كيف سيكون رد بايدن على تركيا

عمر تاسبينار

Turkish Presidential Press Service

كيف ستتعامل إدارة بايدن القادمة مع تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان – الحليف السابق الذي تحول بشكل متصاعد إلى عنصر استبداد وتدمير في سبيل السعي إلى الاستقلال الاستراتيجي عن حلف شمال الأطلسي (ناتو)؟، والإجابة المختصرة ستكون مختلفة تمامًا عن تعامل إدارة ترامب.

ولأسباب ترتبط بمصالحه المالية الخاصة وميله الواضح تجاه المستبدين فقد أظهر دونالد ترامب قدرًا كبيرًا من الصبر تجاه أردوغان، وكي نكون محقين فقد كانت لترامب تغريدات متهورة وغريبة الأطوار دفعت بأنقرة إلى الانفعال، لكن عبر تلك التغريدات جميعًا، أدرك أردوغان بشكل دائم أنه يمكنه الاعتماد على التقارب بينه وبين ترامب من أجل تقليل حجم الأضرار، واعتمادًا على الموقف الضعيف الذي يتخذه الرئيس الأمريكي تجاهه فقد انخرط أردوغان في “علاقة وثيقة” مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى أن تلك العلاقة صارت أقوى من علاقة أردوغان مع ترامب، بل أن أردوغان أقدم على خطوة أثارت فزع الكونجرس الأمريكي حين قام بشراء منظومة إس-400 الدفاعية الروسية وهي الخطوة التي كانت بمثابة تحدِ للناتو، كما تفادى أردوغان التعرُض للعقوبات جراء إقدامه على تلك الخطوة.

وسوف يعمل جو بايدن على التأكيد على إدراك أردوغان أن الولايات المتحدة بات لها رئيسًا جديدًا. وعلى العكس تمامًا من ترامب سيكون بايدن من أكثر الرؤساء الذين يمتلكون الخبرة في تاريخ الولايات المتحدة، وهو الرئيس الذي لديه معرفة تامة بالسياسة الخارجية، وأيضًا وعلى العكس من حكومة ترامب فإن فريق بايدن للسياسة الخارجية سيتألف من هؤلاء الذين يمتلكون الخبرة – أشخاص لديهم معرفة هائلة بالقدرات التي يتمتّع بها أردوغان وكذا لديهم إدراك لتكتيكات المفاوض التركي التي تعتمد على الحصول على اكبر قدر من المنفعة.

وقد تم اختيار أنتوني بلينكن وجيك سوليفان على التوالي لشغل منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، وكل منهما سبق له أن تعامل بشكل مباشر مع تركيا خلال فترة إدارة أوباما التي استمرت 8 سنوات، وقد شهد كل منهما بشكل مباشر انهيار العلاقات بين أنقرة وواشنطن بشكل ثابت بسبب سوريا والدعم الأمريكي للأكراد والانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا في العام 2016، وتحول أردوغان إلى شخص مستبد متعطش للسُلطة.

وهناك ميشيل فلورنوي وكانت أيضًا مستشارًا سابقًا لأوباما وهي المرشح الأوفر حظًا لتولي أرفع المناصب في البنتاجون، وهي تملك خبرة أقل فيما يخص تركيا، ومن ثم فإنها ستكون أقل حماسًا في التعامل مع أردوغان، ومثلها مثل مُعظم المفكرين الاستراتيجيين الذين يميلون إلى النظر إلى تركيا من منظور المصالح الأمنية والعسكرية الأمريكية على المستوى “الدولي” فإنها ربما تُفضّل المشاركة على المواجهة مع أنقرة باعتبارها دولة حليفة عضو في حلف الناتو تشترك في الحدود مع سوريا والعراق وإيران.

وفي جميع الحالات فإن بايدن سيحتاج إلى القليل من التوجيه خلال تعامله مع أردوغان، وبايدن معروف عنه اتباع سلوكه الفطري بدلًا من الاعتماد على نصائح مساعديه، وهذا الوضع سيتجسّد بشكل خاص خلال التعامل مع القادة الأجانب مثل أردوغان الذي يعرفه بايدن بشكل جيد.

وخلال حوار له مع صحيفة نيويورك تايمز وصف بايدن أردوغان ب”المستبد الذي يجب أن يدفع الثمن”، وعلى الرغم من أن فِطرة بايدن ستدفعه لمعاقبة تركيا إلا أنني أتوقع أن بايدن لن يتسم بالتهور، ومن المرجح أنه سيعطي أردوغان فرصة أخيرة قبل اللجوء إلى دبلوماسية تتسم بالقسر والإجبار.

