لن يُمثل اقتراح بايدن “إعادة البناء بشكل أفضل للعالم ” B3W في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع G7 تهديدًا خطيرًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية

دنيانيش كامات

AFP Photo: Olivier Douliery

من غير الوارد أن يشكل برنامج الرئيس الأمريكي جو بايدن غير المحدد تحدياً لمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI) وقد تم تسميته على اسم أحد شعارات حملته المحلية، “إعادة البناء بشكل أفضل للعالم،” أو (B3W بي ثري دبليو)، ويهدف إلى أن يكون برنامج تمويل بديل متعدد الأطراف لمبادرة الحزام والطريق الصينية للدول النامية.

و من الناحية الأيديولوجية، ترتكز مبادرة بايدن (بي ثري دبليو) على فرضية مفادها أن العالم اليوم منقسم بين الحكومات الديمقراطية والأنظمة الاستبدادية، وأن المبادرة (بي ثري دبليو) سوف “تنقذ” البلدان بطريقة ما من انسياقها نحو الصين الاستبدادية. هذا الانقسام للعالم إلى معسكرين متناقضين سيضع حلفاء أمريكا وأوروبا في وضع حرج، لأنه يحمل في طياته أصداء الحرب الباردة. كما تتغافل هذه الفكرة على حقيقة أنه بفضل التراجع الديمقراطي في العالم اليوم، فهناك دول مختلفة (على سبيل المثال، المجر والهند وتركيا وإثيوبيا) متحالفة شكليا مع أمريكا، ولكنها تلعب مع شعوبها كلا الدورين الديمقراطي والاستبدادي. فضلاً عن أن المبادرة مليئة بالعديد من التناقضات وتعتمد على تحرك أمريكا وأوروبا واليابان جنبًا إلى جنب فيما يتعلق بسياساتهم تجاه الصين.

ومن الواضح عدم وجود سياسة موحدة تجاه الصين داخل الاتحاد الأوروبي. فالحكومة الالمانية على سبيل المثال، لا تزال تنظر إلى الصين كسوق كبير لمنتجاتها التصنيعية عالية التقنية ولسياراتها. ولن ترغب في أن يُنظر إليها على أنها متحمسة للغاية في دعمها لـ لمبادرة “بي ثري دبليو” خشية أن تثير حفيظة بكين. و بالرغم من الضغوطات الأمريكية، وقع الاتحاد الأوروبي حديثا اتفاقية استثمار مع الصين. و فيما يتعلق بمسألة تحرير سلاسل التوريد العالمية من استخدام العمالة القسرية (في إشارة إلى معاملة الصين للأويغور) ، فكان هناك أيضاً تراجع من الشركات الأمريكية. وكيف يمكن لمبادرة (بي ثري دبليو) B3W ضمان خلو سلاسل التوريد العالمية من المنتجات المصنعة في المستعمرات الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة؟

ولا يعرف أحد كيف سيتم تمويل مبادرة (بي ثري دبليو) الامريكية، بغض الطرف عن التأكيدات المبهمة من قبل الدبلوماسيين الأمريكيين بأن البرنامج سيشمل برامج التمويل القائمة متعددة الجنسيات. كما سيتم ربط تمويل المبادرة الامريكية بشروط تتعلق بحقوق الإنسان وتغير المناخ وقضايا الفساد وسيادة القانون. وهذا يثير تساؤلات حول ماذا سيدفع بالبلدان النامية للعمل مع مزيج من مبادرات التمويل المرتبطة بشروط تتدخل في شؤنها الداخلية عوضا عن الاستمرار في السعي للحصول على تمويل مبسط وبدون قيود من مبادرة الحزام والطريق الصينية. وكيف تخطط أمريكا لجمع شركات القطاع الخاص والبنوك لدعم مبادرتها؟ فالمناخ السياسي الراهن في البلاد معاديًا للشركات الكبيرة والبنوك، ويخطط بايدن لتمويل برنامجه المحلي لإعادة البناء بشكل أفضل من خلال زيادة الضرائب على الشركات الكبيرة.

