بايدن يريد استعادة مكانة أمريكا على مستوى العالم؛ لكن إيران تسعى إلى انتزاع تلك المكانة في العراق وأفغانستان

فيصل اليافعي

AFP photo: Iranian president's office

قبل تدخُل العالم الخارجي – وحدوث انقلاب عسكري في ميانمار وإقدام السلطات الروسية على اعتقال منشق بارز – كانت إدارة بايدن تخطط للإعلان هذا الأسبوع عن الفلسفة الخاصة بسياستها الخارجية، ووفقًا لتقارير إخبارية فإن الخطاب الذي كان مقررًا إلقائه يوم الاثنين قبل أن يتأجل كان من المُفترض أن يتنصّل من نهج دونالد ترامب “أمريكا أولًا”، لصالح مبدأ جديد هو “استعادة مكانة أمريكا على مستوى العالم”، وعودة العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة حول العالم.

وقد شرعت الإدارة الجديدة فعليًا في هذا الأمر، حيث أعلنت الجمعة أنها تخطط لمراجعة الاتفاقية الأمنية المُبرمة بين إدارة ترامب وحركة طالبان العام الماضي، وأشارت إلى تقديم المزيد من الدعم لحلفاء واشنطن في حكومة كابول، واليوم فإن إيران لن تكتفي بموقف المتفرج بينما تستعيد أمريكا مكانتها في أفغانستان، بل على العكس فإن طهران تخطط لانتزاع مكانة أمريكا على حدود إيران الشرقية في أفغانستان وعلى حدودها الغربية في العراق.

وقد دفعت النزاعات طويلة الأمد في كل من أفغانستان والعراق بالجماعات المتواجدة هناك إلى القبول بإيران كحليف هام – وربما أساسي، وقد توصلت كل من العراق وافغانستان إلى نتيجة مؤداها – كما تُردِد إيران دومًا – إن الولايات المتحدة تبعد مسافة عشرة آلاف كم لكن إيران جارة للدولتين – وهي لن تتغير.

أما الولايات المتحدة من جانب آخر فقد باتت تبحث عن مخرج.

ونحن لا نمل من تكرار مقولة إن الحرب في أفغانستان لا تسير بصورة جيدة بالنسبة للولايات المتحدة، وبحلول نهاية العام الحالي ستدخل أطول حروب الولايات المتحدة عقدها الثالث دون وجود هدف سياسي واضح، وبالطبع دون وجود أي إشارات على تحقيق النصر، وهذا هو المستنقع الذي وقع فيه بايدن الآن كرابع رئيس للولايات المتحدة يواجه تبعات غزو أفغانستان.

واليوم؛ وحتى دون وجود فكرة واضحة حول كيفية إنهاء الوجود الأمريكي إلا أنه في يوم ما سينتهي هذا الوجود، والاتفاقية الأمنية المُبرمة بين الولايات المتحدة وطالبان العام الماضي تضمن إنهاء الوجود الأمريكي، فقد تضمنت شروط تلك الاتفاقية موافقة الولايات المتحدة على سحب قواتها من أفغانستان بحلول الصيف القادم، كما وافقت طالبان على الامتناع عن توفير بيئة آمنة للجماعات المسلحة مثل تنظيم القاعدة، وحتى لو قامت إدارة بايدن بتأجيل ميعاد الانسحاب فمن غير المرجح أن تقوم بإلغاء الاتفاقية لأن ذلك يعني ببساطة اندلاع موجة هائلة من العنف.

واليوم فإن شكل التسوية السياسية التي ستتركها الولايات المتحدة في أفغانستان تتسم بعدم الاستقرار، وطهران أقدمت على خطوات فعالة لإقرار حالة تبدو وكأنها باتت محتومة، وهو عودة العلاقات بين طهران وجماعة مسلحة جارة تكرهها إيران ألا وهي حركة طالبان.

والعلاقات بين إيران وحركة طالبان سيئة ومعقدة، وقد تعاملت طهران مع الحركة على أنها جماعة إرهابية طيلة سنوات قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، وعلى غرار عدم نسيان الأمريكان اقتحام سفارتهم في طهران في العام 1979؛ لم ينسى الإيرانيون اقتحام حركة طالبان لقنصليتهم في شمال أفغانستان في العام 1998 – وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 9 من الدبلوماسيين الإيرانيين، وهو ما أدّى إلى قيام طهران بحشد 70 ألف مقاتل على الحدود الإيرانية الأفغانية لكنها في النهاية تراجعت عن غزو أفغانستان.

