مع المكاسب التي أحرزتها أذربيجان في ناجورنو- كاراباك، صار مُحتمًا على روسيا أن تتدخّل

نيل هاور

AFP photo: Dmitry Kostyukov

يريفان، أرمينيا – عقب التقدم المحدود الذي حققته القوات المسلحة الأذربيجانية في بداية الحرب؛ حيث سيطرت تلك القوات على المواقع الواقعة تحت سيطرة القوات الأرمينية جنوبي ناجورنو- كاراباك بحلول يوم 21 أكتوبر . ونتج عن تلك السيطرة الخاطفة على هذه المواقع أن باتت المنطقة بأكملها تقريبًا بامتداد الحدود مع إيران تحت السيطرة الأذربيجانية. ويوم 20 أكتوبر، نشرت وزارة الدفاع الأذربيجانية صورًا للقوات الأذربيجانية وهي ترفع العلم في مدينة زانجيلان – التي تبعد حوالي 70 كم عن خط الاتصال السابق كما تبعد 10 كم فقط عن الحدود الأرمينية. كانت هذه حربًا قاسية بالفعل، وإذا كان هناك أي فرصة للسلام عما قريب، فسيحتاج الأمر إلى زيادة دور الوساطة الذي تقوم به روسيا.

يتسم التقدم الأخير الذي أحرزته أذربيجان بالأهمية من المنظور الاستراتيجي. فعلى أي حال، تهدف أذربيجان إلى تطويق المناطق الأكثر صعوبة داخل أراضي كاراباك من خلال التقدُم شمالًا إلى ما بعد وادي نهر أجافنو باتجاه مدينة لاتشين الحدودية والطريق الرئيسي لإمدادات أرمينيا المتجه إلى كاراباك. وفي أفضل الأحوال، يفصل بين مواقع القوات الأذربيجانية ومدينة لاتشين مسافة 50 كم من الأراضي المُنبسطة في مُعظمها وتكاد تكون غير مأهولة بالسكان.

ترسم تلك التطورات صورة قاتمة للغاية لقدرة قوات كل من أرمينيا وكاراباك على الحفاظ على موقعهما. ففي حالة قطع الإمدادات والتعزيزات القادمة عبر لاتشين ستُصبح كاراباك مُحاصرة فعليًا. ومن المُمكن أن يُصبح الوضع الإنساني هناك في غاية السوء مع اقتراب فصل الشتاء. وقد يمتد القتال آنذاك إلى مناطق وسط كاراباك المأهولة بالسُكان، الأمر الذي يعني وقوع خسائر عسكرية شاملة لكلا الطرفين، فضلاً عن الاحتمالات شِبه المُؤكدة لوقوع انتهاكات ضد المدنيين. لذلك، فمن الضروري الحيلولة دون ذلك بأي وسيلة مُمكنة.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قد أشار بوضوح إلى أنه لن يقبل بأي تسوية لا ينتج عنها سيطرة بلاده الكاملة على كاراباك، ومن ثم فلا يوجد سبب وجيه للاعتقاد أن علييف سيوقف تقدم جيش بلاده دون وجود بعض الضغوط الخارجية عليه.

وتُعد روسيا هي الطرف الوحيد الذي لديه من المُقومات ما يؤهلها لإحباط مخططات أذربيجان، رغم التعاون الوثيق بين روسيا وتركيا، التي أسفر دعمها عن دعم الهجوم الحالي الذي تشنه باكو وتعزيزه. ومع ذلك، فحتى لو كان هناك احتمال للتوصل إلى اتفاق مقبول لكل من أرمينيا وأذربيجان لتسوية النزاع بين (الصديقين اللدودين)، فمن غير المرجح أن تتمكن أنقرة من إقناع علييف بالتوقف عن استغلال ميزة تفوقه.

ولتحقيق وقف القتال بصورة فعلية؛ تحتاج موسكو إلى التصميم على المضي قدمًا والتوصل إلى حل يتجاوز تلك المُبادرات الدبلوماسية عديمة الجدوى التي قدمّتها حتى الآن، وسيتعين عليها التلميح لأذربيجان بأنها لن تتغاضى عن أي تقدُّم للقوات الأذربيجانية، وقد ينطوي ذلك على عِدة أشكال، سواء كان ذلك بمباركة تركيا أو بدونها (رغم أن المُهمة ستُصبح أكثر بساطة إذا قررت تركيا الانضمام إلى روسيا).

