أذربيجان: دولة أخرى نفطية تقع في مرمى الصراع بين إيران – أمريكا – إسرائيل

دنيانيش كامات

AFP Photo: Mladen Antonov

الواقع أن الهجمات الحالية، التي استهدفت البنية التحتية النفطية في المملكة العربية السعودية، والتي يُقال أنها جاءت بأمر من إيران، تشير إلى أن حلفاء أمريكا من الدول المصدرة للنفط، يحتاجون لتدعيم أنفسهم ضد الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، وبهذا المنطق فإن أذربيجان؛ وهي دولة منتجة للنفط والغاز؛ ولديها علاقات راسخة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ستكون هدفًا رئيسيًا لتلك الهجمات، وعلى أي حال، فإن باكو (عاصمة أذربيجان)، قد نجحت في تجنُب هذا الاحتمال، عبر اتباع توازن دبلوماسي رائع، مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ومع ذلك، فإنه مع تصاعُد التوتُر بين تلك الدول الثلاث، ربما تكون أذربيجان مُجبرة على الانحياز لجانب دون الآخر، وربما تصبح مسرحًا جديدًا للصراع بين إيران والتحالف الأمريكيالإسرائيلي.

وقد قضت الضرورات الأمنية لأذربيجان، خلال فترة ما بعد الاستقلال، إلى اعتناق مبدأ العلمانية بشكل كامل داخل البلاد، واتباع توجهات موالية للغرب فيما يخص السياسة الخارجية. وبما أن أرمينيا (العدو اللدود لأذربيجان) تتحالف مع إيران وروسيا، فقد سعت أذربيجان إلى تكوين علاقات عسكرية قوية مع تركيا وحلف شمال الأطلنطي (ناتو) وإسرائيل.

في العام 2016، أعلن الرئيس الأذري إلهام علييف، عن شراء معدات دفاعية من إسرائيل بقيمة 5 مليارات دولار، تشمل طائرات مُسيّرة وصواريخ وزوارق حربية، واليوم، فقد باتت تحتل المركز الثالث بين الدول التي تحصل على صادرات السلاح الإسرائيلية، بينما احتلت إسرائيل المركز الثاني، بين الدول التي تستورد النفط من أذربيجان، وقد تواردت أنباء عن قيام شركة إسرائيلية بتأسيس مركز للقيادة والسيطرة تابع للاستخبارات الأذرية تحت الأرض، في العاصمة باكو.

وفيالمقابل،يُقالأنالاستخباراتالإسرائيليةحصلتعلىحقالدخولإلىالقواعدالجويةالأذرية،لأجلمراقبةالأنشطةالإيرانية،علىالرغممنإنكارالسلطاتالأذريةتلكالأنباءبشكلواضح. ولو قررت إسرائيل مهاجمة إيران؛ فإن الطائرات الإسرائيلية يمكنها الهبوط في القواعد الجوية الأذرية، بدلًا من أن تضطر إلى أعادة التزوّد بالوقود في الجو والعودة إلى إسرائيل، وكلا الدولتان تتسمان بالحرص، حول طبيعة ودرجة قوة العلاقات بينهما، وعلى أي حال، فإن هناك وثيقة مسربة تخص وزارة الخارجية الأمريكية، نقلت عن الرئيس علييف، قيامه بتشبيه علاقة بلاده مع إسرائيل بجبل الجليد: “تسعة أعشار تلك العلاقة تتم تحت السطح“.

أما العلاقات بين أذربيجان وإيران على وجه الخصوص، فقد كانت مشحونة بالتوتُر خلال عقد التسعينات وما بعد العام 2000، حيث عمدت القيادة السياسية في إيران إما الادعاء بأحقية طهران في أراضِ أذرية كوسيلة انتقام، أو دعوة الشعب الأذري، وغالبيته من الشيعة، لإسقاط الحكومة الأذرية العلمانية، ووضع نظام سياسي على النمط الإيراني بديلًا عنها.

وعلى الجانب الآخر، فإن الساسة في أذربيجان، يشجعون الأذريين، الذين يعيشون في منطقة شمال غرب إيران، على الانفصال عن إيران، والانضمام لأقرانهم في الشمال. وقد كانت هناك مواجهة عسكرية خطيرة على وشك الحدوث بين إيران وأذربيجان، في بحر قزوين خلال العام 2009، بسبب النزاع على الحدود البحرية بين البلدين. وفي العام 2011؛ هاجم جنرال إيراني أذربيجان، واصفًا إياها بأنها باتت قاعدة أمامية لإسرائيل، وأنها تعمل في الخفاء على زعزعة الاستقرار في إيران.

