“البيتلز” محورًا لصراع استعماري جديد يشمل المملكة المتحدة والولايات المتحدة

جوناثان جرونال

AFP Photo: Handout/ Syrian Democratic Forces (SDF)

إذن قد وصلت المساومة المعيبة بين بريطانيا والولايات المتحدة، حول المصير القانوني للمتهميْن بجرائم قتل جماعي “الشافعي الشيخ” و”أليكساندا كوتي”، إلى نهاية بغيضة. إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإن هذين العضوين في عصابة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذيْن أطلق عليهما أسراهُما اسم “البيتلز” تبعًا للهجتهما البريطانية، ستجري محاكمتهما أمام محكمة أمريكية؛ وسيكون مصيرهما النجاة من عقوبة الإعدام بفضل الطعن القانوني الذي تقدمت به والدة أحدهما في المملكة المتحدة.

يمثّل هذان البريطانيان أحد شطريْ مجموعة تألفت من أربعة رجال مسلمين متطرفين ينحدرون من غرب لندن، تركوا المملكة المتحدة للانضمام إلى تنظيم داعش في 2013. هذه المجموعة الرباعية متهمة بالمسؤولية عن عمليات ذبح مريعة في سوريا أمام الكاميرات فيما بين عاميْ 2014 و2015 بحق العشرات من الأسرى، من بينهم الصحفيان الأمريكيان “جيمس فولي” و”ستيفن سوتلوف” وعاملا الإغاثة البريطانيان “ديفيد هاينز” و”آلان هينينج”.

وبرغم أن مصير أسرى داعش من أبناء الغرب هو ما أشعل القسط الأكبر من الغضب واحتلّ معظم عناوين الأخبار، فالسوريون والعراقيون هم مَن دفع الثمن الأكبر خلال فترة الحكم الشيطانية لـ “خلافة” داعش قصيرة الأجل. كان من بين الضحايا 22 عنصرًا من القوات المسلحة السورية، أسرَهم “البيتلز” وعذّبوهم وقتلوهم في الفترة من أغسطس 2014 حتى يناير 2015.

وفي يونيو 2014، أعلنت الأمم المتحدة أن داعش قتل أكثر من 1000 شخص في العراق خلال الأسبوعين الأولين من بدء انتشار التنظيم على مستوى البلاد، وقال متحدث باسم الأمم المتحدة إن “هذا الرقم يجب أن يُنظر إليه بنسبة كبيرة على أنه الحد الأدنى لعدد الضحايا “. وبعد مرور شهرين، تم بث مقطع فيديو يظهِر عشرات من الجنود السوريين يتعرضون للإهانة والضرب بينما يُساقون إلى مكان إعدامهم، وذلك عقب استيلاء التنظيم على قاعدة “الطبقة” الجوية الواقعة بمحافظة الرقة. وفي فبراير 2015، ظهر مقطع مصوَّر لـ “معاذ الكساسبة”، وهو قائد طائرة إف-16 تتبع سلاح الجو الملكي الأردني كان تنظيم داعش قد أسقط طائرته، بينما يُعدَم حرقًا داخل قفص بمنطقة الرقة.

ومن ثم لماذا يُحاكم كلٌ من “الشيخ” و”كوتي”، وهما من الرموز الشهيرة وراء ارتكاب تلك الفظائع، أمام محكمة أمريكية حيث يمكنهما أن يضمنا الحصانة من توقيع العقوبة القصوى عليهما – أي الإعدام – بعدما أوقعاها بالكثير والكثير من ضحاياهما بوحشية عنيفة؟

تم اعتقال عضويْ داعش المذكورين في أوائل العام 2018 في سوريا، على يد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وهي الميليشيا الكردية المدعومة من الولايات المتحدة. وفي أكتوبر 2019، سلَّم الأكراد “الشيخ” و”كوتي” إلى الأمريكان عند دخول القوات التركية للشمال السوري، وتم نقلهما إلى مركز احتجاز أمريكي في العراق.

بريطانيا، التي سحبت حق المواطنة من الرجلين، قد وافقت على مشاركة معلومات استخباراتية متعلقة بهما يعتقد أعضاء بالنيابة العامة الأمريكية أنها معلومات محورية في القضية التي يتم محاكمة المتهميْن فيها. وعلى غير العادة، لم يسعَ وزير الداخلية البريطاني حينها “ساجد جاويد” إلى الحصول على ضمان بألا يواجه الرجلان عقوبة الإعدام التي أوقِف تطبيقها بالمملكة المتحدة في 1965.

