاب أذاعته من مدينة كيب تاون، تعهدت الملكة أن تقضي حياتها في خدمة شعوب الإمبراطورية والكومنولث،  وعلمت في كينيا أنها أصبحت ملكة بعد وفاة والدها، كما نالت الكثير من الاحترام و التقدير لدورها في إقناع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر بالتخلي عن معارضتها لعقوبات الكومنولث على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وسمحت لها اجتماعات الكومنولث بالحديث والتعرف على قادة 2.5 مليار انسان، لكن مع ذلك كان التزامها الشخصي الواضح وحبها للكومنولث هو الذي أثبت أنه قوة لتلك الروابط.، وقد زار تشارلز حوالي 45 من 56 دولة من دول الكومنولث، وأعرب عن التزامه، لكن كانت لديه – بصفته وريثًا وليس ملكًا – فرصًا أقل لإثبات ذلك الالتزام فلم تتح له فرصة على غرار موقف الملكة مع رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر.

وفي حين أنه لا يستطيع ورث روابط المودة تلك، ولا كسب عقودًا من الاحترام في غضون بضعة أشهر، إلا أن لديه فرصة لترك بصمته الخاصة، وضمان استمرار النظام الملكي البريطاني في ممارسة شكله الغريب من السلطة العالمية.

وكان تشارلز صريحًا، قبل وقت طويل من اعتلائه المسرح العالمي، حول القضايا البيئية وتغير المناخ، ويمكنه استخدام ذلك المحور لتعضيد سلطته غير الرسمية وللحديث إلى القادة والمؤسسات العالمية، ودعم دول الكومنولث التي ستتأثر أكثر من غيرها بارتفاع درجات الحرارة ومستويات سطح البحر والظواهر الجوية الشديدة، وسيكون صوته للجمهور تحت الرقابة، لكن القدرة على مقابلة قادة العالم والمؤسسات تمنح فرصة لن يحصل عليها سوى عدد قليل من القادة الآخرين.

وقد تكون رغبته في أن يُنظر إليه على أنه مدافع عن الأديان، بدلاً من الدفاع التقليدي عن العقيدة الأنجليكانية، مفيدة أيضًا. فقد أظهر اهتماما بالثقافات والأديان الأخرى، ودعم الحوار والتفاهم بين الأديان، وذلك من شأنه المساعدة في بناء روابط جديدة في إطار تنوع الكومنولث، وسيكون العمل الذي دعمه من خلال مؤسسة ” برنسس ترست”، وهي مؤسسة خيرية تركز على الشباب، وتعد منصة مثالية للتركيز على نطاق الكومنولث بشكل أكبر على الشباب العالمي، وكون أكثر من نصف سكان العالم دون سن الثلاثين، فإن بطل الشباب (حتى لو كان هذا البطل في السبعينيات من العمر) سيعزز من روابط دول الكومنولث.

تعد دول الكومنولث في مفترق طريق، حيث يمكن أن تنزلق بسهولة إلى خانة التحالفات غير المهمة، أو تصبح نادٍ بلا هدف ولا غاية. وكملك سيتمكن تشارلز من لقاء القادة والمؤسسات العالمية، وسيملك تأثير قوي وهادئ، ومن خلال العمل كحليف للدول الأكثر تهديدًا بسبب حالة الطوارئ المناخية في أروقة القوة العالمية، ومناصرة الشباب والتنوع، فإن تشارلز لديه فرصة لتجديد وتعزيز روابط دول الكومنولث، وربما خلق إرث لخليفته ليبني عليه.

  

مايكل جينينغز هو أستاذ في التنمية العالمية بجامعة “أس أو أي أس”  في لندن، حيث يعمل على القضايا المتعلقة بالصحة العالمية وسياسة وتاريخ التنمية العالمية.