ودبلوماسية الإجبار غالبًا ما تعتمد على مصداقية التهديد الذي يتمتع بالأهمية، وخلال فترة إدارة ترامب كانت تلك المصداقية مفقودة، لكن مع قدوم بايدن فإن تلك المصداقية ستكون ظاهرة بشكل واضح، والواقع أنه سيكون هناك ضغوط هائلة من أجل فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على تركيا حتى قبل تنصيب بايدن بشكل رسمي في العشرين من يناير.

وقد قام المشرعون الأمريكيون أخيرًا في الثاني من ديسمبر بتمرير قانون إقرار الدفاع الوطني (NDAA)، وهو التشريع السنوي المختص بتحديد النفقات الدفاعية، وقد صدر هذا القانون بصيغة تجبر البيت الأبيض قانونًا على فرض عقوبات على تركيا، ووفقًا لهذا التشريع يجب اتخاذ إجراءات صارمة في إطار مواجهة أعداء الولايات المتحدة، وذلك عبر قانون العقوبات الذي يجب تنفيذه في غضون 30 يومًا من دخول قانون إقرار الدفاع الوطني (NDAA) حيز التنفيذ.

وكان ترامب قد هدّد باستخدام الفيتو لمنع إصدار قانون الميزانية، وذلك بسبب معارضته لإعادة تسمية القواعد العسكرية لتكريم جنرالات الكونفدرالية، وكذا لأنه أراد أن يشتمل التشريع على إلغاء بند يتعلّق بقانون الاتصالات، الا انه كان هناك يقين بأن الميزانية سوف تمر رغم محاولات ترامب اللجوء للفيتو، وحتى إذا وجد ترامب وسيلة ما لتأجيل العقوبات سيكون أمام بايدن الحتمية “القانونية” التي تجبره على القيام بإجراءات جدية بحق تركيا، وقانون العقوبات طالما كان يمثل تهديدًا بعيدًا في عهد ترامب، لكن مع قدوم بايدن فإن هذا القانون سيصبح حقيقة فورية واقعة بحكم القانون الأمريكي.

لذا وباختصار؛ سيكون بايدن مدججًا بالأسلحة التي تعينه على ممارسة تلك اللعبة الشاقة مع تركيا، وسيعلو صوت بايدن منتقدًا الاستبداد الهائل الذي يمارسه أردوغان.

لكن دعونا لا ننسى أن بايدن أيضًا يعُد شخصية براجماتية، وبالنظر إلى أن تركيا تتمتع بأهمية جيواستراتيجية، فربما يخطط بايدن أيضًا للوصول إلى “تسوية مشروطة” كفرصة أخيرة لإنقاذ الشراكة مع حلف الناتو.

وتلك الطريقة في التعامل ربما تبدأ بالتزام أردوغان علنًا بعدم تفعيل منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية، وفي المقابل ربما تقوم إدارة بايدن بتأجيل فرض قانون العقوبات والإعلان عن إعادة إشراك تركيا في برنامج الطائرة إف-35 – وهي المقاتلة الشبحية التي كانت تركيا على وشك شرائها فضلًا عن أنها كانت شريكًا في برنامج تصنيع تلك الطائرة، وإذا ما قرر أردوغان التعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة واتخاذ خطوات بناءة فيما يخص سياسته بسوريا؛ فربما يقدم بايدن دعمًا اقتصاديًا، وفي المستقبل دعمًا تقنيًا عبر الموافقة على بيع منظومة باتريوت الدفاعية الصاروخية إلى تركيا.

وفي النهاية نحن بصدد مرحلة جديدة من العلاقات التركية – الأمريكية، كما ان بايدن لا ينخدع بضرورة التعامل مع أردوغان دون القيام بإصلاحات أساسية للسياسات التركية، وبقدر سرعة أنقرة في التجاوب مع خطر العقوبات الأمريكية ستكون هناك فرص أفضل للوصول إلى تسوية مشروطة مع واشنطن.

ونافذة التعاون ستشهد إغلاقًا بشكل سريع، لكن لا يزال هناك وقت لإنقاذ ما تبقى من العلاقات التركية – الأمريكية، وبايدن لن ينتظر طويلًا قبل اللجوء إلى دبلوماسية الإجبار عبر تطبيق عقوبات قاسية على تركيا، والأمر يعود إلى أردوغان للاختيار ما بين روسيا والولايات المتحدة، وإذا ما كانت لديه أحلام في الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من واشنطن وموسكو فربما يفيق على صدمة.

عمر تاسبينار هو أحد كبار الزملاء البارزين لدى معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.