بعد قراريّ ترامب بوقف الهجرة ووقف تمويل منظمة الصحة العالمية، التجارة الحرة باتت من الماضي

كريستيان لامير

AFP photo: Mario Tama

جاء إعلان دونالد ترامب عن “وقف الهجرة” للولايات المتحدة من أجل “حماية الوظائف”، إلى جانب قرار الإدارة الأمريكية الذي سبقه بتجميد التمويل المقدم لمنظمة الصحة العالمية بمثابة تصرف سياسي غير عادي في ظل الوباء الذي يجتاح العالم، وكلا القرارين يعكسان الأولويات المتجذرة طويلة الأمد لتلك الإدراة، وهذا الأمر سيكون له في المستقبل تداعيات هائلة تطال النظام العالمي والتجارة الدولية.

وعلى وجه الخصوص، فان قرار وقف الهجرة يعد قراراً مؤقتًا؛ وعلى الرغم من أنه لافت للنظر أكثر من مسألتيّ الاستثناءات والإعفاءات، إلا أنه يؤكد على أحد الدوافع الرئيسية لإدارة ترامب منذ أتت إلى الحكم. وقد انتُخِب ترامب في ظل حالة من المشاعر القومية – لذا فإن الضرر حينها كان ينحصر في المخاوف من صعود الفاشية الجديدة على مستوى الولايات المتحدة، وتلك القومية تتناقض مع “العولمة” التي تشجع على التجارة الحرة والمنظمات فوق الوطنية والتعاون العابر للحدود،

وما يثير القلق لدى تلك الطائفة القومية على وجه الخصوص هي منظمة الأمم المتحدة، تلك المنظمة الفوق وطنية التي لا تخضع للمساءلة، والتي تظهر على أنها قوية للغاية لكنها غير فعالة طالما كانت هدفًا لليمين الأمريكي، ومن ثم فإن منظمة الصحة العالمية باعتبارها وكالة تابعة للأمم المتحدة فقد باتت عُرضة للهجوم، وقرار ترامب بتعليق تمويل تلك المنظمة من غير المرجح أن يؤثر بالسلب على شعبيته في أوساط القاعدة المؤيدة له.

ومن ناحية أخرى فإن تلك الخطوة ستؤدي إلى إضعاف مشاركة الولايات المتحدة في المنظمات متعددة الأطراف خلال أزمة الوباء التي من المفترض أنها تستلزم تعاونًا دوليًا، وربما تدفع تلك الخطوة بمنظمة الصحة العالمية إلى التعاطف مع وجهات نظر الصين، خاصة إذا ما اختارت بيكين سد هذا الفراغ عبر تقديم التمويل والدعم.

واليوم فإن هذا الموقف الانعزالي يتخطى مجرد الاعتراض على منظمة الأمم المتحدة، بل أن هذا الأمر يطال جميع أشكال التعاون متعدد الأطراف، ولم يكن من قبيل الصدفة أن تتمثّل إحدى أولى الخطوات التي قامت بها إدارة ترامب في الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي الاتفاقية التي تضم الدول المطلة على المحيط الهادئ، وتلك الخطوة تبعتها خطوات: الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ وإنهاء مشاركة الولايات المتحدة في الاتفاقية متعددة الأطراف الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، ثم هناك بالطبع الإجراءات الخاصة أو غير الخاصة بالتعريفة الجمركية التي جاءت بهدف تعطيل التجارة الحرة (حتى ولو كانت تلك الإجراءات ترمي إلى جذب الدول الأخرى للتوقيع على اتفاقيات تجارية جديدة كنتيجة لهذا الوضع).

