من المتوقع ان تعاني سوريا من المشاكل المستقبلية بسبب دمج الميليشيات الموالية للنظام داخل القوات النظامية

حايد حايد

بدأ النظام السوري في فرض هيمنته على الميليشيات الموالية له بعد المكاسب العسكرية التي حققها، وذلك بغرض فرض سيطرته ومنع استخدام القوة الا من خلال الدولة، وحتى يتم تحقيق هذا الهدف؛ فقد قامت دمشق ببعض الإجراءات من أجل دمج الجماعات الموالية للنظام لتصبح قوات شبه عسكرية تحت قيادة الجيش السوري، ولكي نفهم كيفية عمل تلك المنظومة، وهي العملية التي لم يعترف بها الكثيرين خارج البلاد، وهذا الفهم يساعد على تحديد كيف يمكن لتلك العملية أن تدعم الاستقرار على المدى الطويل، ملحوظة: تلك العملية لم تفلح.

وهناك الكثير من الجماعات التي تعُد من “الميليشيات الموالية”، وعلى سبيل المثال هناك الجماعات التي قامت إيران بتأسيسها، مثل “قوات الدفاع الوطني”، وهناك جماعات قام بتأسيسها أفراد، مثل جماعة “البستان” التي أسسها رامي مخلوف، وهناك جماعات قامت بتأسيسها منظمات دينية غير إسلامية مثل “قوات الغضب” المسيحية، وهناك الميليشيات التي قام بتأسيسها حزب البعث؛ والميليشيات القبلية مثل “صقور الفرات”، وجماعات تابعة للجيش أو وحدات الاستخبارات النظامية، وهناك الميليشيات الأجنبية مثل “حزب الله”، وتلك الجماعات ليست لها انتماءات واحدة، حيث أن هناك بعض الميليشيات التي تدين بالولاء أو تتلقّى المساعدة من أكثر من حزب.

وعلى الرغم من الدور الذي قامت به تلك الميليشيات، والذي ساعد النظام على تجنُب الهزيمة أمام قوات المتمردين؛ إلا أن الميليشيات الموالية باتت تمثل تحديًا للسُلطات ولاستقرار الدولة، فكثرة عدد تلك الجماعات، وافتقادها للهيكل الإداري الموحد أدّى إلى الحد من قدرة النظام على السيطرة على تلك الجماعات، ومن ثم فقد انخرطت في أنشطة إجرامية مثل الإتجار بالبشر والخطف والسرقة، وقد باتت تلك الجماعات قادرة على تأسيس مراكز سُلطة موازية، مما أدّى إلى نشوب صراعات قوة ومواجهات متكررة مع القوات النظامية التقليدية، لذا فقد بات من الضروري وضع تلك الجماعات تحت سيطرة الجيش.

وتتنوع عمليات الدمج داخل الجيش، وفقًا للظروف المحلية وعملية التنافُس، وبينما ظلّت المعايير الصحيحة الخاصة بوضع أولويات دمج تلك الجماعات غير واضحة، إلا أن هناك بعض الخطوط التي يمكن التمييز من خلالها، ومن الواضح بشكل عام أن هناك ميليشيات تم حلها وإعادة استيعابها في مكان آخر، إذا ما رفضت الانتشار في منطقة أخرى، او إذا ما تنافست تلك الجماعات مع جماعات أو أشخاص أخرى ذو تأثير من أجل السيطرة على منطقة معينة، أو إذا ما أدّى انخراط تلك الجماعات في أنشطة إجرامية تلفت أنظار الرأي العام بشكل كبير.

والدمج أيضًا عادة ما يحدث في المناطق المؤمنّة، وبحيث يكون تواجد الجيش في تلك المناطق غير ضروري، وعلى سبيل المثال، هناك الكثير من الميليشيات الموالية في “برزة” و”عش الوروار” و”ضاحية الأسد” التي توجد في المناطق المؤمنّة شمال دمشق تم حلها، خاصة تلك الموالية لقوات الدفاع الوطني وحزب البعث، وبالمثل، فإن النظام قام بحل عدد كبير من الميليشيات بمحافظة حماة بعد تصاعُد القتال في تلك المنطقة.

