بايدن يضرب مواقع سورية – ما هي تبعات ذلك على العراق وإيران؟

الين ليبسون

AFP Photo: Safin Hamed

في الأسبوع السادس من توليها المسؤولية أقدمت إدارة بايدن على استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط، حيث تم إلقاء 7 قنابل على مجموعة من البنايات في سوريا تتبع ميليشيات شيعية موالية لإيران؛ يقال أنها مسؤولة عن الهجوم الأخير الذي استهدف قاعدة تابعة للولايات المتحدة وقوات التحالف خارج أربيل عاصمة كردستان العراق، وقد وُصِف الهجوم بأنه تم التخطيط له بعناية، وقد اختار الرئيس أقل الخيارات العدائية التي تم عرضها عليه، بغرض جعل الضرر الناتج عن تلك الغارة مساويًا للهجمات التي أسفرت عن الخطوة الأمريكية.

وعلى مدار العام الماضي عمدت الميليشيات الشيعية إلى إطلاق الصواريخ على المجمع الضخم الذي يضم السفارة الأمريكية في بغداد، مما تسبّب في أضرار أصابت الممتلكات لكنه لم يسفر عن خسائر بشرية كبيرة، ويبدو أن هجوم أربيل الذي تم في فبراير وأسفر عن إصابة عدة أشخاص ومقتل متعاقد لا يحمل الجنسية الأمريكية؛ يبدو أنه استمرارًا لذات النمط من الهجمات، وفي إطار الرد على تلك الهجمات استهدفت الولايات المتحدة مجمعًا يضم بنايات متعددة تستخدمها عدة ميليشيات شيعية لدعم العمليات التي تقوم بها داخل العراق، وقد أعلن مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية إن العملية كانت دفاعية في طبيعتها، وأنها تمت من أجل حماية الأشخاص من الأمريكيين والدول الحليفة و”شركائنا العراقيين”.

وتعُد تلك العملية بمثابة تحول مثير للاهتمام عن الأسلوب الذي اتبعته إدارة ترامب، والتي عمدت إلى توبيخ والضغط على الحكومة العراقية حين تقع مثل تلك الهجمات، حيث هددت في العام 2020 بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد إذا لم تفلح قوات الأمن العراقية في حماية الأمريكيين الموجودين على الأراضي العراقية، وقد عمد بايدن إلى إرسال رسائل متعددة عبر تلك العملية؛ مؤداها أن الوجود الأمريكي في العراق يهدف لتنفيذ مهمة مشتركة لمنع الإرهاب الذي يمارسه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو أية جماعات متطرفة أخرى، فضلًا عن تأسيس قدرات ضخمة وبسط الاستقرار في العراق.

والواقع أن اختيار قصف موقع داخل سوريا والعلاقة الغامضة بين هذا الأمر وبين هجوم أربيل سينتج عنهما إثارة الانتقادات خلال الأيام القادمة، وقد كان المجمع الذي قصفته الولايات المتحدة قريبًا للغاية من الحدود العراقية حيث يقع إلى الجنوب الغربي من أربيل، لكن يمكن القول أن الهجوم الأمريكي سيتم تصويره على أنه عمل عدائي ضد دولة لم تتسبب في الضرر الأساسي الذي تم.

وفي حين أن الولايات المتحدة ربما لا تشعر بالتزامها بتطبيق القواعد الدبلوماسية تجاه النظام السوري؛ فقد كانت روسيا الشريك الأمني الأبرز لسوريا هي التي أبدت ردود فعل قوية على الهجوم الأمريكي، حيث أعلنت استيائها من أن واشنطن لم تخبر موسكو بالهجوم سوى قبل ساعة واحدة من انطلاق القاذفات الأمريكية تجاه منطقة تساهم روسيا في السيطرة عليها، علاوة على ذلك؛ فقد أعلن المسؤولين الأمريكيين أن العراق سيجري تحقيقًا حول ملابسات هجوم أربيل من أجل الوصول إلى الجناة، واليوم فإن الولايات المتحدة تعتقد أنها تملك المعلومات الاستخباراتية الكافية لاختيار الهدف وتنفيذ الهجوم، والواقع أن جماعة “أولياء الدم” التي أعلنت مسؤوليتها عن هجوم أربيل تعُد إحدى فروع الميليشيا الشيعية الرئيسية وهي كتائب حزب الله.

وقد تساءل بعض المحللين عقب الهجوم الأمريكي مباشرة حول إمكانية أن يؤدي تسلسل الأحداث إلى تغيير مسار العلاقة الوليدة بين بايدن وإيران فيما يتعلق بخطة العمل المشتركة، وهؤلاء المحللين يشعرون بالقلق من أن يؤدي تصعيد التوتر بين الولايات المتحدة ووكلاء إيران إلى القضاء على – أو على أقل التقديرات – إبطاء الجهود الدبلوماسية التي تهدف إلى العودة إلى الالتزام بصورة تامة بخطة العمل المشتركة، وكل من واشنطن وطهران تحتاجان إلى القيام بخطوات واضحة من أجل العودة للاتفاق النووي، لكن هناك الكثير من المناورات المتعلقة بتسلسل الأحداث والعلاقات المتبادلة بين طرفي النزاع.

