ستخدم اتفاقية أوكوس أهداف إيران النووية وستُهدد السلام في الشرق الأوسط وجنوب آسيا

دنيانيش كامات

AFP photo: James Glossop

ستُلقي اتفاقية أوكوس المعلن عنها بين أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، بظلالها على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، على الرغم من تركيزها الظاهري على المحيطين الهندي والهادئ، وتولدت الاتفاقية بفضل المنافسة القطبية بين الولايات المتحدة والصين، وستوظف إيران تلك الاتفاقية لتعزيز أهدافها النووية. لأنه إذا كان بإمكان أستراليا امتلاك المزيد من الطاقة النووية، فيمكن لإيران امتلاك نفس الشيء، وعليه، من المقرر انطلاق سباق تسلح نووي جديد.

وتنص اتفاقية أوكوس على توفير ما لا يقل عن ثماني غواصات تعمل بالطاقة النووية لأستراليا والتي تعتمد على التكنولوجيا البريطانية والأمريكية، وتستغل تلك الاتفاقية ثغرة نادرا ما تُستخدم في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، حيث تسمح للدول غير الحائزة على الأسلحة النووية بتحويل المواد الانشطارية بعيدًا عن أعين مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، متى تم استخدامها لأغراض “سلمية”، مثل الدفع بواسطة الغواصات. ومعظم الدول التي تمتلك أسلحة نووية اليوم طورت قدراتها تحت ذريعة “الأغراض السلمية”، مثل توليد الكهرباء، والبحوث، ونعم، الدفع النووي.

وبالفعل شرعت إسرائيل، الذي يُعتقد امتلاكها أسلحة نووية، بأجراء “أبحاثاً” في مفاعلها النووي بالقرب من مدينة ديمونا.

وتبلغ الكمية النموذجية لليورانيوم عالي التخصيب اللازم لصنع سلاح نووي واحد مقدار 25 كيلوغراماً تقريباً، والكمية المحتمل تحويلها إلى أستراليا لغواصاتها سيكون ما بين 100 و200 ضعف ذلك الكم، ومن المذهل أن يخرج هذا الأمر عن نطاق مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتعطي اتفاقية أوكوس طهران وسيلة دعائية مفيدة لتبرير زيادة تخصيب اليورانيوم، وكان وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف قد انتقد بالفعل أمريكا وبريطانيا بسبب الاستثناء الممنوح لأستراليا، وهي مثل إيران من ضمن الدول الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقد بدأ أعضاء البرلمان الإيراني أيضًا في التشكيك في مصداقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب (عندما تستطيع) التزام طهران باتفاقية ضمانات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وخطة العمل الشاملة المشتركة، والمعروفة أيضًا باسم الاتفاق النووي الإيراني. وقد تنسحب إيران ببساطة من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بسبب النظام المتشدد الحالي، كما فعلت كوريا الشمالية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومثل إسرائيل (التي لا تعتبر من الدول الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية)، يمكن لإيران البقاء غامضة بشأن مسألة ما إذا كانت لديها أسلحة نووية أم لا.

وإذا حفزت اتفاقية أوكوس التوسع النووي الإيراني، فماذا سيكون الرد الإسرائيلي؟ وفي حين أن إسرائيل، التي وافقت على مضض على خطة إدارة “بايدن” لتطبيق استراتيجية متعددة الجوانب لمنع طهران من تطوير سلاح نووي، فقد تركت خيار الضربات العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية مفتوحًا. وأي هجوم إسرائيلي عسكري على المنشآت النووية الإيرانية سيكون له عواقب كارثية على المنطقة، حيث تقع بعض المنشآت النووية الإيرانية في الجنوب، بالقرب من مياه الخليج، وستؤثر الإشعاعات على كل دول المنطقة المجاورة لإيران، وفي المقابل، من المحتمل أن تخلق الميليشيات التي تعمل بالوكالة لإيران الفوضى والدمار في إسرائيل، والذي قد تعجز القبة الحديدية للدفاع الصاروخي الإسرائيلي عن ردعه.

وقد يستهدف وكلاء إيران المفاعلات النووية الإسرائيلية كردة فعل لأي هجوم على إيران، فقد سقط صاروخ أطلقته القوات السورية على غارة جوية إسرائيلية على بعد 30 كيلومترًا من المفاعل النووي في ديمونا هذا الصيف، كما وجهت طهران إنذارا لحلفاء أمريكا الخليجيين إذا صارت هدفا لهجمات إسرائيلية. وسيؤدي هذا إلى انهيار كل ما تبقى من الاتفاق النووي ويدمر أي فرصة ضئيلة لحدوث انفراج كبير، والذي ظهر عقب قمة الشرق الأوسط الأخيرة التي عقدت في بغداد وحضرتها جميع دول المنطقة تقريبًا. وقد بدا أن انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط للتركيز على آسيا من شأنه أن يجلب ما يشبه السلام إلى المنطقة، لكن مع اتفاقية أوكوس يبدو أن العكس هو الصحيح.

ويمكن لبكين عقد اتفاق مشابه لاتفاقية أوكوس مع باكستان في منطقة جنوب آسيا، ولديها بالفعل تعاون مكثف مع باكستان في المسائل النووية. وسيكون ذلك بمثابة رد من بكين لمواجهة الهند، التي حاولت واشنطن جاهدة، على مدى السنوات القليلة الماضية، إلحاقها بتحالف ضد الصين، وقد يؤثر ذلك على توازن القوة التقليدي بين باكستان والهند ويمكن أن يجبر نيودلهي على تغيير فلسفتها النووية.

وقد ألمح وزير الدفاع الهندي “راجناث سينغ” في العام الماضي، إلى أن الهند قد تُغير سياسة الضربة الأولى أو الاستخدام الأول للأسلحة النووية، وإذا حدث هذا، فقد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح نووي متجدد في جنوب آسيا، حتى أنه قد يجبر بكين على تغيير سياسة عدم الاستخدام الأول الخاصة بها، والذي بدوره سيفتح الباب على مصراعيه لتغيير موازين القوى الاستراتيجي لجميع الدول النووية.

ولطالما حاولت الهند حماية نفسها من الولايات المتحدة والصين، حيث أرسلت قواتها إلى مناورات زاباد العسكرية التي أجرتها روسيا مؤخرًا في بيلاروسيا، وهي عضو كامل العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، إلى جانب باكستان. ومع ذلك، إذا استجابت بكين لـ “اتفاقية أوكوس” بفعل مماثل من خلال دعم الجيش الباكستاني، فقد يجبر ذلك الهند على زيادة تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة.

ومثل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، تعد اتفاقية أوكوس جزءًا من تحركات السياسة الخارجية الصارمة والمفاجئة لإدارة “بايدن” حيث تحاول الولايات المتحدة لعب دور المنتصر الأخير في نهاية ما يُرجح أن تكون فترة طويلة من الاضطرابات الجيوسياسية، وعليه، على دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا توقع هبوب أعاصير ورياح عاتية.

دانيش كامات محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما أنه مستشار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للجهات الحكومية والقطاع الخاص.