إن المبادرة الامريكية الأخيرة لفرض حد أدنى عالمي للضريبة على الشركات متعددة الجنسيات تقوض من قدرتها التنافسية ضد الشركات المدعومة من الحكومة الصينية. وكيف تتوقع شركات القطاع الخاص الأمريكية الحفاظ على قدرتها التنافسية كجزء من المبادرة الامريكية (بي ثري دبليو) B3W الخاصة بالبلدان النامية؟ وكيف تخطط أمريكا لتقديم تقنيات ملفتة للأنظار إلى البلدان النامية التي تختار مبادرتها على المبادرة الصينية؟ كما لايزال الجمهوريون في أمريكا متوجسون من أي سياسات صناعية تسعى إلى تحويل تمويل القطاع العام نحو البحث والتطوير في القطاعات الاستراتيجية. مما مهد الطريق للصين للتفوق على أمريكا في مضمار تقنية 5G.

إن إطلاق مسمى B3W (بي ثري دبليو) أو “إعادة البناء بشكل أفضل للعالم ” على اسم إحدى مبادرات بايدن المحلية هي إشارة معروفة للطموحات الإمبريالية الأمريكية. حيث تفترض هذه العبارة أن ما هو جيد لأمريكا يجب أن يكون نموذجًا يحتذيه بقية العالم. لكن، حتى لو افترضنا صحة ذلك، فإن أمريكا لاتزال تواجه الكثير من التحديات في هذا المسار، حيث لم يوافق الكونجرس الأمريكي الذي يتحكم في أي مبادرة حكومية، على مبادرات الإنفاق المحلي لبايدن في إطار برنامج إعادة البناء بشكل أفضل. وقد يتعين في نهاية الأمر التضحية بأجزاء كبيرة من تلك المبادرة لتحقيق إجماع من الحزبين في النظام السياسي المختل وظيفيًا في أمريكا.

حتى في الوقت الذي تسعى فيه أمريكا لاستخدام هذه المبادرة في تعزيز التجارة الحرة وتقوية وتعضيد سلاسل التوريد العالمية، فإن واشنطن التزمت الصمت بخصوص إعادة الانضمام إلى الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ. وهي اتفاقية التجارة الحرة المتعددة الأطراف والتي تضم حلفاء أمريكا، ولكنها تواجه معارضة قوية من كل من الجمهوريين والديمقراطيين. من المحتمل أن يواجه دمج مبادرة بايدن لعنصري التغير المناخي والأهداف الخضراء معارضة حتى في صفوف حلفاء أمريكا. على سبيل المثال، كانت هناك هتافات و صيحات احتجاج من كافة الوان الطيف السياسي الكندي تزامنت مع ألغاء إدارة بايدن مؤخرًا مشروع خط أنابيب Keystone XL الذي يهدف إلى نقل النفط من كندا إلى الولايات المتحدة.

ويسعى بايدن لإعادة تقديم أمريكا كدولة يقتدي بها بقية دول العالم، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تحسين صورة مبادرته بي ثري دبليو. ومع ذلك، ظل البيت الأبيض ملتزماً الصمت بخصوص دمج المبادرة لحركة العمالة بالإضافة إلى حركة رأس المال والسلع والخدمات. ولم تعلن إدارة بايدن بعد عن تقويم نظام الهجرة. وقد شاهد العالم مؤخرًا نائبة الرئيس كامالا هاريس، والتي تعتبر ابنة مهاجرين، وهي تقول لسكان أمريكا الوسطى: “لا تأتوا إلى الولايات المتحدة”. وعليه، يفضل العالم المشاركة في مشاريع مبادرة الحزام والطريق، القائمة على سياسة واقعية حازمة، عوضا عن المبادرة الامريكية القائمة على قيم رومانسية فضفاضة تروج لها امريكا بالقول لا بالفعل.

في نهاية المطاف تم ذكر المبادرة الامريكية من خلال إشارة غامضة من سطر واحد في البيان الختامي الصادر في نهاية قمة مجموعة الدول الصناعية السبع G7. ربما تكون هذه دلالة على أن بقية أعضاء مجموعة السبع أدركوا حقيقة تلك المبادرة – وهي حيلة لفظية تستهدف الجمهور المحلي من قبل رئيس منتخب حديثًا والذي يلهث وراء تحقيق انتصار على صعيد السياسة الخارجية.

دنيانش كامات محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا. كما أنه مستشار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للجهات الحكومية والقطاع الخاص.