بايدن والشرق الأوسط: المشاركة الانتقائية

الين ليبسون

AFP photo: Sven Hoppe

قد يعتقد العالم أن أمريكا في طريقها لانهيار حقيقي، ورغم ذلك، لايزال الأمر يستحق بعض الوقت للتحضير للسيناريو المنطقي وحتى المحتمل لإدارة بايدن في يناير/كانون الثاني 2021. ويعكف فريق من علماء السياسة الخارجية والممارسين ذوي الخبرة علي التفكير في الطريقة التي يستطيع بها “بايدن” تصميم السياسة الخارجية الأمريكية وتنفيذها بعد عهد ترامب.

الشرق الأوسط ليس محور النقاشات التي تخص دور أمريكا في العالم. وفي الواقع، ولأكثر من عقد من الزمان، يقول القادة من مختلف الانتماءات الحزبية أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في الالتزامات الأمريكية في المنطقة وتقليصها.

وبسبب الإنهاك الذي تعيشه الحملات العسكرية في العراق وأفغانستان، وبالاستقلال المتزايد في مجال الطاقة، والاهتمام الوطني الكبير بالمسؤوليات الأمنية الأمريكية في جميع أنحاء العالم، ذهبت إدارة ترامب إلى ما هو أبعد من إدارة أوباما في الإشارة إلى هذا التحول. وما دعم هذا التوجه عبر مجتمع الأمن القومي هو ذلك الإجماع المتزايد على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تنظيم نفسها لمواجهة التهديدات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بدءًا من “الموقف” الذي تبنته إدارة أوباما لسنوات، وصولاً إلى المواجهة الجيوسياسية الأكثر قسوة مع الصين من جانب الإدارة الحالية.

وتتعلق الوسائل البديلة أولاً بإيران بصفتها تهديدًا دائمًا للاستقرار الإقليمي، بسبب نشاطها النووي ومواقفها الراسخة في لبنان وسوريا، وصولاً إلى أنشطتها الانتهازية في اليمن. وكانت إدارة أوباما تأمل في إبرام الاتفاق النووي لعام 2015 لنزع فتيل التوترات مع طهران. ولكن ترامب اتخذ اتجاهًا معاكسًا، لكنه يترنح الآن بين الخطاب العدواني والآمال الغامضة على أمل حدوث تفاعل دبلوماسي.

والتوجه الثاني هو ذلك النمط الجديد للتطبيع بين إسرائيل وبعض دول الخليج، والذي تحرص إدارة ترامب على وصفه بأنه نجاح دبلوماسي، على الرغم من حقيقة أن عملية التطبيع بدأت قبل عام 2017 بفترة طويلة. إنها أخبار جيدة بالتأكيد، ولكن بخصوص من يرون أن الضرورة الأخلاقية المثلى تقتضي بأن تركز الولايات المتحدة الأمريكية على القضية الفلسطينية، فإن اتفاقيات التطبيع هي جائزة مواساة للفشل الأكبر لخطة كوشنر للسلام.

إذن كيف يمكن للرئيس بايدن أن يبحر في هذه المياه؟. من المهم ألا ننظر فقط إلى تفاصيل كل منطقة مضطربة في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا إلى الطريقة الأكثر شمولاً والتي يريد بها بايدن تأطير السياسة الخارجية الأمريكية إذا تم انتخابه.

ويدرك “بايدن” بأنه لا يستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء إلى عام 2016، وعليه التعامل مع بعض جالبات الحظبسبب سلوك ترامب التفاؤلي. وتشمل هذه المبادئ الشاملة استعادة التحالفات، وإعطاء الأولوية للديمقراطيات للتعامل مع الاستبداد المتزايد، وإعادة النظر في الالتزامات العسكرية بما يتماشى مع الضرورات المالية، والمشاركة في المحافل متعددة الأطراف بشأن القضايا الاستثنائية كقضايا تغير المناخ والصحة العالمية والإرهاب.

وإلى جانب هذه الأهداف الخارجية، سيعمل بايدن على استعادة الثقة داخل المجتمع الأمريكي وداخل الحكومة الأمريكية. وسيعمل “بايدن” أيضًا على تحفيز الموظفين الحكوميين من جديد ليتمكنوا من أداء واجباتهم في مجال الأمن القومي بطريقة غير سياسية.

ولا يعتبر الشرق الأوسط المكان المناسب لإصلاح التحالف، مقارنة بأوروبا وحلفاء آسيويين. وسيتمكن بايدن من إعادة تأسيس علاقات شخصية إيجابية مع قادة الشرق الأوسط الرئيسيين، باستثناء المملكة العربية السعودية على الأرجح. وسيتعين عليه التعامل مع الشعور القوي في الكونجرس بأن هذه العلاقة قد لا تعكس قيم القرن الحادي والعشرين، على الرغم من الشراكة الاقتصادية والأمنية التي استمرت عقودًا طويلة. وبينما يفضل العديد من قادة الدول الصديقة إعادة انتخاب ترامب، فإنهم سيتكيفون من أجل الإبقاء على وجود الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. كما أن هناك دول عدة تشعر بالقلق من فكرة تقليص النفقات الأمريكية.

