بينما تستعد إسرائيل للانتخابات، يعتقد شعبها أن الوضع الراهن على ما يرام

جوزيف دانا

تشهد الساحة السياسية في إسرائيل تحولاً كاملاً تجاه أحزاب اليمين وذلك مع اقتراب موعد الانتخابات في أبريل. وفي ظل سعي أحزاب اليسار للحفاظ على أهميتها، نجد أن أغلبية الشعب يؤيد رؤية أحزاب اليمين. ومن ثم، وبدلاً من مناصرةالسلام الدائم مع الفلسطينيين (أو ضم الضفة الغربية بأكملها)، نجد أن الساسة البارزين يعدون بما هو أكثر من ذلك. والسبب في هذا بسيط، وهو أن الوضع الراهن هو بالتحديد ما يتمناه العديد من الإسرائيليين لوطنهم، كما أنه الحل المفضل للصراع مع الفلسطينيين، فضلاً عن أن المستقبل قد بدا لهم، وعلى قناعة بأنه مستقبل جيد، غير أنهم غير مستعدين للاعتراف بذلك علانية.

ومن الواضح كم هي الأمور جيدة بالنسبة لإسرائيل في الوقت الحالي، فالقيادة الفلسطينية تعيش حالة من الفوضى العارمة، ويبدو أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يفتقر إلى الأفكار والخيارات التي تعيد إحساس الانتماء إلى المجتمع، والإيمان بأهمية دولة فلسطين. وهناك حماس، التي تسيطر على قطاع غزة المحاصر، وتفتقر إلى المال والحلفاء. وتكشف الطبيعة المجزأة والمنقسمة للسياسة الفلسطينية اليوم عن مدى كفاءة إسرائيل في استخدامها للتكتيك التقليدي المتمثل في فرق تسد – والمعنى حرفيًا هو فصل الضفة الغربية وغزة، ويكون الفصل مجازيًا. فمنذ بداية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، استغلت إسرائيل انقسام الشعب الفلسطيني على نفسه لصالحها.

وبعد ذلك، أخذت المستوطنات الإسرائيلية في الازدهار، حيث تظهر آخر الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية الإسرائيلية أن ثمة زيادة قدرها 3,3% في عدد المستوطنين في الضفة الغربية في العام الماضي. ويقترب العدد الحالي للمستوطنين من “500,000” مستوطن، وليس هناك أي إشارة على انخفاض وشيك في هذا العدد، فضلاً عن الاستمرار في بناء مستوطنات جديدة دون هوادة.

وتستفيد إسرائيل أيضًا من حليفها في البيت الأبيض، فها هي إدارة ترامب تلبي كل رغبات إسرائيل. فمن خلال نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، بعث دونالد ترامب برسالة واضحة مفادها أن إسرائيل صاحبة القرار في إدارة نزاعها مع الفلسطينيين.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لم تكن البلاد تأمل في أفضل من تلك التطورات، فها هي تل أبيب تدير احتلالها المربح اقتصاديًا على الضفة الغربية، مع ضمان عدم وجود أي أثر للمقاومة الفلسطينية. وتدعم الولايات المتحدة كل ما تراه إسرائيل ضروريًا للحفاظ على موقفها.

وما يجعل الأمور أكثر ملاءمة لتل أبيب، هو أن علاقات إسرائيل مع الدول العربية الكبرى لم تكن أبدًا على ما يرام. وفي ظل انعدام الثقة المتبادل مع إيران، وتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، وجدت إسرائيل أن ثمة قضية مشتركة بينها وبين الحكومات العربية السنية. ورغم أنه من المعتاد الإبقاء على سرية تلك العلاقات، فإنها خرجت الآن إلى العلن.وفي الوقت الذي يتحدث فيه القادة الإسرائيليون عن أفكار غامضة عن السلام، فإن الإسرائيليين العاديين يراقبون الوضع ويرون أن ثمة احتلال يمكن إدارته بسهولة، واقتصاد مزدهر، وإسرائيل تزداد نفوذًا لدى المجتمع الدولي، وهذا هو السلام الذي يريده الإسرائيليون.وبالطبع، لا يمكن لإسرائيل أن تضمن هذا الوضع الراهن، وليس مستبعدًا ألا يتمكن الفلسطينيون من كسر الحواجز التي تفصلهم عن بعضهم بعضًا، والإعداد لمرحلة أخرى من المقاومة. ومع ذلك، من المرجح أن تظل أمد تلك الأيام بعيدًا. وفي غضون ذلك، سيبذل القادة الإسرائيليون قصارى جهدهم لحماية الوضع الراهن وترسيخه أكثر.إن مناخ التهديد الذي تعتمد عليه إسرائيل يعد دليلا على جدوى الفكر الذي تنتهجه إسرائيل، إذ يتطلب نهج القومية العدوانية التي تتبعه إسرائيل لتبرير تصرفاتها التي أدت إلى الوضع الراهن إلى وجود تهديد وجودي دائم. وعلى مر السنين، تحول هذا التهديد من الخوف من أن يجبر العالم العربي الإسرائيليين على التحرك باتجاه البحر، إلى الخوف من صعود الإرهاب الفلسطيني. ولكن ولأن فرصة حدوث أي من الأمرين أصبحت الآن تحت السيطرة بشكل أو بآخر، فقد تحول مفهوم التهديد إلى الخوف من مقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي. ومع ذلك، ورغم أن الحكومة الإسرائيلية قد تكون غير راضية عن الناشطين الداعين إلى المقاطعة، إلا أن الحقيقة هي أن الحركة ما زالت بعيدة عن إلحاق ضرر حقيقي بالاقتصاد. إن المجتمع الدولي لا يولي اهتمامًا كافيًا بالفلسطينيين أو الصراع ككل حتى يهتم بإعطاء حركة المقاطعة الدفعة اللازمة لواجهة الوضع الراهن.والوضع في إسرائيل اليوم هو بالتحديد ما يريده الشعب الإسرائيلي – في الوقت الحالي على الأقل. وفي مجتمعٍ ديمقراطي مثل المجتمع الإسرائيلي، ستكون هناك مناقشات داخل أحزاب المعارضة حول كيفية الرد على الائتلاف الحكومي لبنيامين نتنياهو في مثل هذه البيئة. ورغم ذلك، فإن أصعب الأوقات التي يمكن أن تمر بها أحزاب المعارضة هو ذلك الوقت الذي تفتح فيه الانتخابات أبوابها في ابريل القادم، وعندما يبدأ الناخبون بالاعتراف بأن الوضع الراهن على ما يرام.

AFP PHOTO/JACK GUEZ