مظاهرات البصرة تكشف عن انعدام العلاقة بين الديمقراطية والإدارة الرشيدة في العراق

حسين عبد الحسين

بعد فترة الهدوء القصيرة التي شهدها جنوب العراق أثناء هذا الصيف الملتهب، عاد سكان البصرة إلى الشوارع مرة أخرى مطالبين بتوفير الوظائف وخدمات حكومية أفضل. وبعد الانتخابات التي جرت في شهر مايو، أصبح في البلاد برلمان جديد ورئيس دولة ورئيسًا للوزراء، وهذا أفضل ما يمكن تحقيقه. وربما يعتقد أحدنا أنه قد حان الوقت أن نفسح المجال للسياسة للعمل من أجل الشعب، لكنه مخطئ، فها هم سكان البصرة يطلبون حلاً لمشاكلهم وبشكل فوري، ورغم ذلك لا يوجد من يتفهم حاجتهم الملحة لمطالبهم أو من يمكنه تنفيذها، سوى الالتفات إلى ذلك الفهم الخاطئ والمزعج الذي يتبناه سكان البصرة عن حكومتهم أو الديمقراطية أو لدورهم كمواطنين. والحقيقة أن المشكلة في البصرة تكمن في تلك الحالة المصغرة والضعيفة على صعيد الديمقراطية والإدارة الرشيدة في العراق والمنطقة.

ومن المفهوم أنه عندنا تصاب الشعوب بحالة من الإحباط والاكتئاب بسبب الظروف المعيشية الصعبة، فإنهم يلجئون إلى الشوارع. وهذه حقيقة في الدول التي لا يتجاوب فيها النظام السياسي مع الرسائل الديمقراطية. وفي الدول التي تمسح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، يتعين على النظام السياسي التكيف مع رغبات الناخبين، وبهذا يستطيع المواطن الغاضب من النظام السياسي تغيير هذا النظام بصوته. ومن الملاحظ أن العراق، رغم أنه ما كان لأحد الاعتقاد في هذا الأمر في العام 2003، أصبح واحدًا من تلك الدول التي تشهد حرية الانتخابات فيها صعودًا وهبوطًا فضلاً عن نتائجها غير المتوقعة بصورة مرحب بها. ورغم ذلك، مازالت العلاقة منقطعة بين التصويت والحوكمة الرشيدة، وبين التصويت لمجرد التصويت والتصويت من أجل التغيير الفعال، وبين السعي لتحقيق خدمة الناخبين وتحقيق الخدمة الشخصية. فربما هناك انتخابات في العراق، بيد أن مظاهر الديموقراطية الاخرى مازالت مفقودة.

وعندما ذهب العراقيون إلى صناديق الاقتراع في مايو، تخلص سكان البصرة من ثلثي البرلمانيين الذين يمثلون المحافظة والبالغ عددهم “25” برلماني. ورغم أنه من المفضل انتخاب المسؤولين الموجودين في مناصبهم بسبب شهرتهم وعوامل أخرى، لم ينجو من تلك الهجمة الانتخابية سوى ثمانية أعضاء في البرلمان، وبهذا أرسل سكان البصرة، والبالغ عددهم على وجه التقريب ثلاثة “3” ملايين نسمة، رسالة واضحة مفادها أنهم يريدون التغيير.

هذا وقد نكث البرلمانيون الجدد في عهدهم وانتخبوا رئيسًا للبلاد ورئيسًا للوزراء رغم الاحتجاجات المستمرة لسكان البصرة. فهل ما فهمه هؤلاء المشرعون هو أن المسؤولين الجدد الذين انتخبهم سكان البصرة مازالوا في مناصبهم؟ أم أنهم اعتقدوا أن التصويت من أجل التغيير كان مجرد حدث، وأن تظاهر سكان البصرة في شوارعها كان سبيلاً للحصول على ما يريدون؟ (فلم يجدي هذا الأمر نفعًا من قبل.) ولهذا يبقى السؤال الحقيقي، ما الذي دفع المشرعون إلى النكوث بعهدهم.

