البحرين: اكتشاف احتياطات نفطية هائلة قد يعزز الاقتصاد الوطني، ولكنه قد يثير التساؤلات كذلك

حسن الحسن

كثيراً ما نسمع مقولة أن البحرين هي أول دولة عربية تم اكتشاف النفط فيها سنة 1932، وهي كذلك الأولى التي نفذ منها. إلا أن اكتشافها الأخير لما يزيد عن 80مليار برميل من النفط من شأنه أن يضع هذه المقولة طي النسيان. إن احتياطي البحرين النفطي المتواجد تحت البحر قد لا يجعل من البلاد فاعلاً عالمياً في سوق النفط أو يخرجها فوراً من الصعوبات المالية التي تواجهها، إلا أنه سيساعدها على الصمود اقتصادياً. والأهم من ذلك أنه على الحكومة أن تقدم مزيداً من التوضيحات حول الدور الذي ستلعبه هذه الاحتياطيات في اقتصاد البلاد على المدى البعيد، وكيف ستؤثر على استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تنتهجها المنامة.

هذا وقد أعلنت الحكومة في فاتح أبريل الجاري عن اكتشاف حقول نفطية هائلة قبالة الساحل، وبعدها بثلاثة أيام صرح وزير النفط البحريني، الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة، أن هذه الاحتياطيات المتواجدة قبالة الساحل الغربي للجزيرة تحتوي على أزيد من 80مليار برميل من النفط “الحبيس” وما يتراوح بين 10إلى 20تريليون قدماً مكعباً من الغاز “الحبيس”. (يشير مصطلح “حبيس” إلى المحروقات العالقة بين الصخور غير النافذة؛ وهي تُعرف أيضاً بالنفط الصخري والغاز الصخري.) وقد تبين أن “شركة نفط البحرين” المعروفة بمسمى “بابكو” قد تعاقدت مع شركتي “شلومبيرغر” و”شيلف دريلينغ” في 2017لحفر آبار اختبارية، كما أنها عينت شركة النفط الأمريكية متعددة الجنسيات “هاليبورتون” لحفر بئرين إضافيين خلال السنة الجارية. وأضاف الوزير أنه من المتوقع أن تنطلق مرحلة الإنتاج في غضون خمس سنوات. وإثر هذا الإعلان، عاد مؤشر جملة الأسهم البحريني عن مساره التنازلي، ما يشير إلى تحسن ثقة المستثمرين في عافية اقتصاد البلاد.

ومع ذلك، فقد ترك هذا الإعلان العديد من الأسئلة الجوهرية دون إجابات. أولاً، ما زالت الكمية الفعلية للاحتياطيات النفطية المكتشَفة غير مؤكدة، وذلك لأن الأرقام التي قدمتها الحكومة ناتجة عن تقييمات تفاؤلية. ثانياً، يُحتمل أن تطرح طبيعة الاحتياطيات الحبيسة تحدياً تقنياً كبيراً حسبما أفادت به شركة “هاليبورتون”: فبالرغم من تواجد هذه الاحتياطيات بالقرب من حقل النفط البحريني القديم وما يليه من بنية تحتية قائمة، فإن الموقع البحري لهذه الحقول الجديدة قد يشكل صعوبات كبرى على مستوى الاستخراج. ثالثاً، إن أثر ارتفاع الإنتاجية النفطية على عائدات الدولة يبقى رهيناً بتكاليف الاستخراج، والتي يُعد توقعها صعباً في هذه المرحلة. إن هذه العوامل في مجملها تُدخل عنصراً من الغموض وتضع علامة استفهام على مدى إمكانية استفادة البحرين من هذه الاحتياطيات التي تكهنت شركة “هاليبورتون” أن نسبة 5إلى 10في المائة منها فقط قابلة للاستخراج من الناحية التقنية.

لكن حتى ولو كان التقدير الأدنى لـ”هاليبورتون” صائباً –أي بواقع 5في المائة فقط –فإن حجم هذا الاكتشاف ما يزال يُعد ضخماً بالنسبة لدولة بحجم البحرين، التي لا يتجاوز عدد مواطنيها 700ألف نسمة. هذا ويبلغ معدل إنتاج النفط في البحرين حالياً حوالي 150ألف برميل في اليوم وهو ما يناهز 70في المائة من عائدات الدولة. وإذا لم تكن التكنولوجيا الحالية تسمح باستخراج سوى 5في المائة من الاحتياطيات المقدرة بـ80مليار برميل، أي 4ملايير برميل، فإن هذه الكمية لوحدهاكافية لمضاعفة إنتاج البحرين النفطي لعدة عقود على الأقل. أضف إلى ذلك أن تكنولوجيا استخراج النفط والغاز الحبيسين تعرف تطوراً متواصلاً، مما يشير إلى إمكانية استخراج كميات أكبر في المستقبل.

