ليبيا هي الطريق للتعرف على ملامح السياسة الخارجية لبايدن

الين ليبسون

AFP photo: Timothy A Clary

يُعد الرئيس الأمريكي المُنتَخَب “جو بايدن” شخصًا خبيرًا، فيما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط أو السياسة الخارجية بشكل عام. ومن المحتمل أن يغتنم “بايدن” الفرصة لإعادة العلاقات الودية مع قادة العالم، حتى القادة في القدس والرياض الذين قد يعتقدون أنهم أكبر الخاسرين بعد هزيمة دونالد ترامب. ولكن مُستشاري “بايدن” يُحذرون من أنه سيقضي 80٪ من وقته في التعامل مع القضايا المحلية. ولا غرابة في هذا: حيث يواجه بايدن تحديات رهيبة متمثلة في فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، والتداعيات الاقتصادية المدمرة لهذا الفيروس، والجروح الاجتماعية والسياسية العميقة الناجمة عن الاستقطاب والتمييز العنصري. وفي السابع “7” من أكتوبر/تشرين الأول، وخلال اعتماد أوراق ترشحه للرئاسة، تحدث “بايدن” بإيجاز عن استعادة المصداقية الأمريكية في العالم.

قد يترك الشرق الأوسط “بايدن” وشأنه لفترة من الوقت، دون طرح أي أزمات حادة من شأنها أن تهيمن بسرعة على جدول الأعمال اليومي لرئيس البلاد. ويبقى أن نرى ما إذا كان ترامب سيحاول طرح أي مبادرات في المنطقة خلال الفترة الانتقالية من الآن وحتى 20 يناير. فقد يأمل على سبيل المثال في إبرام اتفاق آخر لصالح دولة عربية للاعتراف بإسرائيل. ولكن إذا ظل ترامب يُلقي اللوم على الآخرين بسبب هزيمته، فلن توفر السياسة الخارجية الكثير من الدعم، لأنها لم تكن عاملاً رئيسياً في تحديد توجه 150 مليون ناخب أمريكي.

وإذا ما حدثت أزمة دولية خلال الفترة الانتقالية الطبيعية والسلسة للسلطة، فعلى الرئيس المنتهية ولايته أن يُشرك خليفته في الأمر، لأنه يمتلك بالفعل إمكانية الاطلاع على التقارير الاستخباراتية. ولكن هذا الموقف يبدو غريبًا على شخصية ترامب وطريقة عمله. ففي الفترة الانتقالية بين عاميّ 2016-2017، حرص فريق عمل الرئيس أوباما على مساعدة الإدارة الجديدة في التعرف على المؤسسات والقضايا، لكن أنصار ترامب تجاهلوا هذه الطقوس الراسخة في الفترات الانتقالية الرئاسية.

وكان بايدن شديد الالتزام والحرص على تجنب الاتصال بالمسؤولين الأجانب أثناء الحملة؛ ففي المرحلة الانتقالية، يستطيع “بايدن” قبول تهنئتهم، ولكنه عليه أن يتجنب أي مظهر من شأنه أن يقوض سُلطة الرئيس الحالي من خلال وضع خطط أو ترتيبات سياسية عميقة مع الدول الأخرى، حيث تتمسك أمريكا بمبدأ أن لها رئيس واحد فقط في الوقت ذاته.

ولذلك من الأفضل التركيز على ربيع عام 2021 بحثًا عن أي إشارات ملموسة تنم عن أولويات سياسة بايدن في الشرق الأوسط. ولنتذكر أن اقتراح أسماء أعضاء مجلس الوزراء يستغرق دومًا بضعة أسابيع، وفي ظل وجود مجلس شيوخ يسيطر عليه الجمهوريون (لم تُحسم مقاعده نهائيًا بعد)، فمن المُحتمل ألا يتمكن بايدن من تحديد فريق عمله لعدة أسابيع أو أكثر.

وقد يمتلك “بايدن” فرصة البدء بشكل إيجابي من خلال المساعدة في الدبلوماسية متعددة الأطراف بشأن ليبيا. ويبدو أن هذا الصراع الليبي الداخلي في طريقه إلى الحل، بفضل العمل الدؤوب لـ”غسان سلامة” الدبلوماسي في الأمم المتحدة ونائبته الدبلوماسية ستيفياني ويليامز. بعد أن عمل كلاهما ابتداءً من عام 2018 حتى أوائل عام 2020 على الشروع في عملية المصالحة السياسية، ولكن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن والقوى الإقليمية بما في ذلك مصر وتركيا والإمارات العربية المتحدة قاموا بتقويضها. وحولت تلك الأطراف الصراع الليبي الداخلي إلى حرب بالوكالة لمنافسة القوى الإقليمية الأكبر.

