خطة بريطانيا لإقامة نصب تذكاري لتخليد الهولوكوست والتذكير بالطريقة المخزية التي تعاملت بها الحكومة البريطانية مع أزمات اللاجئين ماضيًا ومحاضرًا

جوناثان جرونال

أعلن رئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كاميرون” في العام 2015 بأن ثمة نصب تذكاري لقتلي اليهود كان من المزمع بناؤه بجانب مجلس النواب البريطاني بالمملكة المتحدة. وأضاف رئيس الوزراء بأن هذا النصب سيمثل “إعلانًا دائمًا لقيم تلك الأمة.”، وربما لم يكن الهدف الحقيقي لتلك القيم غير واضح بالنسبة للألوف المؤلفة من اليهود الذين حرمتهم إنجلترا من الفرار إليها في الوقت الذي يتعرضون فيه لإبادة جماعية من النازية في فترة الثلاثينات من القرن الماضي.

ويبدو الأمر مماثلاً بخصوص اللاجئين القادمين من سوريا وأي مكان آخر والذين يغادرون بريطانيا في الوقت الراهن ويرحلون عن أوروبا بسبب موجة السياسات المناهضة للهجرة، فإن النصب التذكاري ومركز التعليم البالغ قيمتهما “50” مليون جنيه إسترليني ربما لا يمثل لهم شيء سوى نصب تذكاري باهظ الثمن فيه تجسيد لمعاني النفاق والرياء.

وكان من المفترض أن تبني الحكومة البريطانية هذا النصب التذكاري في العام 2017، ولكن في ظل الجدال الذي شهده هذا المشروع، لم يبدأ بعد هذا المشروع رغم أنه سيتطلب ثلاث سنوات من العمل. ووجه البعض انتقاده للموضوع ذاته معللاً أن التصميم الخاص بالنصب التذكاري من شأنه أن يقضي على أكثر المتنزهات العامة حبًا للشعب، ويعتبر آخرون أنه لا داعي لوضع نصب تذكاري جديد.

فهناك في بريطانيا بالفعل عدد من النصب التذكارية التي تخلد قتلي اليهود، فهناك نصب تذكاري في إحدى حدائق “هايد بارك”، ومركز ومتحف الهولوكوست الوطني في مدينة “نوتنغهامشير”، وهناك متحف الحرب الإمبراطوري والذي يبعد ميل واحد فقط عن مدنية “وستمنستر”، علمًا بأن هذا المتحف قد بنى مركز التعريف بالهولوكوست على نفقته الخاصة والتي تقدر بـ”33,5” مليون جنيه إسترليني.

وعندما أعلن “كاميرون” للمرة الأولى عن إنشاء نصب تذكاري جديد، ايد الكثير من أعضاء البرلمان هذا القرار لأنه يبرز القيم البريطانية، وسمي هذا النصب بـ”نقل الأطفال”، وهو تخليد لعملية الإنقاذ المنظمة لما يقارب 10,000 طفل يهودي من براثن النازية عشية الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك فان الحكومة البريطانية في ذلك الوقت لم تكن صاحبة المبادرة في إنقاذ الأطفال، حيث بذلت مجموعة من اليهود وغيرهم من الجماعات الدينية المناضلة جهودًا مضنية للتغلب على الرفض الرسمي لتلك المبادرة، وفي النهاية وافقت الحكومة على إنقاذ الأطفال ولكن بشرط ألا يكونوا عبء مالي على الدولة.

وتقريبًا لم يشاهد أي طفل من العشرة ألآلاف آبائهم مرة أخرى، وبعد انقضاء الحرب بفترة طويلة، عرضت بريطانيا استقبال 1,000 طفل يهودي، غير أن الحكومة البريطانية لم تتمكن حينها من العثور إلا على 732 يتيم.

وأثناء الجدال الدائر بشأن النصب التذكاري، تحدث أعضاء البرلمان بفخر عن جهود السير نيكولاس وينتون، رجل البورصة الذي نجح في إنقاذ 669 طفل يهودي من مدينة “براغ” في العام 1939، وقد نفذ “ينتون” هذا العمل الإنساني بالمخالفة لسياسة الحكومة البريطانية وتوجهها ودون مساعدة منها، وهناك آخرون من قدم يد العون في تحد لسياسة الحكومة، ومنهم “فرانك فولي”، مسؤول الاستخبارات السرية البريطانية في برلين، والذي عرض حياته للخطر من خلال تجاهل قوانين الهجرة الصارمة لاستخراج تأشيرات للآلاف اليهود.

