مخلفات الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس والغضب البريطاني غير المبرر تجاه الهجرة

جوناثان جرونال

Image courtesy of Chris Jackson / Pool / AFP

يتم إجراء تعداد للسكان في إنجلترا وويلز من قبل مكتب الإحصاءات الوطنية كل 10 سنوات، والغرض منه هو رسم صورة ديموغرافية دقيقة للسكان للمساعدة في تخطيط وتمويل وإدارة الخدمات العامة.

واظهر التعداد الأخير، الذي نُشر مؤخرا أن النسبة المئوية للأشخاص في إنجلترا الذين يُعرفون أنفسهم على أنهم من أصحاب البشرة البيضاء في انخفاض مستمرة، في حين أن عدد الذين ينتمون لمجموعات عرقية أخرى مستمر في الارتفاع.

وللمرة الأولى، سجل أقل من نصف السكان أنفسهم كمسيحيين، في حين ارتفع عدد المسلمين.

وبادر اليمينيون الانتهازيون في بريطانيا بنشر خطاب الخوف والكراهية، واستغلوا فكرة الخلافات العرقية لزرع الانقسام في المجتمع البريطاني.

ومن أبرز الأسماء في هذا السياق هو “نايجل فاراج” وهو الذي صمم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واستطاع بمفرده إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من خلال إقناع جزء كبير من الناخبين بأن كل مشاكلهم يمكن أن تُعزى إلى المهاجرين.

وفي مقطع فيديو تحريضي نشر على تويتر، ادعى فاراج أن التعداد أظهر أن “برمنغهام ومانشستر ولندن كلها الآن مدن يعد فيها البيض أقلية “.

وأضاف “فاراج” الذي وصف الهجرة بـ “الغزو” أنه إلى جانب حقيقة أن “46 في المئة فقط ينتمون للدين المسيحي … فهناك تغيير هائل في هوية البلد وذلك بفضل الهجرة”.

وبالفعل ارتفع عدد المسلمين في البلاد، ولكن بشكل طفيف من 2.7 مليون في عام 2011 إلى 3.9 مليون في عام 2021. والقضية الحقيقية هي أن الإنجليز البيض يديرون ظهورهم للدين بأعداد كبيرة، وانخفض عدد المسيحيين من 33.3 مليون في عام 2011 إلى 27.5 مليون، في حين ارتفع عدد من يقولون الذين إنهم لا دين لهم من 14.1 مليون إلى 22.2 مليون.

كما كان “فاراج” مخطئا تماما بشأن عدد سكان أصحاب البشرة البيضاء الذي يقطنون المدن البريطانية، لدرجة أن مكتب الإحصاءات الوطنية أصدر بيانا حول “الادعاءات غير الدقيقة”.

وفي حين أنه من المهم تصحيح مثل تلك الأكاذيب، لكن لا يوجد سوى ردين صحيحين لمن يحاول دق ناقوس الخطر بسبب تغيير إنجلترا للونها ببطء ولكن بثبات.

الأول هو “ماذا في ذلك؟”

فبدلا من رؤية الناس من منظور فاراج ومن هم على شاكلته، والذين لا يرون سوى العرق واللون والدين، ويعتبرون كل جانب من جوانب الهوية الشخصية إذا ما اختلفت عن هويتهم، تحديا لوجودهم، وهو اعتبار غير صحيح.

والرد الثاني هو “حسنا، كنت تعرف أن هذا هو ما ستؤول إليه الأمور.”

هل تذكر الإمبراطورية البريطانية؟ لقد ذهب البريطانيون إلى أراض بعيدة واستحوذوا عليها ونهبوا خيراتها، وفيما بعد، أعطوا بعض “رعاياهم” الجدد جوازات سفر بريطانية، ليس بدافع حب الخير، ولكن لأنهم كانوا بحاجة إلى عمالة رخيصة.

وبناء على ذلك، جاءوا، وقاموا بالوظائف التي لم يرغب أي شخص أبيض في القيام بها، وأنجبوا أطفالا، والآن أطفالهم ينجبون أطفالا، وهو ما يعيدنا إلى ذلك الرد الآخر: “ماذا في ذلك؟”

لا يمكن لأي مجتمع بشري أن يحاكي المتاحف، التي لا تغيرها مرور الأيام، ويجب حمايتها من التغيير كما لو كانت مبان تاريخية، وإنجلترا ليست استثناء، وبالنظر إلى تاريخها، لا ينبغي أن تتوقع أن تكون كذلك.

