يُشير الحديث الدائر بين الرئيس الأمريكي بايدن ونضيره التركي أردوغان إلى طبيعة الاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع أفغانستان

فيصل اليافعي

AFP photo: Adek Berry

ظهرت على السطح تفاصيل قليلة جدًا حول أول لقاء مباشر ما بين جو بايدن ورجب طيب أردوغان – وبالرغم من أن الرئيس التركي كان سعيدًا بما يكفي ليقول هذا الأسبوع إن ذلك اللقاء فتح “حِقبة جديدة” في العلاقات بين كلا البلدين. ولكن بعد مضي أيام قليلة، صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي ، جيك سوليفان ، بأن كلا الرئيسين اتفقا على قيام تركيا بتأمين الحماية والرعاية لمطار كابول، بمجرد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في وقت لاحق من هذا العام.

وكان هناك بعض التفاصيل الصغيرة بشأن الخلاف بين كلا البلدين، ولكن لم يتم الخوض فيها، وهي قصة شراء أنقرة لنظام الصواريخ الروسي S-400 المضاد للطائرات. ومع ذلك ، فقد قدمت لمحة أولية عما قد تكون عليه الاستراتيجية الأمريكية بعد الإنسحاب من أفغانستان.

و منذ إعلان بايدن عزم بلاده إنهاء أطول حرب لها بحلول 11 سبتمبر من هذا العام، جاهدت امريكا لمعرفة كيفية سحب قواتها من دون ترك فراغ أمني، حتى لا تتغلب طالبان بكل بساطة على الحكومة الافغانية المدعومة من الغرب. وهي مهمة صعبة ، لأن الصراع الذي دام عقدين من الزمن ،اعتمد على تواجد الجنود وعملاء وكالة المخابرات المركزية على الأراضي الأفغانية ومساعدة الحلفاء والأفغان.

وإذا غادرت جميع القوات الأجنبية مع الجنود الامريكان في نفس الوقت – وهو ما وصفه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في أبريل بستراتيجية ” مع بعضنا البعض في الدخول وفي الخروج” – فهذا سيترك عددًا قليلاً جدًا من الجنود لحماية الحكومة الأفغانية ولا توجد طريقة فعلية لدعمها إذا سعت طالبان إلى الإطاحة بها. ويبدو أن الدور التركي هو طريقة لتأمين الخروج من أفغانستان مع الاحتفاظ بشيء من الحضور الأمني–عن طريق القاء عبءالحفاظ على الأمن ​​داخل البلاد على عاتق حلفاء الناتو ، ودفع الحلفاء الإقليميين لاستضافة القوات الأمريكية في الخارج.

وقد يبدو هذا كله وكأنه حيلة مقبولة من قبل واشنطن. لكن النتيجة الفعلية ستكون ببساطة وقف استهداف الجنود الأمريكيين وتحويل الانظار عنهم إلى اهداف اخرى . وإذا كان السبيل الوحيد لوقف استيلاء طالبان على أفغانستان هو ببساطة تمليك الحروب الأمريكية إلى حلفائها ، فكل ما يفعله هو تأخير زمن معرفة الحقيقة المرة التي لا يرغب أحد في معرفتها، وهي أن استراتيجية ما بعد الإنسحاب محكوم عليها بالفشل.

ومع ذلك سيتعين على أمريكا تجربتها، لأن الخروج من أفغانستان بالكامل ليس خيارًا من الخيارات المتاحة. فأفغانستان اليوم مليئة بالعنف والقتل والدمار. و القليل من أخبار ذلك الدمار والتخريب يصل إلى قنوات الأخبار العالمية، ونرى حرب الاستنزاف بين طالبان وقوات الأمن الأفغانية تتصاعد وتيرتها مع دنو موعد رحيل القوات الأمريكية .

