رئاسة بايدن ستفتح أبواب أمريكا بشكل أوسع للاجئين، لكن هذا ليس كافيًا

فيصل اليافعي

AFP photo: Delil Souleiman

مع بدء اقتراب عملية التحول نحو رئاسة جو بايدن في الولايات المتحدة مؤخرًا؛ يمكن لنا الآن التنبؤ بالتغيُرات التي ربما تقوم بها إدارة بايدن، وهناك قضية واحدة ستشهد تغييرات جوهرية ألا وهي مسألة دخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة، وهي المسألة التي سينتُج عنها تأثيرًا مباشرًا يطال أزمة الهجرة في منطقة الشرق الأوسط.

وخلال الشهر الماضي قام دونالد ترمب بتحديد نسبة اللاجئين الذين ستقوم الولايات المتحدة باستقبالهم خلال العام القادم: 15 ألف لاجئ فقط، وذلك على الرغم من أن الواقع يقول أن الرقم الجديد سيصل إلى 9 آلاف لاجئ، وذلك لأن إدارة ترمب قامت بدمج أماكن اللاجئين للعام الحالي والتي لم تُستخدم بسبب جائحة كورونا (كوفيد-19)، وقد تعهّدت حملة بايدن بزيادة عدد اللاجئين الذين ستقوم الولايات المتحدة باستقبالهم ليصل إلى 125 ألف لاجئ.

لكن هذا لن يكون كافيًا، بالنظر إلى اللاجئين السوريين في الشرق الأوسط والذين يصل عددهم إلى 5.5 مليون لاجئ، والواقع أن بايدن حتى لو غامر وفتح أبواب الولايات المتحدة بشكل أوسع كما تقتضي الأخلاق، وكذلك بالنظر إلى المصلحة الخاصة للولايات المتحدة في الاستعانة باللاجئين الشباب ذوي الكفاءة؛ فإن هذا لن يكون كافيًا.

وهناك حقيقة مثيرة للجدل مؤداها وجوب عودة مُعظم اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وحتى مع القول بأن الإقرار بتلك الحقيقة يعُد غير لائق؛ لكن بعد مرور 9 سنوات على الحرب ونشوب أزمة اللاجئين التي أرهقت دول الشرق الأوسط في المقام الأول؛ والنظام الذي حارب وارتكب المذابح؛ نقول أنه بعد أن بدأت سوريا تشهد بعض الاستقرار فإنه لا يوجد مكان آخر لهؤلاء الللاجئين سوى بلادهم، والحالة الراهنة لا يمكن أن تستمر للأبد.

وذلك لأن أزمة اللاجئين الحقيقية تعُد مستترة.

وخلال هذا الأسبوع انتشرت لقطات صادمة للشرطة الفرنسية أثناء القيام بقمع اعتصام للاجئين وسط باريس، وقامت الشرطة بإزالة الخيام وإلقاء المعتصمين على الأرض وإجبارهم على ترك ممتلكاتهم، وقد قامت منظمة خيرية بتنظيم هذا الاعتصام من أجل تسليط الضوء على الأزمة الخفية التي تشهدها المدن الرئيسية؛ وهناك حوالي 3000 آلاف مهاجر بدون مأوى في العاصمة الفرنسية وحدها.

وتلك الحقيقة تتجسّد على نطاق أوسع في مدن الشرق الأوسط، ومُعظم اللاجئين السوريين على مستوى العالم يتركّزون في ثلاث دول: تركيا ولبنان والأردن، والواقع أن مدن وبلدات تلك الدول هي التي تتحمّل العبء الأكبر فيما يخص الأزمة السورية، كما أن تلك الدول تشهد الأزمة المستمرة التي يبدو أنها خافية عن أعين الجميع.

لكن هذا الأمر لن يستمر للأبد، وأزمة اللاجئين السوريين الآن في الشرق الأوسط باتت تمثل لتلك الدول ما كانت العقوبات تمثله بالنسبة للعراقيين في تسعينات القرن الماضي – عملية خنق طويلة وبطيئة، وكذا بعيدة عن أعين العالم، وسيتم إيجاد حل بطريقة أو بأخرى بغضّ النظر عن الرئيس الجالس في البيت الأبيض، وبغضّ النظر عما إذا كان بشار الأسد سيتنازل عن السُلطة من عدمه.

ويبدو أن العالم الخارجي قد قام بدفن رأسه في الرمال بصورة جماعية، وخلال هذا الشهر قام النظام السوري بعقد مؤتمر مدته يومين يتناول مسألة عودة اللاجئين إلى البلاد، وقد رفضت الولايات المتحدة وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي بالكامل حضور المؤتمر، وأعلن الاتحاد الأوروبي أن هذا المؤتمر “عُقِد قبل الأوان” ووضع قائمة من الشروط يجب تنفيذها قبل عودة اللاجئين، وتلك الشروط في الحقيقة تعني أنه لا عودة للاجئين قبل رحيل نظام الأسد.

واليوم فإن نظام الأسد باقِ في السُلطة، وبالنسبة للعالم الخارجي فإن إرجاء تنفيذ القرارات حتى رحيل الأسد يعني إطالة أمد أزمة اللاجئين إلى أجل غير مُسمّى، وهناك سبب يفسّر احتفال النظام السوري بمرور 50 عامًا على الصعود إلى السُلطة في اليوم التالي لعقد المؤتمر.

وهذا النظام يتمتّع بالمرونة ولن يرحل، ليس قبل حدوث تغيير كبير في طريقة الضغط السياسي أو اللجوء إلى استخدام القوة – ولن تلجأ إدارة بايدن إلى تنفيذ أي الأمرين.

والحقيقة أنه في ظل عدم الوصول إلى حل فإن هذا الحل يكمن في اللجوء لتفويض، ولا يمكن لكل من الأردن ولبنان وتركيا استضافة عدد هائل من اللاجئين لأجل غير مُسمّى، وحدوث شقاق بين تلك الدول الثلاث والمجتمع الدولي هو أمر محتوم.

وتركيا على وجه الخصوص عازمة بشدة على إيجاد حل يسمح لها بتوطين اللاجئين خارج حدودها، مما قد يدفعها إلى تحدي القوانين والحدود الدولية وإنشاء “دولة صغيرة” للنازحين تقع بين الحدود التركية والأراضي السورية التي يسيطر عليها الأسد، وتلك الخطة التي تقضي بإنشاء ما يُسمّى “منطقة آمنة” هي في الحقيقة خطة ترمي إلى الإبقاء على أكراد سوريا في منطقة خارج الحدود التركية، والإبقاء على اللاجئين السوريين في منطقة تقع إلى الخلف من تلك التي يقبع فيها الأكراد، لكن تركيا لم تتخلّى عن تلك الخطة – حيث هدّد الرئيس رجب طيب أردوغان منذ ثلاثة أسابيع بإرسال القوات التركية مجددًا إلى الحدود السورية إذا لم تتراجع الجماعات الكردية المسلحة عن مواقعها الحالية.

واللاجئين في أماكن أخرى يواجهون الجوع والبرد والغُربة، وهؤلاء يواجهون نفس الخيار الذي يواجهه أبناء الشعب السوري على الأراضي السورية: الخضوع أو الموت جوعًا.

وفي النهاية ربما يقرر البعض العودة إلى البلاد، وربما يأملون في النجاة من السجن إذا لم يتم توجيه اتهامات لهم بارتكاب جرائم سياسية، أو أن النظام قد نسي وجود أفراد من عائلاتهم في صفوف المعارضة، وتلك عبارة عن خيارات وأخطار فظيعة بالنسبة لأشخاص معرضون للأذى، لكن دون وجود حل شامل فإن هؤلاء سيتعرضون لمصير لا مفر منه، ولا يمكن للملايين الانتظار لأجل غير مُسمّى من أجل تحديد مصيرهم.

وإذا ما أراد بايدن المساعدة من أجل الوصول إلى حل لأزمة اللاجئين السوريين؛ فيجب عليه بدء العمل خارج حدود الولايات المتحدة، ومسألة فتح أبواب الولايات المتحدة ليست إلا جزء من الحل، والخيارات الأكثر واقعية تشمل على إيجاد طرق تسمح للسوريين بالعودة إلى بلادهم دون خشية النظام، والقضية المحورية تكمن في كيفية حماية هؤلاء الذين يقررون العودة إلى سوريا.

وهناك حل يكمن في إعادة توطين اللاجئين في المناطق التي تشهد ضعف قبضة النظام، مثل المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد، وهي المناطق التي يمكن لأي من القوات الأمريكية أو التركية القيام بدوريات فيها، لكن هذا الحل لن يحظى بموافقة أكراد سوريا الذين يشعرون بالقلق أساسًا فيما يخص التوازن الديموجرافي بالنسبة لهم.

وهناك حل آخر يكمن في فرض العقوبات على سوريا بنفس طريقة عمل العقوبات المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي، وتقليص تلك العقوبات بناء على استجابة النظام السوري والقيام بخطوات إيجابية يمكن التحقق منها، وفي حالة سوريا فإن الأمر يجب أن يشمل الحصول على أدلة تؤكّد على أن النظام لن يقوم بحملة ممنهجة لاستهداف اللاجئين العائدين إلى البلاد، وتلك أيضًا مسألة تصعب مراقبتها.

والسياسة الوحيدة التي يستحيل اللجوء إليها هي الانتظار، وهذا يعود إلى حقيقتين لا تقبلان الشك: الأولى هي أن الغالبية العظمى من السوريين ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، والثانية هي أن النظام السوري لن يرحل.

والحل الإنساني للمسألة الأولى يستلزم القبول بالمسألة الثانية على مضض، ألا وهي القبول باستمرار نظام الأسد.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا