يجب على بايدن أن يتعلّم من ترامب فيما يخص الصين

جريج سي برونو

AFP Photo: Lintao Zhang

حينما يتولّى جو بايدن المسؤولية بصورة رسمية أواخر هذا الشهر؛ فإن كيفية تعامُله مع الصين ستكون بمثابة إحدى السياسات التي ستتم مراقبتها عن كثب، وبالنسبة للناخبين الأمريكيين الذين أسقطوا دونالد ترامب – وكذا بالنسبة للعديد من المراقبين – من السهل عليهم أن يتصوروا أن العودة إلى العلاقات الدبلوماسية مع بيكينستكون في مصلحة واشنطن وحلفائها، لكن هذا افتراض خاطئ، ولو أن هناك مجال سياسة يجب أن تستمر من ضمن سياسات الماضي يجب أن تكون السياسة الصارمة التي عمل بها دونالد ترامب تجاه الحزب الشيوعي الصيني، وتبعات هذا الأمر ستتخطّى حدود الصين والولايات المتحدة وآسيا لتصل إلى أوروبا والشرق الأوسط.

وقبل أن يتولّى ترامب رئاسة الولايات المتحدة قبل 4 سنوات؛ كان لدى رؤساء الولايات المتحدة منذ ريتشارد نيكسون اعتقاد خاطئ مفاده أن الطريق الأمثل لإجبار الحزب الشيوعي على تغيير أساليبه السلطوية هو إقامة علاقات تجارية مع بيكين ، وقد أشار جيمس مان وهو مؤلف كتاب حول تلك المسألة وثبتت صحة وجهة نظره لاحقًا؛ أشار إلى هذا الأمر بما سماه “الخداع الصيني”، وتتلخص الفكرة في أنه حينما تدخل الدول الديمقراطية في علاقات مع الصين وتقوم بالاستثمار فيها فإن الازدهار الناتج عن هذا الأمر سيؤدي إلى تحرر على المستوى السياسي، وقد توقّع بيل كلينتون في العام 1997 أن يكون هذا الأمر حتميًا مثل انهيار سور برلين.

وعلى الرغم من أن حالة التفاؤل تلك سادت في الأيام اللاحقة إلا أن الإدارات المتعاقبة لم تكن متفائلة، وقد أشار نائب وزير الخارجية في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش “روبرت زوليك” في تصريح مثير للجدل في العام 2005 إلى أن عضوية الصين في النظام الدولي سمحت لها بالتفوق اقتصاديًا؛ وأن الوقت قد حان كي تصبح الصين “صاحبة مصلحة تتحلى بالمسؤولية في إطار هذا النظام”.

واليوم يمكننا أن نقول بارتياح أن العكس قد حدث، والصين باتت أقل تحرُرًا وأكثر انغلاقًا على المستوى السياسي منذ حقبة ماو تسي تونج. وتحت قيادة شي جين بينج ضربت الصين بالقيم الليبرالية عرض الحائط وسحقت حقوق الإنسان وناصبت جيرانها العداء، كما سعت إلى إضعاف أو استبدال المنظمات متعددة الأطراف التي ساهمت في صعود الصين.

وما فعله ترامب هو أنه أنهى تلك المعتقدات التقليدية وقضى على الخداع الصيني، وقد تحدّى ترامب الصين بشكل أكثر وضوحًا وأقوى بكثير مِن جميع من سبقوه فيما يخص العديد من القضايا، بدءًا من سرقة حقوق الملكية الفكرية وحتى التلاعب بالعملة، وبدأ ترامب حرب تجارية مع الصين وفرض عقوبات على المسؤولين الصينيين بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، كما كشف الستار مجددًا عن عمليات التجسس والأعمال الغير مشروعة التي تقوم بها بيكين ، وبينما كان سجل أداء ترامب تجاه الصين ضعيفًا – أو كما أشارت إحدى عناوين الأخبار “قصة من الهزائم المتعددة” – فإن ترامب اعترف أن أسلوب الولايات المتحدة في التعامل مع الصين يحتاج إلى إعادة نظر.

ولم تشير أيًا من تلك المصادر إلى أن ترامب لم يكن سوى شخص نشر السموم حول العالم، وطريقته في ممارسة الدبلوماسية كانت مُدمّرة للقيم الغربية، ومفهومه الخاطئ “أمريكا أولًا” أسفر عن حقبة غريبة الأطوار من القومية المُصطنعة التي شجّعت القادة المستبدين من المجر إلى موسكو، وسيصبح المجتمع الدولي أفضل حالًا بعد رحيل ترامب.

ومع ذلك يجب أن نسأل حول ما يعنيه غياب ترامب بالنسبة لمجهودات الولايات المتحدة من أجل احتواء الصين، وهل سيواجه بايدن ضغوطًا من أجل الاستمرار في تشديد القبضة حول الصين؟، أم أنه سيعود إلى سياسة التوافق التي سعى إليها بوصفه سيناتور وبعد ذلك كونه نائبًا للرئيس في عهد باراك أوباما (حينها وصف بايدن صعود الصين بأنه “تطور إيجابي” بالنسبة للعالم).