وبالنظر إلى التركيز المتجدد المحتمل على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن الشرق الأوسط سيشكل بعض التحديات لإدارة بايدن. وستدعم إدارة بايدن عدد قليل من الدول التي تتبنى الديمقراطية مثل تونس والمغرب والأردن. وستكون الإشكالية الأكبر في العلاقات مع النظام في القاهرة. وهناك انخفاض في مستوى المشاركة الأمريكية لدى القاهرة منذ سنوات عديدة. وقد يكون لبنان فرصة لفريق جديد لمساعدة الدولة المحاصرة في مواجهة التحدي الهائل المتمثل في استعادة الثقة واتخاذ بعض الخطوات الجذرية في الحكم والإصلاح السياسي.

وتشكل إيران أيضا اختبارًا صعب لإدارة بايدن، كما أن مجرد استعادة التزام الولايات المتحدة بالاتفاق النووي لعام 2015 لن يكون كافياً؛ وقد يأخذ خبراء منع الانتشار النووي في إدارة بايدن زمام المبادرة ويقترحون إدخال تعديلات على الاتفاق والنووي والعمل مع الحلفاء للإبقاء عليه، في حين أن سلوك إيران الإقليمي سيكون من مسؤولية المسؤولين الإقليميين في وزارتي الخارجية والدفاع.

وسوريا أيضا مليئة بالتاريخ والواقع الحالي الذي لا يفضي إلى أي نجاح دبلوماسي أمريكي مبكر. ويرى المؤرخون أن الحرب الأهلية في سوريا هي أكبر فشل في السياسة الخارجية لأوباما، وهو ما يتعين على بايدن تحديد ما إذا كان هناك أي شيء يمكن القيام به لإنهاء تلك الحرب. وانتقد مستشارو “بايدن” بشكل خاص معاملة ترامب للحلفاء الأكراد السوريين في قتالهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وقد يركز المستشارون على تقديم الدعم للمناطق السورية غير الخاضعة لسيطرة الحكومة. ورغم ذلك، ستعلب إدارة بايدن عل الأرجح دورًا داعمًا وليس رائدًا في الجهود المبذولة لاستئناف المفاوضات حول مستقبل البلاد، تحت قيادة الأمم المتحدة أو روسيا.

وقد تندرج الأزمة الداخلية الليبية أيضًا ضمن فئة المشاكل والتي يمكن لبلدان أخرى أو مؤسسات متعددة الأطراف أن تأخذ زمام المبادرة لحلها. وستستمر الولايات المتحدة الأمريكية في دعم عملية الأمم المتحدة الحاضرة الغائبة، وقد تأمل الولايات المتحدة الأمريكية في أن تستمر دول جنوب أوروبا، والتي تأثرت بشكل مباشر أكثر بالضعف الليبي المحزن، في المشاركة في جهود الأمم المتحدة دون توقع الكثير من الولايات المتحدة.

وليبيا أيضًا جزء من مجموعة أكبر وأحدث من المشاكل التي سيتعين قطعًا على إدارة بايدن معالجتها: وهو التدافع الجيوسياسي في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتأكيد تركيا على طموحها للعب دور أكثر قوة في المنطقة. وهذا يتجاوز نمط تركيا من جهة، والإمارات من جهة أخرى، والتعامل مع الفصائل الليبية كل على حدة؛ ويتطلب هذا التحول الكبير في ديناميكيات السلطة بعض التفكير الجديد من جانب فريق جديد في البيت الأبيض ووزارة الخارجية.

وبينما قد لا تؤثر قضايا شرق البحر الأبيض المتوسط على المصالح الأمريكية كما حدث، على مدى عقود عديدة، على مستوى القضية الإسرائيلية الفلسطينية أو أمن الخليج، فلاتزال تلك القضايا مصدرًا جديدًا مهمًا لعدم اليقين فيما يتعلق بحلف الناتو وشركاء الشرق الأوسط الرئيسيين للولايات المتحدة الأمريكية. وقد ترى إدارة بايدن في تلك القضايا فرصة لإثبات أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكنها أن تلعب دورًا مثمرًا في حل النزاعات الإقليمية وتجنب الصراعات الكبرى دون أي التزامات عسكرية كبيرة.

إلين ليبسون، نائب سابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية، وتشغل الآن منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، وهي رئيس سابق ومدير تنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبل هذه الفترة، قضت “لايبسون” ربع قرن في العمل لدى الحكومة.