بإمكان روسيا أن تنقل الأسلحة والمعدات من القاعدة 102 التي تقع في غيومري غربي أرمينيا، لتُصبح قريبة من الحدود مع كاراباك، وقد أشارت السلطات الأرمينية في إقليم سيونيك الجنوبي على السُكان بتسليح أنفسهم لمواجهة أي هجمات مُحتَملة للقوات الأذربيجانية عبر الحدود. وتشير التقارير إلى أن القوات الروسية بدأت بالفعل التمركُز بالقرب من تلك المنطقة، وهو تصرُّف من شأنه أن يُؤدي إلى ردع القوات الأذربيجانية عن اتخاذ مثل هذه الخطوة، رغم أنه قد لا يكون ذا تأثير كبير على وقف القتال في كاراباك نفسها، وهو الأمر الذي قد يستلزم اتخاذ موقف أكثر حزمًا.

من المُرجَّح أن تكون الأسلحة الجوية الروسية في أرمينيا خاصة الثمانية عشر طائرة من طراز ميج 29، بالإضافة إلى القاعدة الجوية 3624 التي تقع خارج يريفان قادرة على إسقاط الطائرات الأذربيجانية المُسيَّرَة من طراز بيرقدار تي بي 2. حيث أن تدمير بعض تلك الطائرات المُسيَّرَة ينطوي على إرسال رسالة قوية إلى باكو، مع قليل من المُخاطرة بتصعيد حِدة التوترات- فلن يُسفر إسقاط بعض الطائرات المُسيَّرة عن وقوع خسائر في الأرواح على الجانب الأذربيجاني، فضلاً عن أن القوات الأذربيجانية لن تتحلى بالعجرفة الكافية لُمحاولة الاشتباك مع الطائرات الروسية. ولذلك، يُعد إيصال رسالة واضحة، تنطوي على الخطوط الحمراء، إلى الحكومة الأذربيجانية قبل اتخاذ روسيا أي إجراء، بمثابة عنصر حاسم في تحجيم هذا الصراع.

ورغم ذلك، لايزال احتمال سعي القوات الأذربيجانية للتقدم إلى كاراباك قائمًا. وهنا يأتي دور الخيار الأخير، حيث تستطيع روسيا أن تنشر مراقبين تابعين لها في كاراباك، سواء كان ذلك بصورة مُنفردة من جانبها أو بعد عقد صفقة سرية مع تركيا. كان هذا التكتيك من أكثر الأساليب الروسية نجاحًا في سوريا على مدار سنوات، حيث انتشرت قوات الشرطة العسكرية الروسية في المناطق المُتوترة، وكان مجرد ظهور تلك القوات كفيل بوقف الصراع، فلن يرغب أحد في استهداف القوات الروسية والمُخاطرة برد فعل موسكو.

يجب أن تقترن جميع تلك العناصر بتقديم ضمانات واضحة لتركيا وأذربيجان بأن أرمينيا وكاراباك لن تقوما باستغلال هذا الوقت لإعادة تنظيم صفوفهما وتعزيز قواتهما، بل إنهما ستوقعان على خطة تُلزمهما بالتخلي عن المناطق المحيطة بكاراباك، مع إمكانية التباحث حول الوضع المُزدوج لمدينة شوشا أيضًا.

ويجب أن توقع الجهات الدولية الضامنة على مثل هذه الخطة لإضفاء مزيد من الشرعية عليها، وأخيرًا، ضرورة إعداد قوات دولية لحفظ السلام لمنع أي هجوم أذربيجاني جديد.

وخلال كتابة هذه السطور، وردت أنباء تشير إلى أن أرمينيا أسقطت ثاني طائرة مُسيّرة من طراز بيرقدار في غضون فترة قصيرة، مما يعني أن أرمينيا قد وجدت على الأرجح طريقة فعالة لمواجهة تلك الطائرات المُسيَّرَة (أو أن جهة ما زودتها بها)، ولكنها رغم ذلك طريقة أقل من المطلوب كما أنها جاءت بعد فوات الأوان.

ويجب على المجتمع الدولي، مدعومًا بالخطوات الروسية الملموسة على أرض الواقع، أن يشارك في الجهود المبذولة لوقف القتال والحيلولة دون وقوع العملية العسكرية الوحشية التي قد تقوم بها أذربيجان لاستعادة كاراباك. وعلى الرغم من أن القيادة الأرمينية والمجتمع الأرميني سيقبلان هذا الحل على مضض، ولكن بعد ذلك، سترضخ أذربيجان بدورها لنفس الحل. وعلى أي حال، فمنع سفك مزيد من الدماء والتهجير من الأمور التي تستحق العناء.

نيل هاور: محلل أمني يقيم حاليًا في العاصمة الأرمينية يريفان، حيث يقوم بمتابعة الحرب بين أرمينيا وأذربيجان كان يقيم مؤخرًا في ستيباناكيرت بإقليم ماغورني، كاراباك، ويستقر عادةً في مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، ويتركز عمله حول السياسة والأقليات والعنف في منطقة القوقاز إلى جانب قضايا أخرى.