ثم اختصمت “مها الجزولي” والدة “الشيخ” الحكومة البريطانية قضائيًا في يوليو 2018، مطالبةً بمراجعة القرار الصادر بحق نجلها. تم رفض الدعوى، لكن في مارس من الجاري ربحت “مها” الاستئناف الذي قدمته إلى المحكمة العليا، فحكمت المحكمة بأن قرار مشاركة المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالرجلين مع الولايات المتحدة دون النظر إلى عقوبة الإعدام هو قرار غير قانوني و”مبني على النفعية السياسية”. واليوم، في صفقة تهدف إلى كسر الجمود المحيط بالأزمة والسماح للرجلين بالمثول أمام محكمة أمريكية، وافقت الولايات المتحدة على استبعاد عقوبة الإعدام.

الدافع المحرك لمواقف كلٍ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في قضية عضويْ خلية “البيتلز” هو النفعية السياسية، ولا ينبع من أي رغبة حقيقية في تحقيق العدل؛ تمامًا مثلما حدث مع “صدام حسين” الذي اعتقلته القوات الأمريكية في 2003، حيث تم تسليمه للمثول أمام القضاء العراقي وإعدامه في 2006 بدلًا من محاكمته أمام محكمة أمريكية.

في تلك اللحظة أصبح ما يلائم أمريكا، التي تواجه تمردًا يحدوه العزم في العراق، هو محاولة دعم مصداقية سلطة الائتلاف المؤقتة (أول سلطة شُكِّلت لإدارة أمور العراق بعد الإطاحة بـ “صدام حسين”) والحكومات التالية عليها. اليوم، بينما يواجه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” احتمالات متصاعدة للهزيمة في الانتخابات الرئاسية المقرر لها نوفمبر القادم، تسعى إدارته إلى تجسيد وجه الانتقام الأمريكي في محاكمة أمريكية تعرضها شاشات التليفزيون.

وفي الوقت ذاته تواجه الحكومة البريطانية، المستميتة في اختطاف فتات الاتفاقيات التجارية من واشنطن في أعقاب اتفاقية الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، اتهامات من جماعات حقوق الإنسان بالتنازل عن حقها الطبيعي في معارضة عقوبة الإعدام بغرض تحقيق مصالحها في مداهنة نظام “ترامب”.

سيسعى البريطانيون والأمريكان على حدٍ سواء إلى رؤية العدالة تُطبَّق على هذين الشخصين بأي شكل من الأشكال. لكن ماذا عن آلاف العائلات السورية والعراقية التي دمّرها هذا الوباء الداعشي، ناهيك عن أعداد لا تُحصى في الدولتين من الثكالى بسبب الجرائم المفزعة المتهم بتنفيذها “الشيخ” و”كوتي”؟

أين ذهبت تصريحات واشنطن ولندن عن وجه العدالة الذي سيتم تطبيقه؟ أنّى للمكلومين بيومٍ يرون فيه الرجلين أمام المحكمة؟

مشهد الصراع بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة حول مصير هذين الرجلين لأهداف سياسية نفعية بحتة يُعد مثالًا كلاسيكيًا لمبدأ “نحن أفضل مَن يعلم” الخاص بالاستعمار الجديد.

الوضع بهذه الصورة يحمل من الوقاحة الصريحة ما حملته عن التدخلات العسكرية الغربية التي تسببت في تلك الفوضى والمعاناة في المنطقة على مدار العقدين الماضيين، كما يذكِّرنا بتمزق الإمبراطورية العثمانية السابقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بكل ما حملته هذه الذكريات البائدة من تبعات لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

العراقيون والسوريون لهم ذات الحق في تحديد مصير هذين المتهمين بأعمال قتل وحشية؛ إن لم يكن لهم الحق الأكبر في ذلك.

ومحاولة مثول “الشيخ” و”كوتي” أمام محكمة أمريكية وإنقاذهما من احتمالية توقيع العقوبة القصوى عليهما، تعني تجاهُل حقوق ومشاعر جميع سكان المنطقة الذين عانوا على يد هذين الشخصين، كما لو أن هذه الحقوق والمشاعر محض هباء؛ ولا شك أنها محض هباء بالفعل في الحسابات السياسية النهائية للقوى الغربية.

جوناثان جورنالصحفي بريطاني عمِل سابقًا بِمجلةالتايمز، وأقام وعمِل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم بالمملكة المتحدة.