وبعيداً عن الأثر الاقتصادي، يُحتمل أن يكون لهذا الاكتشاف الجديد تداعيات أخرى واسعة النطاق. لطالما اعتُبرت محدودية الاحتياطيات الغازية في البحرين ومعها التشنج الذي تعرفه علاقاتها مع جارتيها قطر والبحرين (ذوات الثروات الغازية الهائلة) قيوداً مُثْقِلة لنمو قطاعي الطاقة والصناعة في هذه المملكة الخليجية. أما الآن، فمن المفترض أن تمكِّن احتياطيات الغاز المكتشَفة حديثاً والمقدَّرة بـ10إلى 20تريليون قدم مكعب البلادَ من تحقيق الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي سيزيل الخطر الجيو-اقتصادي الحالي الذي يهدد نموها في المستقبل.

إلا أن هذا الاكتشاف يحمل في طياته جانباً سلبياً محتملاً لا يستهان به وسيكون على المنامة أن تتعامل معه بكثير من الحذر. أولاً، بسبب هذه الاحتياطيات الجديدة من المحتمل أن تتعقد كل من الخطة الحكومية الرامية إلى إدخال مزيد من التخفيضات على الدعم الحكومي –والتي لا تحظى بالشعبية –ومعها المشروع الحكومي الهادف إلى إقرار الضريبة على القيمة المضافة، والذي سبق تأجيل موعد تنفيذه إلى أكتوبر من هذه السنة. هذا ويحتمل أن يحُد هذا الاكتشاف من عزم البحرين على تنويع اقتصادها والذي يُعد من بين الأهداف الرئيسية لـ”رؤية 2030″. والأهم من كل ذلك هو أن الدخل الإضافي الناتج عن وفرة النفط قد يؤدي إلى انتشار شعور بالرضا قد يدفع الحكومة إلى مواصلة الممارسات الإنفاقية التي تنتهجها حالياً، بما لذلك من تبعات نذكر منها التضخم البيروقراطي والتفاوتات في نظام الدعم الحكومي، وهي العوامل التي أدت في 2016إلى عجز الميزانية بنسبة بلغت 18في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ودين عام ارتفع إلى 82في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

بدلاً من ذلك، يتعين على الحكومة تبني استراتيجية واعية في التعامل مع الاحتياطيات المكتشَفة حديثاً كرصيد استراتيجي وليس كمورد دخل جديد وكفى. وقياساً على النموذج النرويجي أو على جيرانها في مجلس التعاون الخليجي، ينبغي من البحرين تخصيص حصة أكبر من عائداتها النفطية للاستثمار عبر صندوقها السيادي “ممتلكات” عوض استخدامها لدعم الإنفاق. ويُعتبر حالياً صندوق الثورة السيادية “ممتلكات”، الذي يدير ما قيمته 10.6مليار دولار من الأصول، هو الأصغر من بين الصناديق السيادية الخليجية حتى ولو تم قياسه نسبةً إلى حجم اقتصاد البلاد. وكنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، تتراوح قيمة الأصول الموجودة تحت إدارة الصناديق السيادية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي بين 460في المائة في الكويت إلى 111في المائة في المملكة العربية السعودية، ما يجعل عُمان (36في المائة) والبحرين (33في المائة) في أسفل القائمة. إن تبنِّي استراتيجية واضحة تُخصَّص بموجبها حصة أكبر من العائدات لصندوق الثروة السيادية البحريني من شأنه أن يحافظ على قيمة أصول البحرين للأجيال القادمة، كما سيولِّد ذلك عائداً على الأصول بإمكانه أن يمول استثمارات في قطاعات استراتيجية كالتكنولوجيات المالية أو حتى خطط لضمان الدخل الأساسي الشامل لمواطنيها.

وأخيراً، قد يؤدي الغموض المحتوم الذي يحيط باحتياطيات البحرين النفطية والغازية إلى تريث المستثمرين الأجانب ووكالات التصنيفات الائتمانية، إلا أن التقديرات الأولية المرافقة لهذه الاحتياطيات، مصحوبة بنجاح البحرين الجلي في إثارة اهتمام شركات الطاقة العالمية، تشير بقوة إلى أن هذا الاكتشاف الأخير يَعد بإعطاء دفعة جديدة لاقتصاد البلاد ودعم موقعها المالي.

AFP PHOTO/STRINGER