وبمجرد اتخاذ القرار بحل ميليشيا معينة، فإن أفرادها يعاملون وفقًا لحالة التجنيد الإلزامي، وهُم البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و42 عامًا، والذين لم يكونوا قد قاموا بإتمام الخدمة العسكرية، حيث يكونون حينها مطلوبون للتجنيد، وفي بعض الحالات يطلب النظام من تلك الجماعات إرسال أسماء الأشخاص المطلوبين للتجنيد إلى الجيش، بغضّ النظر عن حالة التجنيد الخاصة بكل منهم، وهناك بعض موظفي الحكومة الذين اشتركوا مع ميليشيات موالية للنظام تم تحذيرهم بالعودة إلى وظائفهم أو الفصل بشكل نهائي، وفي تلك الحالة، فإن هؤلاء يخسرون الرواتب التي استمروا في تقاضيها.

أما الأشخاص الذين لم يطلبوا للتجنيد، أو الذين يمكن تسريحهم من الوظائف الحكومية، أو يمكن إشراكهم في القوات النظامية غير العسكرية، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف واستيعاب عشرات الآلاف من المقاتلين؛ وبدعم من روسيا قام النظام بتأسيس الفيلق الهجومي الرابع، وهي وحدة تطوعية، وقد قالت مصادر للمؤلف، ان تلك التجربة قد فشلت بسبب رفض إيران التعاون في هذا الإطار، ونتيجة لهذا فقد شارك عدد محدود من أعضاء الميليشيات في تلك التجربة.

ومن أجل السيطرة على هذا الفشل، فقد قامت روسيا بتأسيس الفيلق الهجومي الخامس في العام 2016، وقد كانت تجربة ناجحة جزئيًا، حيث بات النظام السوري قادرًا على السيطرة على عدد من أفراد الميليشيات يتراوح بين 10000 و15000 مقاتل، وبطريقة مماثلة؛ قام النظام برعاية وساطة مع إيران من أجل دمج عدد كبير من أفراد قوات الدفاع المحلي داخل قوات الطوارئ التابعة للنظام، وهي الوحدات التي يمكن استدعائها في أوقات الحرب.

وقد قام النظام أيضًا بدمج بعض الميليشيات داخل صفوة الوكالات الأمنية الخارجة عن سيطرة الجيش، لكن ولاء هؤلاء بات مختلطًا، فبينما يعد هؤلاء منضمين بشكل رسمي تحت لواء وكالة تم تأسيسها، الا إنهم يعملون بشكل مستقل، وعلى سبيل المثال، فقد تم دمج وحدة درع الساحل التي قامت إيران بتأسيسها داخل الحرس الجمهوري السوري، وبطريقة مماثلة؛ فإن الميليشيات المتواجدة في الحماة والقادسية التي تقع بضواحي دمشق تم دمجها في اللواء 101 التابع للحرس الجمهوري.

وبشكل عام، فإن مبادرة الدمج سمحت للنظام بدمج عدد كبير من الميليشيات الموالية داخل القوات النظامية الاحتياطية، ورغم ذلك فإن تلك الجهود أسفرت في الغالب عن تغيير المسمى الظاهر لتلك الميليشيات، فالأفراد داخل تلك الميليشيات ظلوا على ولائهم لمؤيديهم ولم يصبحوا بالفعل موالين للدولة، علاوة على ذلك، فإن مُعظم مجهودات الدمج قامت بها إيران وروسيا، والواقع أن النفوذ الكبير الذي تتمتع به هاتين القوتين الأجنبيتين على القوات المسلحة السورية سوف يستمر في تقويض شرعية النظام، فضلًا عن وجود متنافسين داخل هيكل الجيش بسبب تنوع الولاءات.

وبدون إصلاحات سياسية ومؤسسية حقيقية، فإن جهود دمج الميليشيات داخل القوات المسلحة السورية سوف تؤدي إلى تعظيم الخلافات حول الانتماءات والأهداف داخل المؤسسة العسكرية، وبدلًا من استعادة هيمنة الدولة على عمليات الجيش فإن نظام الأسد سوف يواجه المزيد من المشكلات التي سيجد نفسه مُجبرًا على علاجها في المستقبل، وتلك المشكلات سوف تُترجم في صورة أعمال عنف.

AFP PHOTO/HO/SANA