وهؤلاء الذين ذاقوا مرارة الوحشية الصينية سيكونون أقل تفاؤلًا، وقد دعا الناشط الحقوقي الضرير تشين جوانج شينج إلى انتخاب ترامب خلال حملة الانتخابات الرئاسية، وحث الأمريكيين على إعطاء أصواتهم لترامب كي يفوز بأربعة أعوام إضافية “من أجل صالح العالم”، أما وانج دان قائد الاحتجاجات الطلابية التي شهدها ميدان تيانانمن في العام 1989؛ فقال أن تعهُد بايدن بالعمل على دفع الصين إلى العمل وفقًا للقواعد الدولية سيؤدي إلى تشجيع الصين على السلوك الخاطئ، (وقد سمعت ذات المخاوف يرددها لاجئين من التبت كانوا يعيشون في الهند خلال فترة الحكم الانتقالية من بوش إلى أوباما)، أما جيمي لاي وهو ناشر من هونج كونج مؤيد للديمقراطية فقد كتب في صحيفته آبل ديلي قائلًا: “إن ترامب كان يعلم ماذا يفعل مع الصين لكن بايدن يتسم بالجهل”.

وبالطبع فإن بايدن يسعى لأن يكون مختلفًا، كما أنه يؤكد على أسلوبه مع الصين سيكون صارمًا أيضًا، وخلال إحدى المناظرات الرئاسية العام الماضي وصف بايدن الرئيس الصيني شي جين بينج بأنه “قاطع طريق”، كما أصرّ في مقال كتبه بمجلة فورن آفيرز خلال شهر مارس قائلًا إن “الولايات المتحدة تحتاج إلى تطبيق سياسة صارمة تجاه الصين”، وقد انعكس هذا الموقف على اختيار بايدن لوزير خارجيته الذي صرّح قائلًا إن “الصين تعُد بمثابة التحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة من دولة أخرى”.

ومن ثم كيف يمكن لإدارة بايدن مواجهة التحدي الصيني؟.

والواقع أن الفشل الأكبر الذي واجه ترامب على مدار 4 سنوات – وكذا هو الأمر الذي يجب ان يكون محط تركيزبايدن في المقام الأول – لم يكن جذب الحلفاء للوقوف بوجه سياسات الاستبداد والممارسات التجارية الصينية، وفي إشارة إلى ضرر السياسة الانعزالية التي تبنّاها ترامب وإلى الصعوبة التي ستواجه إدارة بايدن لإصلاح تلك السياسة؛ فإن الاتحاد الأوروبي قام مؤخرًا بتوقيع اتفاقية تاريخية للاستثمار مع الصين بغرض تحديد مستوى مجالات عمل المؤسسات الأوروبية مع بيكين ، وكانت تلك الاتفاقية بمثابة رفض لأن تتقلّد الولايات المتحدة القيادة تحت رئاسة دونالد ترامب ؛ كما كانت إشارة على قدرة الصين على التصرف بشكل منفرد.

ومن أجل إعادة اجتذاب الحلفاء إلى جانب واشنطن مجددًا سيحتاج بايدن لإقناعهم بأن الولايات المتحدة لديها ما تقدمه أكثر من الصين، وأن الأساليب القمعية الصينية يجب ألا تمر دون عقاب، لكن يجب على بايدن أيضًا إقناعهم بمسألة “الخداع الصيني”، وأن انتظار التحرر من الصين عبر التبادل التجاري والانخراط في علاقات دبلوماسية هو درب من الخداع، ولسوء الحظ وكما تؤكد اتفاقية الاستثمار التي تم إبرامها بين الاتحاد الأوروبي والصين فإن الجميع لا يؤمن بوجهة النظر الأمريكية، وفي القلب من تلك الاتفاقية هناك التزام صيني بالمعايير الدولية فيما يخص السخرة، لكن وكما هو واضح من استخدام الصين للسخرة في كل من شينج يانج والتبت فإن بيكين لا تعير تلك المعايير اهتمامًا يُذكر.

وكيفية تعامل إدارة بايدن مع تلك القضية سيكون لها تبعات على باقي دول العالم خاصة الشرق الأوسط، وعلى سبيل المثال فإن بعض قادة الكونجرس يعتقدون أن الطريق الأمثل لانتهاج سياسة أكثر قوة مع الصين يتمثّل في تقليل التزامات واشنطن تجاه الخليج، لكن تلك السياسة لن تعود بالفائدة على واشنطن، فعملية فك الارتباط مع الخليج ستجبر العرب على التخلي عن النفوذ كما ستعطي الصين الفرصة للمزيد من الهيمنة على صادرات النفط، وهو ما سيضر بجهود الحصول على دعم آسيا لانتهاج سياسة قوية تجاه الصين، وهذا يعود إلى أنه في الوقت الذي تُعتبر الصين من أكبر مشتري نفط المنطقة فإن حلفاء أمريكا في المحيط الهادئ – اليابان وكوريا الجنوبية على وجه الخصوص – يعتمدون أيضًا بشكل كبير على نفط الخليج.

ومن أجل وضع سياسة مُحكمة تجاه الصين هناك طريق صعب يجب أن يقطعه بايدن، وكما أثبت فيروس كورونا (كوفيد-19) فإنه لا يمكن تهميش الصين بصورة مطلقة، ويجب أن تلعب بيكين دورًا فعالًا فيما يخص التحديات الدولية مثل التغير المناخي والصحة العالمية، لكن يجب ألا يتم التعامل معها أيضًا بطريقة التدليل، ويجب على بايدن أن يستعير صفحة من كتاب السياسات الخاص بترامب على الرغم من بعض التصرفات البغيضة لترامب ، ويمكن فقط لجبهة معارضة قوية وموحدة أن تدفع الصين كي تصبح “صاحب مصلحة يتحلّى بالمسؤولية” كما كانت تتصور الإدارات الأمريكية السابقة وكما يتصور بايدن ذاته.

 

جريج سي برونو، مؤلف كتاب “البركات من بكين: داخل حرب القوة الناعمة للصين على التبت”. كان “جريج” عضوًا في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، ومحرر عمود رأي سابق لدى جريدة ذا ناشونال” في أبوظبي، و”بروجيكت سنديكيت” في براغ.