ومع بدء أزمة فيروس كورونا (كوفيد-19)، بدأت الأصوات التي تمثل القاعدة المؤيدة لترامب، والتي تطالب بمزيد من إجراءات العزلة، في الشعور بأنهم على حق، واللغة التي عادة ما تُستخدم في وصف الفيروس – عدو خفي أتى من وراء البحار – تقترن بمفهوم مؤداه أن الطريق الأمثل للتعامل مع الوباء هو إغلاق حدود الولايات المتحدة، أما قرار وقف استقبال المهاجرين إذا ما تم تمريره سيكون متوافقًا مع موقف الرئيس الذي أعلن عنه منذ بداية تولي إدارته للمسؤولية. الولايات المتحدة ستكون أفضل حالًا وأكثر أمنًا اذا ما انعزلت على نفسها.

وما يزيد من حالة القلق هو حقيقة أن تلك الآراء لم تعُد مقتصرة على الإدارة الأمريكية وداعميها، وهناك دعم هائل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمسألة تقليل الاعتماد على الموردين من خارج البلاد خاصة الصين فيما يخص المواد التي تتمتع بقيمة استراتيجية، وحقيقة أن الرئيس أصدر أمرًا تنفيذيًا في مارس يخوله إجبار الشركات على صناعة المكونات الرئيسية لمعدات الحماية الشخصية يعُد قرارًا مفيدًا لواشنطن، وهناك دول أخرى أيضًا استفادت من هذا الأمر في إطار محاولات تنويع أو تأميم خطوط الإمداد – حيث قامت اليابان بالإعلان عن مشروع لتحفيز الميزانية يقضي بتقديم ملياري دولار لأصحاب المصانع الذين يريدون نقل تلك المصانع مجددًا لليابان.

وحتى المجالات السياسية التي يبدو أنها شهدت بعض التقدم تجاه المزيد من حرية التجارة والتعاون متعدد الأطراف، فقد شهدت الآن حالة من الجمود. والحرب التجارية الصينية – الأمريكية والتي بدا في شهر يناير أنها توقفت بعد توقيع اتفاق تنفيذ المرحلة الأولى، بات من المرجح الآن أن تتحول إلى عملية انتقامية، أما فرص التقدم في المرحلة الثانية فقد وصفها لي أحد المسؤلين الأمريكيين السابقين بأنها “هي والعدم سواء” وبدا أن واشنطن تتجه نحو المواجهة بدلًا من التعاون.

ومن ثم فإن الفيروس الذي شجعت العولمة على انتشاره ربما يؤدي إلى الحد بشكل كبير من تلك العولمة، وعلى أي حال فإن ما يدعو للسخرية هو أنه عقب انتشار الفيروس؛ وبينما تترنح الاقتصادات بسبب الأزمة التي لم يشهدها العالم منذ الكساد الكبير من 90 عامًا؛ فإن الحل يكمن في زيادة حجم التبادل التجاري وليس تخفيض مستواه. وقد أثبت التاريخ أن المرونة والتنوع والاقتصادات المفتوحة تعُد من أفضل الأساليب لعلاج الأزمات، وبحيث أدت التجارة إلى تعزيز النمو الاقتصادي منذ حلول النصف الثاني من القرن العشرين.

ومن أجل دعم مسألة التعافي على مستوى العالم وتعزيز النظام العالمي في ظل انتشار الوباء؛ فإن العودة إلى الصفقات التجارية والتعاون متعدد الأطراف سيكون أمرًا مفيدًا، وهذا التغيير في التوجه بات غير مرجحًا في ظل وجود الرئيس الأمريكي الحالي، وحتى لو كان هناك تغييرًا من الممكن أن تأتي به الانتخابات القادمة نهاية العام الحالي؛ فإن هناك توجهًا قويًا متناميًا داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي من أجل تقييد حركة التجارة مع الصين، مما سيجعل هناك قيودًا على الشخص الجالس في البيت الأبيض.

كريستيان لو ميير هو مؤسِس Arcipel، وهي مؤسسة للاستشارات الاستراتيجية لها مقرين في لندن ولاهاي، وسابقًا شغل منصب كبير المستشارين في مؤسسة مستقلة بأبو ظبي، وشغل منصب كبير الأساتذة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن @c_lemiere