وفي الأسبوع الماضي، كشفت المؤسسة البريطانية للنصب التذكاري لمحرقة اليهود “الهولوكوست” عن أحدث التصميمات المعدلة التي نفذتها وذلك لإبداء الرأي فيها من جانب العامة من الناس. وفي الوقت ذاته، صاغت المؤسسة بيان رسالتها بعناية لمواجهة حالة القلق وعدم الارتياح التي انتابت البعض بسبب “قيم” كاميرون. وقال اللورد “بيكلز”، الرئيس المشارك للمشروع، بأن المعرض سيكون “متوازنًا، بحيث أنه سيتطرق إلى التعقيدات التي أحاطت بتعامل بريطانيا الغامض مع محرقة الهولوكوست…. مما يشجع الزائرين على التفكير مليًا بخصوص ما إذا كان ثمة أمور أخرى يمكن اتخاذها على صعيد صانعو القرار والمجتمع بأسره.”

وفي الوقت الذي تحاول فيه بريطانيا دحض تعاملها غير المثالي مع محرقة الهولوكوست، لم تقدم “القيم البريطانية” أي جديد خلال أزمة اللاجئين الحالية. وفي العام 2015، تولي العضو البرلماني المخضرم “جيرالد كوفمان”، ذو الأصول اليهودية البولندية، مسؤولية توبيخ الحكومة لأنها استقبلت عدد لاجئين أقل مما فعلته سابقتها في العام 1939. وكانت المملكة المتحدة قد عرضت استقبال 20,000 لاجئ على مدار خمس سنوات، وفتح الألمان بلادهم لـ10,000 لاجئ في يوم واحد. وقال “جيرالد” موجهًا حديثه إلى البرلمان “إذا لم نفعل هذا الآن، فسنندم ما بقينا من عمرنا”.

ومن الجدير بالإشارة إلى أنه من بين هؤلاء الذين يعيشون في المملكة المتحدة وبذلوا جل وسعهم لمساعدة اللاجئين السوريين من خلال تصديهم لنظام الحصة الصارم الذي تطبقه المملكة المتحدة هي المنظمة العالمية لإغاثة اليهود إذا مارست المنظمة دورًا حيويًا في عملية “إنقاذ الأطفال” منذ ثمانين عامًا مضت.

وفي العام 2016، توسل السير “إريك ريتش”، رئيس مجلس إدارة مجموعة المصالح الاجتماعية المسماة “إنقاذ الأطفال” والتي تتبع منظمة اللاجئين اليهود، توسلاً مباشرًا إلى رئيس الوزراء “كاميرون” لبذل المزيد. وكتب إليه “إن أصداء الماضي تطارد مشاعر رفقائي ومن ارتبط مصيره مثلنا بأعضاء البرلمان البريطاني. وأضاف، لقد أصبح “برايتون” الآن مسؤولاً عن “إظهار تعاطفنا ورغبتنا الإنسانية في توفير الملاذ لمن يحتاجون إليه”.

وفي 26 من نوفمبر، وأثناء مناقشات داخل مجلس اللوردات البريطاني بشأن الترتيبات اللازمة لإحياء الذكرى الثمانين لحادثة “إنقاذ الأطفال”، كان أحد المتحدثين هو اللورد “دبس” وكان طفلاً يهوديًا يعيش في دولة تشيكوسلوفاكيا ويبلغ من العمر ست أعوام وقت أن أنقذه “نيكولاس وينتون” في العام 1939. وبالنسبة إلى اللورد “دبس” فإن أفضل الطرق لتذكر حادثة “إنقاذ الأطفال” هو أن توافق المملكة المتحدة على استقبال 10,000 طفل لاجئ بدون وصي وذلك على مدار العشر “10” سنوات المقبلة.

وقالت الحكومة البريطانية بلهجة “تعسفية” إنها سترفع عدد اللاجئين إلى “480” لاجئ، ورغم ذلك لم تستقبل حتى الآن سوى “280”، وهو ما أصاب “دبس” بالإحباط وخيبة الامل.

ولاحقًا، أعرب أحد أعضاء مجلس اللوردات عن شعوره “باليأس” بسبب رفض المقترح. إننا نشدد الرقابة على الهجرة، ورغم ذلك مازال المهاجرون واحتياجاتهم مستمرة”، وأضاف اللورد “روبرتس” “يمكننا إغلاق الحدود، ورغم ذلك سيظل الأطفال المحتاجين عالقين أمامها” فعندما نشدد الرقابة على الهجرة فإننا نفعل شيء سيؤدي إلى استمرار تلك الاحتياجات الملحة.

وأضاف اللورد “روبرتس” قائلاً، “إذا أرادت بريطانيا تشييد نصبًا لإحياء ذكرى أحداث مضى عليها ثمانين عامًا، فإن أفضل ما يمكنها فعله هو تبني توجهًا جديدًا، ويجب علينا ان نبدي اهتماما، فبإمكان هذا النصب التذكاري تغيير الأشخاص، وهذا ما أرغب أن نلتف حوله جميعًا كأعضاء برلمان وشعب”.

AFP PHOTO/JUSTIN TALLIS