مع تقليص واشنطن لقواتها في ألمانيا، يواجه ترامب مخاطر التآكل المطرد لمصداقية الولايات المتحدة الأمريكية ونفوذها

الين ليبسون

AFP Photo: Christof Stache

أعلنت إدارة ترامب عزمها على تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا من “34,000” إلى “25,000” جندي. ولم يكن القرار رسميًا أو نهائيًا بعد. ويبدو أن السبب في هذا القرار هو غضب “ترامب” من المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” لرفضها حضور قمة مجموعة السبع المزمع عقدها في الولايات المتحدة الأمريكية في يونيو/حزيران، والتي تم تأجيلها الآن. ويعكس هذا القرار توتراً طويل الأمد بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو” حول تقاسم الأعباء والإنفاق الدفاعي والحصول على منافع بدون مقابل.

ومهما كان القرار الناتج عن الإعلان، فهو جزء من قصة إستراتيجية أكبر حول الوجود العسكري الأمريكي في أماكن مهمة، وكيف لأي محاولة لتقليص هذا الوجود العسكري أو إعادة هيكلته أن يثير القلق السياسي والشكوك حول عزم الأمريكيين والتزامهم. وعندما يتم ذلك دون سابق إنذار أو استشارة، كما هو الحال هنا، فان هيبة الولايات المتحدة الأمريكية ونفوذها ومصداقيتها ستتأثر بذلك.

وحاول العديد من الرؤساء إعادة تقويم الوجود العسكري الأمريكي في الدول الحليفة والشريكة، في ظل تغير مفاهيم التهديد، وكما تتطلب ضغوط الميزانية. ومن الأمور المطروحة للنقاش منذ عقود هي مسألة إعادة الجنود في كوريا الجنوبية أو اليابان إلى بلدهم، وعادة ما يخرج هذا النقاش باتفاق ما، وبعض التعديل على من يدفع الثمن والخدمة المقدمة، وإعادة التأكيد على أهمية العلاقة الأمنية.

وفي أوروبا، في ذروة الحرب الباردة في ستينيات القرن الماضي، بلغ عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” “400,000” جندي. وتم تخفيض هذا العدد بمقدار الثلثين في أواخر التسعينيات، ليكون الآن حوالي “60,000” جندي في أربعة بلدان، ويتمركز أكثر من نصفهم في ألمانيا. ولم تعلن الولايات المتحدة الأمريكية عن وجود تلك القوات بشكل صريح، غير أنه تم إعادة تقييم وجودها على حدود دول الناتو بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، واستمرار التوترات حول نوايا الروس وعدوانهم. ومع ذلك، لا يوجد حديث عن التخطيط لحرب تقليدية مع روسيا، وبات الوجود العسكري اليوم يتعلق أكثر بالطمأنينة والمهام غير التقليدية، مثل مكافحة الإرهاب والتهديدات السيبرانية. وكثيراً ما يكون المسرح الأوروبي مركزاً حاسمًا للخدمات اللوجستية والرعاية الطبية للعمليات في العراق وأفغانستان.

وبالطبع، لا تُنبئ الأرقام عن قصة الشراكات الأمنية كاملة. وترفض بعض الدول وجود قوات اجنبية على اراضيها، وتفرض قيودًا صارمة على هذا الامر، وبعض الدول الأخرى تفرض قيودًا على وجود القوات الأمريكية على اراضيها. وتسمح بعض الاتفاقيات مع الدول المضيفة بزيادات مؤقتة في التدريبات المشتركة، أو إذا ظهر تهديد خطير. وفي وقت سابق من هذا العام، نشرت الولايات المتحدة الأمريكية “20,000” جندي إضافي على الأراضي الأوروبية لإجراء تدريبات ضخمة تستغرق شهورًا، وهي الأكبر خلال خمسة وعشرين عامًا.

وعلى الرغم من كل الحديث عن سحب القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، فقد أرسلت إدارة ترامب قوات إضافية إلى المنطقة مرات عدة، للقيام بعمليات على داعش أو إيران، وذلك في سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية. وفي الآونة الأخيرة، وبعد مقتل قائد الجيش الإيراني “قاسم سليماني” في كانون الثاني / يناير 2020 في هجوم بطائرة أميركية بدون طيار، نشرت الولايات المتحدة الأمريكية “3.500” جنديًا إضافيًا في العراق والكويت لحماية المنشآت والأفراد الأمريكيين من الغضب الشعبي الناتج عن الهجوم، أو من الانتقام الإيراني. وقال قائد القيادة المركزية، الجنرال “كينيث مكينزي”، للكونغرس هذا الربيع أن بعض القوات الإضافية في المنطقة ستبقى طالما أن “حملة الضغط الأقصى” على إيران سارية. وخارج المنطقة، تتناوب الوحدات الأخرى المنوط بها الدفاع عن القواعد الأمريكية أو منشآت النفط السعودية فيما بينها.

وللدول المضيفة رأيٌ في عدد القوات الأمريكية ومدة تمركزها في البلاد. وبينما شعر الأوروبيون بالقلق بعد الإعلان الجديد حول سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، فقد حدث العكس في العراق. واضطرت الحكومة العراقية إلى الاستجابة للرأي العام، واسترداد كبريائها المجروح بسبب الانتهاكات الأمريكية لسيادتها. وقد صوت البرلمان العراقي بالفعل على انسحاب جميع القوات الأمريكية من البلاد، ويجري الآن مناقشة الأمر عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية الثنائية.

إن الفوضى والاضطرابات التي تميز عملية صنع القرار في إدارة ترامب، وتضرب الآن عشرات المدن الأمريكية الكبرى بدرجة مأساوية، توضح بصورة أكبر تلك المشكلات المتعلقة بمستوى تمثيل القوات الأمريكية. والآن، بات رؤساء البلديات والمحافظين الأمريكيين في نفس الموقف الذي يشهده الحلفاء من الناتو الآسيويون، إذ يشعرون بالصدمة من التصريحات الأحادية والمفاجئة الصادرة من البيت الأبيض. وتستطيع الشخصيات السياسية الأمريكية على الأقل الاحتجاج بالدستور، ولديها الآن قادة عسكريون كبار يساعدون في كبح جماح الرئيس من أسوأ غرائزه بشأن استعراض القوة، وإساءة استخدام القوات المسلحة لأهدافه السياسية.

إن الخلاف الأخير حول القوات الأمريكية في ألمانيا ليس إلا واحدًا من الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى لنهج ترامب المتعجرف، وانعدام خبرته بمسألة الأمن القومي. ويبين هذا الخلاف استخفافه بزملائه القادة، وغياب التفكير الدقيق في الآثار الثانوية لقرارات القيادة الغريبة، وتجاهل البروتوكولات القائمة الخاصة بالتشاور مع الحلفاء، والفشل في صياغة الهدف الحقيقي من التحالفات والشراكات الأمنية. ومن الصعوبة بمكان استدراك التآكل المطرد لمصداقية الولايات المتحدة الأمريكية ونفوذها، والإيمان بالكفاءة الأمريكية، حتى لو جعل الناخبون الأمريكيون ترامب رئيسًا لفترة واحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر.

 

إلين لايبسون، نائب سابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية، وتشغل الآن منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، وهي رئيس سابق ومدير تنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبل هذه الفترة، قضت “لايبسون” ربع قرن في العمل لدى الحكومة.