إن مطالب سكان البصرة بلا نقاش مطالب مشروعة، ولكن منذ أن لقبها العراقيون بالعاصمة الاقتصادية للعراق”، أصبحت محافظة البصرة الغنية بالنفط مستنقعًا اقتصاديًا راكدًا. وتشير الاحصائيات إلى أن معدل البطالة في البصرة يبلغ “50%” تقريبًا، وقد كشف أحدث تعداد سكاني أجرته الحكومة أن قرابة “45%” من سكان المحافظة دون سن الخامسة عشر “15”، وهو ما يدق ناقوس خطر قنبلة ديمغرافية.

ويتعرض الآن للتلوث ذلك المجرى المائي الشهير في المحافظة وهو “شط العرب” والذي يعتمد على التقاء نهري دجلة والفرات، وهو ما أدى إلى هلاك الحيوانات التي تعيش في هذا النهر. وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية، لفظ النهر عشرات الآلاف من الأسماك الميتة.

وتشهد البصرة حالة من الفوضى.

ورغم ذلك، ومع أن مطالب سكان البصرة مشروعة، الا أنهم يشكلون جزءًا كبيرًا من معاناتهم، والسبب في ذلك تمسكهم بأفكارهم عن ماهية السياسة والإدارة، والغرض من الانتخابات. فحقيقة أن سكان البصرة قد أزاحوا ثلثي المشرعين الموجودين في مناصبهم، إلا أنهم جاءوا بمشرعين تابعين للكتلة البرلمانية القديمة التي يرأسها رئيس الوزراء الأسبق “نوري المالكي” و”حيدر العبادي”، فضلاً عن الكتل التابعة لغيرهم من الساسة التقليدين ومنهم “هادي العامري” و”مقتدى الصدر”. ورغم أنه من المفترض أن يكون التصويت من أجل التغيير، إلا أن سكان البصرة بهذا النهج يصوتون في حقيقة الأمر لترسيخ الوضع الراهن.

ويعتقد الكثيرون أن العلاقة بين من ينتخبوه وما هو منتظر من الدولة أن تقدمه لهم هي علاقة منفصلة. وأصبحت الانتخابات حديث الشارع السياسي وأطرافها هم المنافسون الوطنيون والمحليون. ورغم ذلك، يبقى التغيير شيئًا لن يتحقق إلا في الشوارع.

ويشكل انفصال الديمقراطية عن غيرها من الأمور تقويضًا لأهمية الديمقراطية، حيث انها قد فشلت في تمكين النظام الانتخابي من أدوات الحوكمة الرشيدة. وتجدر الإشارة إلى أن العراقيين مازالوا غير مدركين لحقيقة الوضع الذي تشهده البلاد، فما بالهم بالديمقراطية، فالعراقيين ينظرون الى أنفسهم على انهم يعينون الساسة، فهم يقومون بمنح أصواتهم لمن يقوموا بالدفع لهم سواء كان ذلك في شكل تقديم وظائف او حماية او حتى من خلال دفع مبالغ نقدية.

وحتى تجدي الديمقراطية نفعًا، يحتاج الشعب العراقي إلى تحديد العلاقة بين من ينتخبوه وتطبيق المشرعون لأسلوب الإدارة الذي يرغبون فيه ويطلبونه. كما يحتاج العراقيون إلى تغيير نظرتهم إلى السياسة على أنها مجال للنزاعات التافهة أو الحصول على أفضلية طائفية. ويتعين على الساسة تكريس جهودهم لبناء مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وهو ما يعزز مصالح الكثيرين ويحميها بدلاً من الدفاع عن مصالح الطبقة العليا من المجتمع. ولتحقيق هذا، يحتاج العراقيون، على أقل تقدير، إلى تغيير فكرهم وأنهم ليسوا مجرد تابعين لتلك السلطة بل مواطنون في تلك الدولة.

وفي تلك الأثناء، يرتدي المتظاهرون في البصرة السترات الصفراء، وسيسترجع الفرنسيون ديمقراطيتهم ويستردونها، الا أن اعتقاد المتظاهرين في البصرة أن حركة السترات الصفراء هي نموذجا يحتذى به في العراق، يعد دليلاً على أن هناك تحديًا في انتظارهم.

Photo by AFP