ومع حلول العام 2013 حيث تولّى حسن روحاني منصب الرئاسة في إيران، فقد تحسنت العلاقة بين أذربيجان وإيران بشكل ملحوظ، والشركات الإيرانية لديها استثمارات ضخمة في أذربيجان، بينما يسجل الإيرانيون والأذريون أعلى نسبة لتبادل الزيارات بين البلدين، وقد نجح الطرفان في تسوية النزاع على الحدود البحرية في بحر قزوين (على الرغم من أن إيران لم توقّع على وثيقة رسمية بهذا الصدد)، وهو ما يتم التأكيد عليه لأي شركة دولية، متخصصة في النفط والغاز، تسعى للاستثمار في الحقول البحرية الأذرية.

ومع ذلك، فإن هذا الوضع من الممكن أن ينقلب بسرعة، إذا ما بدأت طهران في رؤية أذربيجان ليس كدولة جارة تلتزم الحياد، وإنما كنائب لإسرائيل في منطقة القوقاز، وبالنسبة للإيرانيين فإن المشهد يبدو مُزعِجًا.

وقد قام وزير الدفاع الأذري بزيارة إسرائيل في أكتوبر من العام 2018، لتدعيم العلاقات العسكرية بين البلدين، علاوة على ذلك، هناك تقارير حديثة، تشير إلى قيام إسرائيل بالتجسس على المنشآت النووية الإيرانية، باستخدام طائرات تجسس مُسيّرة تنطلق من قواعد في أذربيجان، وتلك التقارير بالطبع ستدق جرس الإنذار في طهران.

ولو باتت إيران على قناعة، بأن أذربيجان قد تخلّت عن موقفها القائم على التوازن، فإن لدى طهران مجموعة كاملة من الأدوات الاستراتيجية تحت تصرُفها، ليس فقط لإثارة القلاقل داخل أذربيجان؛ وإنما لإرباك أسواق الطاقة العالمية، مما سيكون له تداعيات جيوسياسية واسعة النطاق. وطالما كانت الحكومة الأذرية في صراع مع المعارضة المسلحة، التي يتكون عمودها الفقري من الجماعات الشيعية المنحازة لإيران، ومن جانبها، فإن طهران من الممكن أن تتدخّل لحساب تلك الجماعات الموالية لها في العقيدة، والتي تشعر بالغضب في أذربيجان، تمامًا كما فعلت طهران في التسعينات من القرن الماضي، والواقع أن الاستراتيجية الإيرانية التي تعتمد على الحرب بالوكالة، عبر تمويل وتدريب الميليشيات المحلية، في منطقة الشرق الأوسط، تلك التجربة يمكن تكرارها بشكل جيد للغاية، على مستوى منطقة القوقاز.

وبما أنها تعُد نقطة الانطلاق لخط أنابيب النفط باكوتبليسيجيهان، فإن اذربيجان تعُد مفتاحًا بالنسبة لخطط الولايات المتحدة، التي ترمي إلى توقف أوروبا عن الاعتماد على صادرات النفط الروسية. والواقع أن القيام بهجمات برعاية إيرانية، على البنية التحتية للطاقة في أذربيجان، سواء استهدفت تلك الهجمات بحر قزوين، أو استهدفت خطوط أنابيب النفط والغاز، التي تمر عبر المناطق الغير مستقرة التي تقع جنوبي جورجيا، يمكن لها أن تفضح الخطط الأمريكية، فضلًا عن إنهاء انتفاع روسيا من تلك العملية، وفي جميع الأحوال، فإن روسيا وإيران تعارضان بشدة، الاستثمارات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في بحر قزوين، والتي تمثل تطويقًا لأراضي الدولتين.

والجدير بالذكر أن إيران هي الدولة الوحيدة التي لازالت متمسكة بعدم التصديق علىمعاهدة الوضع القانوني لبحر قزوين، والتي قامت بالتوقيع عليها العام الماضي الدول المطلة على بحر قزوين، من أجل ترسيم الحدود البحرية بين تلك الدول، وربما تُعتبر تلك هي استراتيجية طهران التي تعتمد على الإبقاء دومًا على الاقتصاد والأمن البحري الأذري معتمدًا على طهران، وسيحدث هذا طالما احتفظت أذربيجان بعلاقات جيدة مع تل أبيب.

وعلى مدار العامين الماضيين، قامت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية لأذربيجان بقيمة 100 مليون دولار، من أجل تدعيم الدفاعات البحرية للبلاد، ويبدو أن صناع السياسة في الولايات المتحدة، قد شرعوا في الاستعداد لهذا الاحتمال الضئيل، الذي يتمثل في تصاعد التوتر بين إيران وبين التحالف الأمريكيالإسرائيلي، واحتمال انتقال هذا التوتر إلى بحر قزوين ومنطقة القوقاز.

دنيانيش كامات هو محلل سياسي، متخصص في منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو أيضًا يقوم بتقديم استشارات للحكومات حول السياسات والمبادرات الاستراتيجية، من أجل الإسراع بتنمية الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.