و في 14 يونيو ، وهو اليوم الذي التقى فيه بايدن وأردوغان ، قامت طالبان بقتل عشرة جنود وأربعة ضباط شرطة واختطفت أربعة آخرين. و في اليوم الذي تم فيه إعلان سوليفان ، قُتل ضابطا شرطة بالرصاص في كابول. ومن الملاحظ أن العنف يتصاعد شهر بعد شهر، ووفقًا لأرقام نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، قُتل عدد أكبر من قوات الأمن الموالية للحكومة والمدنيين خلال هذا الشهر أكثر من أي وقت مضى، تحديداً خلال العامين الماضيين.

ولم تُخفِ طالبان رغبتها في العودة لتولي مقاليد الحكم ، سواء من خلال شن حرب استنزاف لا نهاية لها، تُسقط بها الحكومة الأفغانية ، أو حرب أهلية صريحة، أو ربما من خلال احتمال أفضل، وهو اتفاق سلام يؤدي إلى تقاسم السلطة، على الرغم من أن العديد من الأفغان يتوجسون خيفة من هذا الاحتمال.

فبدون وجود بعض القوات الأجنبية لحماية مطار كابول الذي يعد عنصراً حيوياً بارزا ، كونه نقطة الدخول الرئيسية لأي تعزيزات إلى الدولة الحبيسة، فلن يوجد ما يوقف انزلاق البلد إلى غياهب الحرب الأهلية في وقت مبكر من هذا العام.

لذا فإن الولايات المتحدة وحلفاؤها في موقف لا يُحسدون عليه، حيث يُحاولون صياغة استراتيجية محتوم عليها بالفشل. وقد بادرت طالبان بإصدار تهديدات بالتزامن مع انسحاب الحلفاء الأمريكيين الرئيسيين. وفي اليوم التالي لإعلان سوليفان، رد متحدث بأسم طالبان بالقول أنه إذا أبقت تركيا على وجود عسكري لها فوق الأراضي الأفعانية ، “فلن يسمح الأفغان لها بذلك،وسيتم اعتبارهم غزاة”.

وإذا كانت أنقرة تأمل في أن يوفر لها وضعها كدولة مسلمة بعض الحماية ، فعليها أخذ العبرة من ما حدث في باكستان بعد عام 2001 ، عندما دعم برويز مشرف الغزو الأمريكي، وجاء رد الفعل سريع ومباشر، حيث بدأت مجموعات داخل باكستان موالية لطالبان بمهاجمة الجنود الباكستانيين. وعليه فمن الواضح أن باكستان لم تسلم من يد الارهاب ولم يشفع لها لا الدين ولا الحدود المشتركة.

و رئيس الوزراء الباكستاني الحالي ، عمران خان ، على دراية جيدة بالتاريخ. ففي اليوم الذي هددت فيه حركة طالبان تركيا قام باستبعاد بقاء أي من الجنود الأميركيين في بلاده وتابع ذلك بمقال رأي في صحيفة واشنطن بوست ، أشار فيه إلى تلك الفترة، وتحذيره من أن استضافة القوات الأمريكية سيعني أن باكستان ستُستهدف من قبل الإرهابيين مرة ثانية.

و بدون القواعد الباكستانية ، سيتعين على الولايات المتحدة البحث في مكان آخر، على الأرجح طاجيكستان أو أوزبكستان ، سواء على الحدود الشمالية لأفغانستان أو مع القواعد العسكرية التي استخدمتها الولايات المتحدة سابقًا. أيًا كان من يوافق – ويقبل عن طريق سياسة الترهيب أوالترغيب – سيتعين عليه مواجهة التحدي المستحيل الذي طرحه خان هذا الأسبوع: “إذا لم تستطع الولايات المتحدة كسب الحرب من داخل أفغانستان بعد مضي عشرين عامًا ، فكيف يمكن لأمريكا فعل ذلك من قواعد في بلدنا؟ “

بينما تسعى أمريكا وراء استراتيجية ما بعد الإنسحاب ، سيتساءل حلفاؤها عما يلي: إذا نقلت الولايات المتحدة حربها طويلة المدى لإطراف اخرى ، فهل ستصبح أفغانستان هي حربهم الأطول ايضا؟

.يقوم فيصل اليافعي حاليًا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق معروف على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. عمل لمنافذ إخبارية مثل The Guardian و BBC ، وكتب تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا