تركيا: الانتخابات على الأبواب ولكن نزعة أردوغان الوطنية العدوانية ستحجب المشاكل الاقتصادية

عمر تاسبينار

إن قرار الرئيس رجب طيب أردوغان بالدعوة لعقد انتخابات مبكرة في 24 يونيو يعكس شعوره بالاستعجال الذي قد يصل إلى حد الذعر، والسبب بسيط ويكمن في أن الاقتصاد التركي على شفا حفرة من الوقوع في أزمة عملة. ولطالما كانت الوصفة السحرية لتفوق أردوغان في المجال السياسي هي الأداء الاقتصادي القوي المصحوب بالنزعة القومية. وفي غياب المكون الأول، سيتعين على أردوغان الاعتماد على المكون الثاني بشكل متزايد، أما الضحية فستكون من جديد هي العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والديمقراطية التركية، أو ما تبقى منها، ومشكل الأكراد الذي ما فتئ يزداد سوءاً.

ونظراً للوضعية المالية المتدهورة في تركيا، لم يكن هناك مفر من الانتخابات المبكرة. فقد عرفت الليرة التركية انخفاضاً بأكثر من 25 بالمائة خلال الأشهر الثمانية الماضية، وسجل التضخم رقماً قياسياً وصل إلى 13 بالمائة، كما تسبب سوء تسيير السياسة النقدية في قيام وكالات التصنيف بخفض تصنيف الديون السيادية التركية إلى مرتبة أقل ضمن فئة الديون العالية المخاطر. ويعتبر الاقتصاد التركي في حاجة ماسة لتشديد السياسة النقدية وتطبيق إصلاحات هيكلية، فقد أدى الإنفاق العام الشعبوي الذي اتبعه أردوغان إلى فورة في الاقتصاد، حيث يرجع استمرار نمو البلاد بمعدلات عالية أساساً إلى التمويل الحكومي المكثف والدين المتزايد لا غير. ونتيجة لهذا، فإن تركيا، مقارنةً بسائر الأسواق الناشئة، تعاني من أعلى عجز في الحساب الجاري وأعلى معدل تضخم وأكثر العملات هشاشة. ومن الواضح أن هذا الوضع غير قابل للاستمرار.

إن الطريقة الوحيدة لتجاوز هذه الوضعية الاقتصادية المنذرة بالأزمة هي رفع معدلات الفائدة وخفض الإنفاق. لكن أردوغان لا يرغب في القيام بذلك، فمنذ وصوله إلى كرسي السلطة في 2002، لطالما كان أداؤه الانتخابي معتمداً على الاقتصاد القوي وثقة المستهلك اللذين كانا نتيجة لمشاريع القطاع العام والخدمات السوسيو-اقتصادية وانتعاش قطاع البناء بفضل معدلات الفائدة المنخفضة. ومع تحسن مستوى المعيشة في تركيا، ازدادت حظوظ أردوغان الانتخابية. ولا يتوجب عليك أن تكون ماركسياً متشبعاً بالحتمية الاقتصادية حتى تقول إن الأتراك، كغيرهم من البشر، يمنحون أصواتهم بناء على قضايا تهم توفير لقمة العيش. وكما قالها أمريكي شهير يوماً: إنه الاقتصاد، يا أبله!

إن أردوغان رجل محظوظ؛ فقد استفادت استراتيجيته الاقتصادية القائمة على الإنفاق العالي والاقتراض خلال السنوات الـ15 الماضية من سيولة عالمية مواتية. لكن الموازين قد انقلبت الآن، حيث إن الديناميات المالية الخارجية تتحول من التوسع النقدي نحو التشديد. ومع إظهار كل من أوروبا والولايات المتحدة لإشارات قوية على التعافي الاقتصادي، أشار كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي إلى استعدادهما لرفع معدلات الفائدة. وفي غياب الأموال السهلة والسيولة العالمية، فقد افتُضح أمر الضعف الاقتصادي الذي تعاني منه تركيا. وفي ظل انخفاض تدفقات الرأسمال المصحوب بانعدام الاستقرار الداخلي المتزايد والتهديدات الجيو-سياسية الإقليمية، بالإضافة إلى سوء التسيير الاقتصادي كلها عوامل أدت إلى تقلص مستمر في ثقة المستهلك وارتفاع معدل التضخم وتزايد العجز.