وقد باتت الحكومة الإيرانية اليوم أكثر واقعية.

وقد أعلنتها إيران بشكل واضح يوم الأحد حين التقى وزير الخارجية الإيراني بلجنة رفيعة المستوى تمثل حركة طالبان، وذلك من أجل وضع الخطوط العريضة لمرحلة ما بعد الحكومة الموالية للولايات المتحدة في أفغانستان، ومع اقتراب موعد انسحاب القوات الأمريكية في مايو القادم بات واضحًا أن طالبان ستعود إلى السُلطة بطريقة أو بأخرى، لذا فقد باتت طهران ترغب في المساهمة في تشكيل الحكومة الجديدة في الدولة الجارة أفغانستان – تمامًا مثل ما فعلت في العراق.

وتُفضّل إيران تشكيل حكومة “شاملة” في أفغانستان، وإرساء نظام دبلوماسي يؤدي إلى تشكيل حكومة لا تسيطر عليها طالبان وأن يكون هناك دور للحكومة المدعومة من الغرب يعمل على توازن القوة أمام حركة طالبان، لكن بالنظر إلى تصريحات رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان التي صدرت الأحد والتي قال فيها إن رئيس أفغانستان أشرف غني “أتى إلى الحكم بطرق غير قانونية” ويجب عليه “الاستقالة وتسليم السُلطة للممثلين الحقيقيين للشعب الأفغاني”؛ فإن تلك الأفضلية الإيرانية ربما يكون مصيرها التجاهُل.

وأيضًا على جبهتها الغربية تسعى إيران إلى التأثير في الحكومة القادمة، وقد بات أمامها الكثير من الوقت للاستعداد حيث أن الانتخابات العراقية التي كان مقررًا إجرائها في الصيف تأجلت إلى شهر أكتوبر.

والمثير للدهشة أن هناك استراتيجية واحدة تجمع بين واشنطن وطهران: وهي الاستفادة من مرور الوقت، وإذا ما كانت واشنطن تريد إطالة المدة قبل سحب قواتها من أفغانستان بغرض دعم الحكومة الأفغانية؛ فإن طهران تريد مزيدًا من الوقت في العراق قبل إجراء الانتخابات من أجل إخماد المشاعر الوطنية العراقية.

وتلك المشاعر الوطنية هي ما دفع بالمواطنين العراقيين إلى الخروج للشوارع في العام 2019 للاحتجاج ضد الميليشيات الموالية لإيران والحكومة العراقية المدعومة من واشنطن، وربما هذا هو ما دفع برجل الدين القومي شديد الحماسة مقتدى الصدر للترشُح للانتخابات، وهو ما يعزز المخاوف الإيرانية في العراق أكثر من أي شئ آخر حتى ولو كان النفوذ الأمريكي.

وبالنسبة لإيران فإن إطالة الوقت بين الانتخابات العراقية والتي تليها يعطي الفرصة للميليشيات الإيرانية والمتعاقدين ورجال الأعمال للانخراط في المجتمع العراقي، وقد كشف تقرير لوكالة رويترز العام الماضي حول الصراع بين إيران والولايات المتحدة حول مدينة الموصل شمالي العراق؛ كشف عن أن “إيران تساعد حلفائها بالمال والدعم السياسي بشكل مستمر”، أما الولايات المتحدة على العكس “لم تترك بصمة حقيقية في العراق”، وما ينطبق على الموصل ينطبق على باقي أجزاء العراق خاصة المنطقة الجنوبية ذي الأغلبية الشيعية.

وحتى لو كانت لدى الولايات المتحدة وإيران استراتيجيات متشابهة فإن الجداول الزمنية مختلفة بالنسبة لكل منهما، والوقت يقف دائمًا في صالح إيران، وربما يأمل بايدن في الإعلان عن أن أمريكا قد عادت إلى الساحة الدولية، لكن بالنسبة للعراق وأفغانستان فإن إيران لم تغيب مُطلقًا عن المشهد.

واليوم إذا ما أرادت إيران حقًا انتزاع دور الولايات المتحدة؛ فإنها سوف تواجه ذات المشكلة مع طالبان في أفغانستان كما حدث في العراق مع المحتجين: وهي بحاجة لأن تتنافس مع من يملك السُلطة أولًا.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.