لكن بمساعدة الدول الأوروبية الكبرى، وضع كلٌ من “سلامة” و”ويليامز” معايير الاتفاق لإنهاء العنف، وإخراج المقاتلين الأجانب، واستئناف إنتاج النفط، وبناء عملية سياسية لإجراء انتخابات جديدة وتشكيل حكومة جديدة. ورغم المُعوقات، فمازال وقف إطلاق النار قائمًا، وفي حديثٍ معه مؤخرًا، قال سلامة – الذي تنحى عن منصبه في الربيع لأسباب صحية – إن احتمالات إنهاء الحرب أصبحت أفضل من أي وقت مضى.

وقد تكون الفرصة سانحة لإدارة بايدن لدعم جهود الأمم المتحدة، وإثبات أن الولايات المتحدة ستوفر مزيدًا من الاهتمام والدعم السياسي للجهود متعددة الأطراف. وقد تجد إدارة “بايدن” أنه من المناسب إعادة فتح السفارة الأمريكية في طرابلس، بعد أن أجبرت الظروف الأمنية الولايات المتحدة على نقل دبلوماسييها إلى مالطا ثم تونس.

وكلما كانت ليبيا أكثر استقرارًا، صارت الإدارة الأمريكية الجديدة أكثر قدرة على إشراك دول شرق البحر الأبيض المتوسط في القضايا الأهم المتعلقة باستكشاف الغاز واستغلاله، وهي القضايا التي وضعت إسرائيل ومصر وقبرص واليونان في مواجهة تركيا، والتي اتخذت موقفًا شديد الحزم بشأن مطالباتها البحرية، وضمَّت ليبيا إلى دائرة نفوذها. وفي حالة قلصت الدول الإقليمية من تدخلها في الشأن الليبي، ودعمت عملية الأمم المتحدة، فقد يظهر ذلك إمكانية وجود أشكال جديدة من التعاون الإقليمي. وبدون معرفة من سيكون وزير الخارجية الأمريكي القادم، فلا يزال في الإمكان الافتراض أن الدبلوماسية الأمريكية ستكون أكثر اهتمامًا بالمصالح طويلة الأجل للأطراف، وستكون أكثر استعدادًا لتسهيل حل المشكلات الإقليمية، والتعامل مع الحكومات والمؤسسات المتوسطية بطريقة أكثر إنتاجية ويُمكن التنبؤ بها.

ولكن ليبيا أيضًا بها بعض الجوانب السلبية بالنسبة لإدارة “بايدن. فعندما كان أوباما وبايدن في البيت الأبيض، انهارت الأمور في ليبيا، بدءًا من قرار التدخل في 2011 دون البقاء لتحقيق الاستقرار بعد حكم القذافي، وصولاً إلى الخسارة المأساوية لأربعة دبلوماسيين أمريكيين في بنغازي في عام 2012. ومثلما كان “أوباما” مترددًا في إلزام الولايات المتحدة بالتدخل في صراع رأى أنه أكثر أهمية بالنسبة لأوروبا، بات “بايدن” اليوم شديد الحذر فيما يتعلق بالتدخلات الجديدة. ومع ذلك، تتميز سياسة “بايدن” النشطة تجاه ليبيا بأن الصراع الآن يمر بمرحلة دبلوماسية، حيث تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية استخدام قيادتها المعاد اكتشافها لدفع تلك العملية الدبلوماسية، سواء ببعض المخاطرة بالتورط العسكري المكلف أو بدونها.

وبالمقارنة مع المناطق الأخرى المضطربة في الشرق الأوسط، مثل سوريا أو اليمن، قد تكون ليبيا هي الخيار الأسهل. فتلك الصراعات الأخرى أكثر تعقيدًا بسبب الدور الذي تلعبه كل من روسيا وإيران والسعودية. وتحتاج الإدارة الأمريكية الجديدة إلى مزيدٍ من الجهد والوقت للانخراط مُجددًا في تلك الحروب الأهلية.

قد تقتضي الأحداث غير المُتوقعة في الشرق الأوسط والتي غالبًا ما تكون مأساوية استجابة من الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن في غياب أي أزمة كبيرة، ستحاول الإدارة الأمريكية الجديدة تشكيل سياساتها في الشرق الأوسط في ضوء أهداف “بايدن” العالمية المتمثلة في إعادة تفعيل التحالفات، وتعزيز الديمقراطيات لكونها العلاج الأمثل لزيادة الاستبداد، ودعم الجهود متعددة الأطراف لإنهاء الصراعات، ومواجهة التهديدات الكبرى العابرة للحدود مثل تغير المناخ والإرهاب والأزمات الصحية الوبائية. وستكون ليبيا مكانًا جيدًا للتأكيد على تلك المبادئ العامة.

إلين ليبسون، نائبة سابقة لرئيس مركز الاستخبارات القومي الأمريكي، وتشغل الآن منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية شار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، وهي رئيس سابق ومدير تنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبل ذلك، أمضت ليبسون ربع قرن في الخدمة الحكومية.