بالنسبة للولايات المتحدة؛ فإن مسألة العودة عن القرارات التي اتخذها ترامب في العام 2018 بمغادرة الاتفاق النووي تواجه تعقيدات بسبب الجوانب القانونية لسياسات العقوبات الأمريكية، وأيضًا بسبب وجود قناعة بأن إيران هي الطرف الذي يجب عليه إثبات التزامها المستمر ببنود الاتفاق النووي، وإيران من جانبها تلعب لعبة خطرة، حيث أعلنت أنها لن تتراجع عن أنشطة تخصيب اليورانيوم التي تقوم بها مؤخرا؛ والتي تعُد خرقًا للالتزامات التي تعهدت بها خلال خطة العمل المشتركة ما لم تقم الولايات المتحدة برفع جميع العقوبات، وقد قامت إدارة بايدن بخطوة واحدة على استحياء، وذلك عبر موافقتها على المشاركة في لقاء يستضيفه الاتحاد الأوربي يشمل جميع الأطراف الموقعة على خطة العمل المشتركة، ولم تبد إيران حتى اليوم نيتها لحضور مثل هذا اللقاء.

ويمكن للمرء أن تكون لديه حجة مفادها أن قضية الدفاع عن قواعد ومنشآت الولايات المتحدة ودول التحالف في العراق؛ هي مسألة منفصلة عن الجهود الدبلوماسية الخاصة بأنشطة إيران النووية، علاوة على ذلك؛ فإن إعلان الرئيس الامريكي الجديد عن إرادته الصريحة لاستخدام القوة من الممكن أن يكون بمثابة رسالة هامة إلى إيران، وخلال فترة حكم إدارة أوباما فسّر البعض فشل الولايات المتحدة في اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة الحرب الأهلية السورية؛ على أنه دليل يثبت أن نجاح الدبلوماسية الأمريكية مع إيران يعُد من صميم المصلحة الأمريكية، وبقاء الولايات المتحدة خارج الحلبة السورية تم تفسيره على أنه محاولة لتفادي مصدرًا للتصعيد مع إيران يمكن له أن يضر بالمحادثات النووية.

وهذا التحليل ربما يفتقد الدقة، فقد لجأ أوباما إلى بعض الخيارات الاستراتيجية حيال سوريا كانت أشد تعقيدًا من مجرد البحث عن تداعياتها على إيران، لكن فريق بايدن يعمل اليوم على تفادي هذا الغموض، وسوف تقوم إدارة بايدن بحماية المصالح الرئيسية للولايات المتحدة في المنطقة والدفاع عنها، بينما تستمر في المفاوضات النووية من أجل تحقيق مصالح واشنطن.

وإذا ما أرادت إيران أن ترد الرسالة إلى واشنطن؛ يجب عليها كبح جماح الميليشيات أو الإقدام على خطوات أخرى بغرض التنصُل من الأعمال العدائية التي تستهدف الولايات المتحدة، ووفقًا لبعض الروايات فإن إيران ربما لا تسيطر بصورة تامة على الميليشيات الشيعية، وبينما تستفيد تلك الجماعات بكل تأكيد من الدعم الإيراني سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا فإنها تعمل على الأراضي العراقية، وقادة السياسة العراقية في السابق استخدموا أو أساءوا استخدام تلك الميليشيات في صراعات على السلطة لم تكن بالضرورة نتاجًا لمخططات إيرانية.

وخلال أوقات سابقة كانت هناك أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران لدعم العراق، وقد عملت كل من الولايات المتحدة وإيران سويًا لإنهاء احتلال تنظيم الدولة لمدينة الموصل وأراضِ أخرى شمالي العراق، ووجد الطرفان في بعض الأوقات أساليب غير مباشرة للتعبير عن دعم ذات المرشحين، وذلك خلال المفاوضات المستمرة لتشكيل الحكومة عقب الانتخابات العراقية، وكل من واشنطن وطهران تبحث عن مصالحها حين يتعلق الأمر بالعراق.

لكن حين يتعلق الأمر بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران فإن التحليل قد يبدو متشائمًا، فإيران متشككة حول نوايا بايدن المبدئية كما أنها ستشهد انتخابات رئاسية في يونيو القادم، كما أن التجربة المريرة مع إدارة ترامب والتقلبات السياسية للرؤساء الأمريكيين جعلت إيران أكثر تشاؤمًا فيما يخص التعامل مع واشنطن، كما أنه ومن منظور إيران لم يتم حتى اليوم الانتقام لحادث مقتل قاسم سليماني والذي اغتالته الولايات المتحدة في يناير من العام 2020، وأنشطة الميليشيات الشيعية العراقية ربما تعيد الاعتبار لإيران في إطار هذا الصراع الغير متكافئ.

 

إيلين ليبسون، شغلت سابقًا منصب نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية، وتشغل حاليًا منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ماسون في ولاية فرجينيا، كما شغلت سابقًا منصب الرئيس والمدير التنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن.