بايدن وإعادة النظر في دور أمريكا كـ”شرطي” الشرق الأوسط

جوناثان جرونال

AFP Photo: Safin Hamed

لا غرابة في أن تكون العراق على رأس قائمة الدول العربية التي يجب على إدارة “بايدن” التواصل معها، فهي الدولة التي ارتبط مصيرها بأمريكا منذ ثلاثة عقود. وكان توقيت المكالمة مثيرًا للاهتمام. حيث اتصل الرئيس الأمريكي برئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” في 23 فبراير/ شباط، عشية الذكرى الثلاثين للهجوم البري الذي شنته قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وترتب على هذه العملية سلسلة من الأحداث التي لا يزال العراق يعاني منها. وبالنظر إلى تسلسل الأحداث بعد ذلك الهجوم، بات من الضروري إقناع أمريكا بإعادة النظر في دورها في الشرق الأوسط.

لقد كان مستقبل العراق غامضًا بسبب جنون صدام حسين، ولايزال كذلك حتى يومنا هذا، وبسببه انجرت أمريكا إلى مستنقع لا تزال عالقة فيه. لقد كانت حرب الخليج الأولى، والتي انتهت قبل 30 عامًا، واحدة من أقصر الصراعات في التاريخ. وغزا “صدام حسين” الكويت في 2 أغسطس/آب 1990. وحشدت الولايات المتحدة، والتي كانت تعتمد بشكل كبير في ذلك الوقت على نفط الخليج، تحالفاً من الدول، وشكلت خلال الأشهر القليلة التالية جيشاً واسعاً على حدود المملكة العربية السعودية، وأطلقت عملية تُسمى بـ”درع الصحراء” للدفاع عن المملكة العربية السعودية. وفي 17 يناير/كانون الثاني 1991، تحولت العملية إلى “عاصفة الصحراء”، وهي حملة جوية استمرت 41 يومًا، أعقبها هجوم بري نتج عنه تحرير الكويت وتدمير جيش صدام في أربعة أيام فقط. ولكن في 28 فبراير/شباط 1991، بات الشرق الأوسط بأكمله على مفترق طرق.

وفي ظل انسحاب فلول جيش صدام إلى عمق الأراضي العراقية، وتناثر جثث الآلاف من الجنود العراقيين في الصحراء، كان على الرئيس جورج بوش الأب اتخاذ قرار حاسم. هل هو الضغط على صدام وإسقاطه؟، أم الإعلان عن “انتهاء المهمة”، وسحب قواته؟.

وفي ذلك الوقت، بدا الخيار الأول أكثر خطورة. واحتج المستشارون بأن تكلفة الأرواح الأمريكية ستكون باهظة للغاية، وأن الولايات المتحدة ستفقد دعم شركائها العرب في التحالف، وأي شخص سيحل محل صدام قد يكون بنفس السوء.

ولكن التاريخ يخبرنا أن سوء العاقبة في الخيار الثاني. وفي غضون عقد من الزمن، سيعود الأمريكيون، وهذه المرة ستكون التكلفة – بالنسبة للولايات المتحدة والعراق والمنطقة بأكملها – باهظة بشكل لا يُحصى.

وكانت عودة أمريكا إلى العراق عام 2003 نتيجة غير مباشرة لخيارٍ صعبًا. وكان قرار الملك فهد بالسماح للقوات الأمريكية بدخول الأراضي السعودية في عام 1990قرارًا شجاعًا – رغم اعتراض الكثيرون. ولكن الملك كان مصرا – وصائبًا في قراره بالنظر إلى الظروف التي دعته إلى اتخاذ مثل هذا القرار.

ومع ذلك، كان من بين السعوديين الذين اعترضوا على القرار “أسامة بن لادن”، مؤسس تنظيم القاعدة والتي كانت تقاتل السوفييت في أفغانستان بدعم من الولايات المتحدة. وعندما انسحب السوفييت في عام 1989، عاد بن لادن إلى المملكة العربية السعودية، وأعرب في عام 1990 عن معارضته لقرار الملك بدعوة القوات الغربية إلى الأراضي المقدسة.

لقد انتهى تحالف الانسجام قصير الأجل بين تنظيم القاعدة والولايات المتحدة الأمريكية. وتم نفي بن لادن، وسحبت جنسيته، وحطت القاعدة أنظارها على الولايات المتحدة الأمريكية. وبعبارة أخرى، أدت حرب الخليج الأولى إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتي أدت بدورها إلى غزو العراق عام 2003.

بدأت عملية تحرير العراق في 20 مارس/آذار 2003. وبعد أقل من شهرين، أعلن الرئيس بوش الثاني، جورج دبليو، بعد أن أنهي فيما يبدو المهمة التي بدأها والده، أن المهمة قد أُنجزت. لكنها لم تكن كذلك، لقد أعقبها الفوضى والتمرد. وستمر ثماني سنوات قبل أن تنسحب غالبية القوات الأمريكية. وخلال تلك الفترة، قُتل 4500 أمريكي، إلى جانب عشرات الآلاف من العراقيين.

واستغل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الفوضى التي شهدها العراق بعد الحرب. واستولى التنظيم بحلول عام 2015 على مساحة واسعة من الأراضي الممتدة من العراق وصولاً إلى سوريا، وارتكب سلسلة من أعمال العنف القاتلة. وكان لظهور داعش نتيجة أخرى – وهو تمهيد الطريق لمزيد من التدخل الإيراني في جميع أنحاء المنطقة.

وخلال المعارك ضد “داعش” في العراق وسوريا، وجدت إيران نفسها لفترة وجيزة في نفس الجانب مع الأمريكيين. لكن الميليشيات بالوكالة التي دربتها وسلحتها ومولتها طهران باتت اليوم سفراء لرسالة إيران الثورية ونفوذها السياسي، لاسيما في العراق وسوريا.

وفي مكالمته مع رئيس الوزراء العراقي “الكاظمي”، ركز “بايدن” على الموجة الأخيرة من الهجمات الصاروخية في البلاد، بما في ذلك الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، وقاعدة جوية للتحالف في “أربيل”، وقُتل خلالها أحد المقاولين في 15 فبراير/شباط. وخلال أيام من المكالمة، أمر “بايدن” بتوجيه ضربة جوية أمريكية على “منشآت متعددة تقع عند نقطة مراقبة حدودية يستخدمها عدد من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران”، وقُتل خلالها حوالى 17 مقاتلاً.

وهناك انتشار محبط لهذه الأخبار.

وقبل ثلاثين عاما، كانت دول الخليج بحاجة إلى حماية أمريكية من جنون صدام حسين. واليوم، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي أكثر قدرة على إقامة حواجزها الخاصة، وتشكيل جبهة موحدة ضد إيران – أو في الواقع، العمل على تقبل جيرانها.

ومنذ نهاية حرب الخليج، كان من الواضح أن الوجود المادي للقوات الأمريكية في المنطقة هو “الرقيب المجند” للمتطرفين. وإذا وجد بايدن الشجاعة لمقاومة الضغط السياسي والتصرف بحزم، فيمكنه فعل الشيء الصحيح – لأمريكا والشرق الأوسط.

وكانت أمريكا شرطي الشرق الأوسط منذ 30 عامًا، وتزاد الأمور سوءًا مع كل إجراء تتخذه. ويحتاج “الشرطي” إلى تعليق شارته وسلاحه.

 

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.