ترغب بريطانيا حال خروجها من الاتحاد الأوروبي أن تكون مثل سنغافورة ؛ ولن يتأتي لها ذلك إلا بالمرور أولاً عبر دول الخليج

فيصل اليافعي

AFP photo: Roslan Rahman

هذه قصة اتفاقيتين للتجارة الحرة، أولهما، بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد انهارت بسبب التفاوض غير المجدي بشأنها، حيث تم التفاوض بشأنها بشكل دوري على مدار 20 عامًا، دون التوصل إلى قرار بشأنها. والثانية، بين سنغافورة ودول مجلس التعاون الخليجي، وحررها الطرفان في العام 2013 ، وهي أول اتفاقية تجارة حرة توقعها دول الخليج مع دولة خارج دول الشرق الأوسط.

وبعد مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي – سواء كان ذلك في نهاية الشهر أو بعد مهلة قصيرة – ستحتاج بريطانيا إلى تحديد نوع البلد الذي تريد أن تكون عليه، وأن تكون معفاة من القيود القارية.

وهناك نموذج واحد، وهي دولة “سنغافورة”، حيث منارة التجارة الحرة بسيطة اللوائح ومنخفضة الضرائب، وبالفعل، تلك هي الرؤية المثالية لمن يخرج من الاتحاد الأوروبي، وهي النموذج الأقرب للتطبيق إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

غير أن التحول إلى النموذج السنغافوري أمرًا محفوفًا بعدم اليقين، لأن الأمر يلزم أكثر من مجرد تغيير علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي، إذا يتطلب الأمر أن تغير المملكة المتحدة علاقتها مع نفسها.

وسيكون الاختبار الأول لبريطانيا بخصوص رؤيتها الجديدة في دول الخليج.

يمكن القول عادة بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عادة هو فرصة لتنفيذ الأمور بشكل مختلف. ولكن في الخليج، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله المملكة المتحدة هو فعل المزيد من الأمر ذاته. وبطريقة ما، يجب أن تكون اتفاقية التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي واحدة من أسهل الاتفاقيات التي تحررها المملكة المتحدة، وذلك لأن العقبات أمام التجارة مذللة بالفعل: وتترواح رسوم الاستيراد قرابة الخمسة “5%” في المائة، رغم أن اتفاقية مجلس التعاون الخليجي وسنغافورة نصت على إعفاء جميع الواردات تقريباً من التعريفة الجمركية، لذلك هناك مجال لتحسين صفقة المملكة المتحدة من دول الخليج.

وفي العام الذي أعقب الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، احتفل وزير التجارة الدولية البريطاني بحقيقة أن الشركات البريطانية تصدر إلى دول الخليج كل عام بضائع تفوق قيمتها الثلاثين “30” مليار جنيه إسترليني، والكثير من الصادرات إلى الصين. ومنذ ذلك الحين، وتشهد بريطانيا نموًا تجاريًا. ومع حلول العام 2020، تهدف كلٌ من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة إلى الوصول بالتعاون التجاري الثنائي بينهما فقط إلى “25” مليار جنيه إسترليني، كما تحرص الاقتصاديات الرئيسية الأخرى لدول مجلس التعاون الخليجي والمملكة العربية السعودية وقطر على توسيع وارداتها من المملكة المتحدة والاستثمار فيها.

وعلى وجه الخصوص، ونظرًا لأن دول مجلس التعاون الخليجي تتطلع إلى التنويع بعيدًا عن المواد الهيدروكربونية ، سيسعى الكثيرون من دول الخليج إلى توسيع قطاعات التعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية، وتلك هي جميع القطاعات التي تتميز فيها الخدمات البريطانية بالقوة، مما يمنح المزيد من التعاون بين بريطانيا ودول الخليج.

وعلى الجانب الآخر، ماذا يريد الخليج من المملكة المتحدة؟

الإجابة باختصار، هي الاستقرار والاستمرارية. وفي الوقت الحالي، تركز معظم التجارة بين بريطانيا ودول الخليج على مبيعات النفط والغاز والأسلحة، بيد أن مبيعات الأسلحة لن تدخل ضمن اتفاقية التجارة الحرة، لأن تلك المبيعات مسألة تخص الحكومات فيما بينها، لذلك، يكمن الحل من وجهة نظر مجلس التعاون الخليجي في استمرارية العلاقات السياسية الطيبة.

وينطبق الأمر نفسه على مسألة الاستقرار، حيث تضخ صناديق الثروة السيادية والمواطن العادي استثمارات هائلة في سوق العقارات في المملكة المتحدة، وبالتالي فإن انخفاض الأسعار أو تقلبات سعر الصرف قد يكون له أثره على تلك الاستثمارات. ومع ذلك، فإن هذه الاستثمارات لا تمت لاتفاقية التجارة الحرة بصلة. وهناك أيضًا مشكلات مثل الدخول إلى بريطانيا بدون تأشيرة، وهو ما طلبته دول مجلس التعاون الخليجي فعليًا.

فلا تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي من المملكة المتحدة المزيد من الاتفاقيات التجارية، بل سياسة تجارية أقل حدة.

وكانت النقاط العالقة في مفاوضات التجارة الحرة مع دول الاتحاد الأوروبي تتعلق في الأساس بالسياسة: حيث تريد دول مجلس التعاون الخليجي التجارة مع الاتحاد الأوروبي دون ما تعتبره تدخلًا غير ضروريٍ في السياسة الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما تلك السياسات المتعلقة ببنود حقوق الإنسان. وهناك شكوك متبادلة: فالاتحاد الأوروبي يساوره الشك في أن انعدام الحرية السياسية في الوقت الحالي في دول مجلس التعاون الخليجي يعني أيضًا أن دول المجلس لا تريد حقًا أن تحرر أيضًا اقتصاديًا. وبينما تساور الشكوك دول الخليج في أن بنود الاتحاد الأوروبي الخاصة بحقوق الإنسان هي وسيلة للتدخل أكثر في الشؤون الداخلية لدول الخليج في المستقبل.

ومن ثم، فإن إبرام اتفاقية تجارة حرة يدل على أن تغيير الأسلوب الذي تنتهجه المملكة المتحدة، ألا وهو غض الطرف عن المزيد من القضايا السياسية، والتركيز على الشأن التجاري فقط. وهذا بالتحديد ما يريده مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوربي، وما تفضله دول مجلس التعاون الخليجي. ولكن من وجهة نظر المملكة المتحدة ، فإن ذلك يعني تغيير الطريقة التي تنتهجها بريطانيا منذ عقود للتفاوض عند إبرام العقود، وهو ما يدل على تغيير عرضها المقدم إلى دول الخليج فيما يتعلق بظروف التجارة الثنائية؛ وتغيير علاقتها مع نفسها فعليًا.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت الرؤية السنغافورية واحده من الرؤى المدعومة داخل المملكة المتحدة.

فقد اعتمدت سنغافورة في نجاحها على ثقافة سياسية واجتماعية محددة للغاية، تلك الثقافة التي تتضمن جوانب قد يفضلها الشعب البريطاني (مثل الضرائب المنخفضة، والحد الأدنى من اللوائح التنظيمية)، وجوانب أخرى لا يريدها العامة بالتأكيد (مثل تخفيض النفقات العامة، في بلد يكرس نفسه لتقديم الخدمات الصحية الوطنية ذات المخصصات المالية الوفيرة)، وأشياء لا تستطيع المملكة المتحدة ببساطة التعامل معها حتى وإن أرادت ذلك (مثل شعب سنغافورة المتواضع والبالغ تعداه خمسة ملايين ونصف المليون نسمة، أو المجتمع السنغافوري المترابط بوجه عام).

فإذا تمكنت بريطانيا من التعامل مع تلك الأمور، فقد تكون حقًا شبيهة بسنغافورة، بيد أن دول الخليج ستكون أول اختبار رئيسي لبريطانيا. إن إبرام اتفاقية تجارة حرة بسرعة مع دول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن المزيد من الصفقات بالغة التعقيد مع الدول الأقل استعدادًا، أصبح أمرًا في غاية السهولة، غير أن الفشل في إبرام صفقة، أو اكتشاف أن معظم الشعب لا يريد النموذج السنغافوري على ضفاف نهر التايمز، وما يلي ذلك من عواقب سيجعل الوضع بالغ الصعوبة.

ويمكن أن تجد بريطانيا نفسها، خلال رحلتها للخروج من الاتحاد الأوروبي والتحول إلى الرؤية السنغافورية، عالقة عند تجربة شرق قناة السويس