حتى قبل موجات الهجرة الكبيرة من المستعمرات السابقة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كان تعريف “الهوية الإنجليزية” مستحيلا دائما.

فتحليل الحمض النووي لأي شخص بريطاني عادي هو أمر معقد، بل من بين الأكثر الأحماض النووية تعقيدا في العالم، وذلك بفضل دماء الموجات المتتالية من الغزاة والتجار والمهاجرين والعبيد واللاجئين التي ضخت بأعداد كبيرة من البشر من الرومان فصاعدا.

ولكن هذا هو مربط الفرس، فحتى الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من أصولهم المتنوعة واختلاف أسباب مجيئهم إلى بريطانيا، كان لدى كل هؤلاء الأشخاص شيء واحد مشترك، وهو أنهم جميعهم يشبهوننا بصورة عامة.

وتغير كل ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بحثت بريطانيا في مستعمراتها السابقة عن الأيادي العاملة، التي افتقرت اليها والتي احتاجتها للبدء في إعادة بناء مدنها المحطمة.

ومنح قانون الجنسية البريطانية في عام 1948 رعايا الإمبراطورية الحق في العيش والعمل في المملكة المتحدة، ونتيجة لذلك، جاء مئات الآلاف إلى بريطانيا في حقبة الخمسينات، ومعظمهم من الهند وباكستان وجزر الهند الغربية.

واستمرت الهجرة، واتسعت منذ ذلك الحين، مع استعداد المهاجرين لأخذ الوظائف ذات الأجور المنخفضة التي لا يريدها أي شخص آخر.

بالنسبة للكثيرين، فإن العمل منخفض الأجر هو مجرد نقطة انطلاق، وربما يكون الجيل الأول قد نظف الشوارع وقاد الحافلات، لكن أبناءهم وأحفادهم يعملون اليوم كأطباء ومحامون. إنه لأمر رائع وجدير بالاحتفال أن المملكة المتحدة لديها اليوم رئيس وزراء من أصل هندي، والذي يقود حكومة تضم وزراء آخرين من أصل هندي وأفريقي وعراقي كردي.

ولم تكن “إنجلترا” أبدا بلدا بعيدا عن التغيير، ولم تكن أبدا موطنا لعرق “واحد” من الناس، وبالنسبة للسياسيين اليمينيين المتطرفين والمتشاجرين مع الجماهير مثل فاراج، فإن الإشارة إلى ذلك، هو أمر مثير للسخرية وبالغ الخطورة أيضا.

وتحتاج بريطانيا الآن إلى المهاجرين بنفس القدر، أو حتى أكثر مما كانت عليه في سنوات ما بعد الحرب، وذلك ليس فقط ليحلوا محل العمال الموسميين الرخيصين من الاتحاد الأوروبي الذين لم يعد يسمح لهم بالعمل في مزارعها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، ألقى حزب استقلال المملكة المتحدة الذي يتزعمه فاراج باللوم على المهاجرين في كل شيء من نقص المقاعد المدرسية وخدمة الصحة الوطنية المتعثرة إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور.

وانتشر ذلك الموقف وانعكس منذ ذلك الحين على سياسات الحكومات الخائفة من فقدان دعم الناخبين اليمينيين.

وأوجد فاراج وحلفاؤه الآن وسيلة جديدة لإصلاح المملكة المتحدة، وهو حزب يركز على – كما كان متوقعا – الهجرة. ومن الواضح أن الدعم لذلك الحزب آخذا في الازدياد.

فقط أحمق أو عنصري أو شخص يأمل في إشعال واستغلال مخاوف الحمقى والعنصريين يمكن أن يزعم أن الهجرة لم تكن مفيدة لبريطانيا.

ولسوء الحظ لم تكن فئة “أحمق” أو “عنصرية” من ضمن الفئات المتاحة للمشاركين في التعداد الأخير.

 

جوناثان غورنال صحفي بريطاني، عمل سابقا مع صحيفة التايمز، وعاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الآن في المملكة المتحدة. تويتر: @JonathanGornall