هذا هو السياق الاقتصادي الذي دفع أردوغان إلى إجراء انتخابات “عاجلة” في 24 يونيو، أي قبل سنة ونصف تقريباً من الموعد المقرر لها في نوفمبر 2019. فقد فهم أردوغان بشكل صحيح أن الوقت ليس حليفه وبأن الانتظار إلى أواخر السنة المقبلة سيعني التوجه إلى صناديق الاقتراع في خضم انهيار مالي. لكن حتى الآن، ما يزال الفوز في الانتخابات أمراً غير مؤكد. فبالنظر إلى ضعف الاقتصاد واحتمال توحيد المعارضة صفوفها ضده، سيتعين على أردوغان الاعتماد على البعد الثاني في وصفته السحرية الناجحة، ألا وهي القومية الشعبوية. ومن الواضح أن أردوغان يسعى إلى الاستفادة من مشاعر القومية التي بلغت ذروتها بعد التوغل العسكري التركي في جيب عفرين الكردي شمالي سوريا. وتشير بعض استطلاعات الرأي العام إلى أن حكم “حزب العدالة والتنمية” قد عزز موقعه بأربع نقاط منذ انطلاق عملية التوغل، فلا شيء يحفز القومية التركية أكثر من محاربة الحركة الانفصالية الكردية. هذا وتفيد معظم استطلاعات الرأي بأنه عندما تستهدف عملية عبر الحدود “حزب العمال الكردستاني”، وهي حركة كردية قومية تقاتل من أجل الحصول على الحكم الذاتي، فإن تأييد الشعب التركي لا يقل عن 80 في المائة. وبالطبع فإن أردوغان و”حزب العدالة والتنمية” على وعي تام بهذا الأمر، لذلك من المرجح أن تواصل أنقرة مثل هذه العمليات ضد “حزب العمال الكردستاني” في الأسابيع المقبلة.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، مكنت العلاقات التركية المتدهورة مع اليونان أردوغان من الحصول على مصدر إضافي لاستغلال وتعبئة النزعة القومية. ففي 27 مارس الماضي، رفضت محكمة تركية الإفراج عن جنديين يونانيين بكفالة بعد أن عبرا الحدود مع تركيا. وقد اتهمت أنقرة الجنديين بالتجسس، بالرغم من أنهما قالا إنهما ضلاَّ سبيلهما ودخلا الأراضي التركية عن طريق الخطأ بسبب الثلوج والضباب، في حين اتهم وزير الخارجية اليوناني أردوغان بأنه يتصرف كالسلطان من خلال احتجاز الجنديين كأسيرين. والحال أن أنقرة تحمل ضغينة تجاه أثينا، إذ إن أردوغان غاضب من اليونان لعدم تسليمها لثمانية جنود أقدموا على الفرار عبر بحر إيجه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 2016.

زد على هذه الديناميات المتأزمة، النزاعات الطويلة الأمد بين تركيا واليونان حول المجال الجوي والحدود البحرية والجزر غير المأهولة في بحر إيجه، وكذا أحدث الصراعات حول اكتشاف احتياطات من الغاز الطبيعي في شرقي البحر الأبيض المتوسط بالقرب من قبرص، وستتوفر لديك عوامل كافية تنذر بموسم انتخابي يغلب عليه طابع القومية في هذا الصيف. ولنفترض أن الانتخابات ستكون حرة ونزيهة – وهو افتراض غير مرجح نظراً لسريان قانون الطوارئ، ووجود قيود على حرية التعبير والتجمع، وغياب وسائل إعلام مستقلة –سيكون أردوغان في حاجة إلى كل الدعم الذي يمكنه الحصول عليه من القوميين. ففي ظل الركود الاقتصادي، سيبذل أردوغان قصارى جهده لإلهاء الناخبين عن المشاكل الداخلية.

AFP PHOTO/YASIN AKGUL