بزوغ شمس الطاقة الشمسية، مع أفول نجم البترول،.

جوناثان جرونال

AFP Photo: Fayez Nureldine

مع وجودنقص واضح بخصوص التفاصيل المالية الحاسمة، لذا صارت الدعوة لإقامة علاقات استثمارية في العالم أمرًا غير تقليدي بالمرة. غير أنه في الأسبوع الماضي عرضت أكبر دول العالم إنتاجا للبترول لمحة خاطفة لما وراء حجاب السرية الذي يخفي أنشطتها عادةً، ويُمكن أن تكون قد رفعت الستار عن المشهد الأخير من عصر الوقود الأحفوري.

منذ ثلاث سنوات أعلنتشركة أرامكو السعودية لأول مرة عن أنها تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام. ومنذ ذلك الحين، وتلك الخطة ما بين تعطيل وتفعيل لعدة مرات، غير أنه يبدو الآن أن الخطة في طريقها إلى أن تفعل مرة أخرى. وإذا طرحت أسهم شركة أرامكو بالأسواق – وفقًا لاقتراح وزير الطاقة السعودي خالد الفالح- خلال العام والنصف القادمين ، فمن المُتوقع أن تكون أكبر إطلاق لسوق الأوراق المالية على الإطلاق. .

تعود ملكية هذه الشركة العملاقة بالكامل للحكومة السعودية. وقد حققت عام 2018 صافي أرباح قُدِر بحوالي 111.1 مليار دولار أمريكي وهو تقريباً ضعف ما حققته شركة آبل الأمريكية مما جعلها أكثر شركات العالم، التي تُتداول أسهمها علنا،جنياً للأرباح والتي تضاءلت أمامها أرباح كُبرى شركات النفط في العالم. في الثاني عشر من أغسطس كشفت الشركة عن أن دخلها قد انخفض بنسبة 12 بالمائة ليبلغ 47 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2019. ،ويعزو هذا الانخفاض إلى انخفاض سعر النفط الخام، ، ورغم ذلك تظل شركة أرامكو ببساطة هي الشركة الأكثر تحقيقًا للأرباح في العالم. .

،فلماذا إذًا تسعى المملكة العربية السعودية لأن تعرض على الغرباء مشاركتها في جزء صغير من هذا العمل المربح ؟

أكثر التفسيرات منطقية هو أنه بعد مرور 68 عاماً من توقيع السعودية اتفاقية امتياز مع شركة نفط أمريكية والتي أدت إلى إنشاء شركة الزيت العربية الأمريكية وبعد مرور 39 عاماً على زيادة حصة الحكومة بشركة أرامكو إلى 100 بالمائة، صارت تُدرك أن نهاية عصر الوقود الأحفوري تلوح في الأفق.

بشكل ما تعتبر تلك أخبارًا رائعة بالنسبة لكوكب يجابه ضررًا لا يمكن إصلاحه نتيجة استهلاك الوقود الأحفوري. يعتقد المحللون أن المملكة العربية السعودية والتي تعد أكبر منتج للزيت الخام في العالم سوف تستخدم المليارات، إن لم تكن التريليونات الناتجة عن إطلاق سوق الأوراق الماليةكجزء من تمويل خططها الطموحة لتخليص البلاد من الاعتماد على البترول وتطوير قطاع متميز لمجال الطاقة المتجددة.

ورغم ذلك، يُشير إطلاق سوق الأوراق المالية المُخطط له إلى أنه من المرجح ألَّا يظل البترول السعودي حبيس باطن الأرض.. ويظل تحديد كمية البترول الذي تملكه المملكة العربية السعودية أمرًا غير مؤكد.. إلا أنه في شهر يناير وفي ظل تحرك الشركة خطوة تجاه تعزيز مستوى الشفافية قبل طرح الأسهم أصدرت شركة أرامكو تفاصيل أول مراجعة مستقلة لحسابات احتياطي النفط في البلاد. .وأكدت أن وجود 263.1 مليار برميل نفط غير مستغل بنهاية عام 2017 يؤهل المملكة العربية السعودية لأن تمتلكأكبر احتياطي في العالم من النفط الخام.وفي السياق ذاته فقد صُمِم إصدار الشركة الأول لسندات الاكتتاب الدولية بأعداد هائلة بعد ثلاثة أشهر والتي جمعت 12 مليار دولار أمريكي لجس نبض السوق ولتمهيد الطريق أمام إطلاق سوق الأوراق المالية..

وقد تحقق الهدف بالفعل، وأصبح المستثمرون العالميون متحمسين للمضي قدمًا وفي نهاية المطاف سيلاقي الموضوع اهتمامًا بالغًاعند طرح الأسهم للبيع..

لا يمكن بحال من الأحوال القول بأن أحداً من هؤلاء المستثمرين المحتملين لا يُدرك الضغوط البيئية المتنامية على البترول والنمو المتزامن في الفائدة والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة و اللذان من شأنهما الحد من التوقعات طويلة المدى لشركة أرامكو.. غير أنهم في الوقت ذاته يدركون تمام الإدراك أن بإمكانهم حصد ثروة على المدى القصير من الغاز والبترول وسيصرون وبلا رحمة على حصد كل سنت ممكن يمكن أن يحصدوه من كل قطرة زيت قبل إسدال الستار على عصر الوقود الأحفوري.

وبغض النظر عما سبق،. فإننا نعاصر لحظة محورية في تحول العالم من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى مصادر بديلة للطاقة. ويشير ذلك إلى إدراك المملكة العربية السعودية أن البترول في طريقه للانتهاء وأنه من الأفضل أن تجني ثروة طائلة جراء بيع ذلك الأصل الآن بدلاً من انتظار تناقص الدخل باطراد حتي تغدو الأسهم بلا أي قيمة في نهاية الأمر. ومن المُرجح أن يحفز ذلك التفكير الاستراتيجي بين الدول المجاورة للمملكة العربية السعودية والمنتجة للبترول والتي ربما تسرع من جهودها لأجل مضاعفة أرباحها لأقصي حد ممكن والتقليل من اعتمادها على البترول بشكل متزامن وذلك لتطوير قطاعات هامة لمصادر الطاقة المتجددة.

كما انشغلت المملكة العربية السعودية بإقامة شبكة من خطوط الأنابيب العابرة للحدود العربية والمصممة لتجاوز نقطة الاختناق المزعجة بمضيق هرمز ونقل النفط من الحقول الشرقية عبر موانئ البحر الأحمر. هذا إلى جانب الاستثمارات في القدرة على تكرير البترول – والتي تعد بمثابة نقطة ضعف شركة أرامكو الهيكلية مقارنة بشركات النفط العالمية – هي أمور من شأنها أن تجعل عملية إطلاق سوق الأوراق المالية أكثر جاذبية للمستثمرين. كذلك ليس من قبيل الصدفة أن تدعو المملكة العربية السعودية لتقديم عطاءات لسلسلة من مشروعات الطاقة الشمسية العملاقة حيث بدأت في زيادة التزامها بأهداف الطاقة المتجددة المحددة وفقاً لخطة رؤية البلاد لعام 2030. وعلى الرغم من انخفاض سعر الطاقة الشمسية، يظل الهيكل الأساسي لها باهظ التكاليف و يحتاج لاستثمارات ضخمة يمكن تمويلها بسهولة عن طريق إطلاق سوق الأوراق المالية..وتُعد الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية تطوي صفحة البترول قبل الأوان أمرًا من قبيل المبالغة؛ ، حيث ستستمر أرباح تلك الهبة في التدفق إلى خزائن الدولة لأعوام عديدة قادمة، ولكن تشير حقيقة الأمر إلى أن المملكة تقلل من اعتمادها على تلك السلعة بشكل عام وتسعد بمشاركة الجزء الباقي من أرباحها على المدي القصير مع مستثمرين خارجيين إلى إدراك المملكة لنهاية هذه الحقبة التي باتت تلوح في الأفق..ويُشير هذا التطور التاريخي إلى سيناريو آخر يدعو إلى التفاؤل وعلى ذات الدرجة من الأهمية. فبالنسبة لمنطقة تغمرها الشمس كلها، لم يُعد التحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجدد مجرد ضرورة حتمية بل صار أمرًا مرحباً به بكل حفاوة كونه منجم الذهب القادم. وبخصوص حواجز التعريفة الجمركية الحمائية التي أعاقت الانتشار الواسع للطاقة المتجددة حول العالم فإنها ستقع بنهاية المطاف تحت وطأة عدم معقوليتها التي لا يمكن تبريرها، في ظل الانخفاض المستمر لتكلفة الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى مع التطور التكنولوجي. . فعلى سبيل المثال، كشفت دراسة أجرتها مجلة نيتشر هذا الشهر عن أن هنالك 344 مدينة صينية تنتج كهرباء غير مدعومة ناتجة عن الطاقة الشمسية بنفس سعر مماثل الكهرباء التي تنتج بالطرق التقليدية، وربما أقل..وبناءًً عليه،، يجب أن تكون ردة فعل الدول الغنية بالبترول مبتكرة. حيث يجب توجيه أقصى جهد ممكن الآن لتطوير أحدث التقنيات اللازمة لضمان أن الطاقة الشمسية لن تقتصر على العمل بكفاءة داخل المنازل فقط بل سيمكن تخزينها وتوزيعها وتصديرها بنفس القدر من الكفاءة التي اتسم بها للبترول.. سيكون هذا المشروع عملاقاً وشاقاً ويتطلب استثمارات ضخمة وطفرات تكنولوجية إلا أنه يستحق هذا العناء وأكثر. فمثلما حظت دول الخليج بالبترول من قبل، فهي تتمتع أيضاً بالشمس الساطعة، التي تُعد أحد الأصول الطبيعية والمتجددة دومًا، والتي يمكن أن تشكل سلعة أبدية عند استثمارها ببراعة بالإضافة إلى إنقاذها كوكب الأرض كجزء من الصفقة.. جوناثان جورنال صحفي بريطاني، عمل سابقا بجريدة التايمز، كما عاش وعمل بالشرق الأوسط وهو الآن مقيم بالمملكة المتحدة.

 

جوناثان جورنال” صحفي بريطاني سابق بجريدة “التايمز”، عاش وعمِل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو مستقر” حاليًا بالمملكة المتحدة.