بداية عملية التلقيح ضد فيروس كورونا تتطلب ضرورة تجنُّب الانقطاعات في سلسلة التوريد

دنيانيش كامات

AFP Photo: Sajjad Hussain

يكمن التهديد الرئيسي الذي يجب أن يستحوذ على تركيز المسؤولين الحكوميين الآن في الانقطاعات التي قد تُصيب توريد لقاحات فيروس كورونا (كوفيد-19) وتوزيعها. وقد تُمثل أيٌ من الدول المثيرة للمتاعب أو الإرهابيين أو العصابات الإجرامية مصدرًا لتلك الانقطاعات.

سيعتمد شِراء تلك اللقاحات على عملية تنسيق معقدة بين آلاف الهيئات الحكومية وهيئات القطاع الخاص؛ والتي تشمل مجموعات الشركات التي تصنع اللقاحات وموردي الأمبولات الزجاجية والثلج الجاف لضمان التخزين السليم للقاحات. أما بالنسبة للتوزيع، ستصبح المستشفيات والصيدليات بمثابة مراكز لتسليم اللقاح. سيكون التوزيع أسهل نِسبيًا في الدول التي تعتمد الأنظمة المركزية للرعاية الصحية؛ مثل المملكة المتحدة، بينما تُصبح عملية التوزيع بالغة التعقيد في الدول التي تعتمد الأنظمة اللامركزية للرعاية الصحية؛ مثل الولايات المتحدة.

وقد برزت بعض المخاوف بالفعل؛ ففي الأسبوع الماضي، اتّهم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو روسيا بأنها وراء عملية قرصنة إلكترونية ضخمة طالت الهيئات الحكومية والخاصة في الولايات المتحدة. وفي تلك الحالة يبدو أن الهدف هو عملية تجسس تقليدية – أي سرقة المعلومات، لكن عملية القرصنة التي لم تُكتَشَف إلَّا بعد عِدة شهور، كان بمقدورها السيطرة على الصناعات، وإفساد البيانات أو تدميرها، وإغلاق العمليات الحكومية الرئيسية تمامًا.

لذا، يجب على المسؤولين في كافة أنحاء العالم الانتباه إلى الحماية ضد الهجمات السيبرانية، والعمل مع الشركات الخاصة التي ستطرح لقاح فيروس كورونا في الأسواق، وقد حذَّرت بعض الشركات بالفعل، مثل شركة آي بي إم، من وقوع هجمات سيبرانية تستهدف الشركات المُصنّعة لألواح الطاقة الشمسية المسؤولة عن إمداد المُبردات، التي من المُفتَرَض أن تُحافظ على برودة اللِقاحات في المناطق ذات البنية التحتية الضعيفة، بالطاقة الكهربية. وحذّرت الشركة أيضًا من الهجمات التي تتعرَّض لها الشركات التي تصنع الثلج الجاف اللازم لتعبئة اللِقاح وتغليفه. كما كانت وكالة المفوضية الأوروبية المسؤولة عن استيراد اللقاحات هدفًا لتلك الهجمات السيبرانية.

لم يقتصر تصميم تلك الهجمات السيبرانية على الهدف المُباشر لإعاقة عملية توزيع اللقاح فقط. فعلى الرغم من أن هدف أي دولة خبيثة تضر ببرنامج اللِقاح في دولة أخرى يكمن في زعزعة الاستقرار الداخلي بتلك الدولة والإضرار بأمنها القومي واقتصادها، إلَّا أن الهدف الأكثر شرًا يتمثّل في تقليل ثقة الشعب في المؤسسات الحكومية. حيث يعتقد الخبراء أن تلك الجائحة ستنتهي فعلًا عندما يتلقّى حوالي 60 – 70% من السُكان لقاحًا على درجة كبيرة من الفاعلية، ومن ثمَّ تُحقق الهجمات السيبرانية التي تطال برامج اللقاح هدفها المزدوج وهو خفض المُعدلات الإجمالية لتلقي اللِقاح وزيادة الحالة العامة من انعدام الثقة بين المواطنين والحكومة، مما سيزيد من احتمال وقوع اضطرابات مدنية وسياسية.

وهناك الكثير من الأمور التي يتحتم على الحكومات القيام بها لبث الثقة بينها وبين المواطنين. فالحكومة البريطانية، على سبيل المِثال، عليها أن تبذل ما في وسعها لتجنب وقوع موقف مُماثِل لما حدث في مارس الماضي؛ عندما منحت عقود طوارئ بقيمة 11 مليار دولار لإنتاج أجهزة تنفس صناعي ومعدات الحماية الشخصية وغيرها من الإمدادات لشركات تربطها علاقات مع الحزب الحاكم ومسؤولين حكوميين بارزين. تُصبح تلك التصورات المُتعلقة بالمحسوبية أرضًا خصبة لقراصنة الكمبيوتر ومُروِّجي المعلومات المضللة.

ثانيًا؛ قد تشن الجماعات الإرهابية هجمات انتهازية، مُستغلة احتشاد مجموعات كبيرة من المواطنين في أماكن الحصول على اللقاح، وقد يحدث ذلك نتيجة دوافع أيديولوجية أو لإحراج الحكومات، فقد استهدف المُتشدِدون الإسلاميون بانتظام أماكن التلقيح ضد شلل الأطفال في دول مُتباعدة مثل نيجيريا وباكستان. وفي الولايات المتحدة، كان هناك تقارب غريب في المصالح بين الجماعات المسلحة المُتمسِّكة بالحق في حمل السلاح والجماعات المناهضة لارتداء الكمامات التي ترتاب في صلاحية الأوامر الرسمية الحكومية المُتعلقة بارتداء الكمامات. وبإمكان هاتين الجماعتين استغلال المواطنين الذين تشيع بينهم نظريات المؤامرة التي تُثيرها الجماعات المناهضة لتوزيع اللقاح. في الواقع، أظهر استطلاع الرأي الذي أُجري في شهر أكتوبر أن 63% من الأمريكيين لديهم مخاوف بشأن لقاح فيروس كورونا.

أما النوع الثالث من العناصر المُؤثرة غير التابعة للدولة والقادرة على تعطيل حملات طرح اللقاح في الأسواق يتمثّل في العصابات الإجرامية. وقد حذّر الإنتربول من مجموعات المافيا التي تسعى لسرقة اللقاحات وبيعها بصورة غير قانونية. ويقول الإنتربول إن تلك اللقاحات ستكون بمثابة “الذهب السائل” على مدار العقد القادم. بالإضافة إلى خطر طرح لقاحات مُزيفة للبيع عبر شبكة الإنترنت، الأمر الذي يحدث بالفعل، وهو فخ يمكن أن يقع فيه بعض الأفراد من الدول النامية التي من المُحتَمَل ألَّا توزع حكوماتها اللقاح خلال عام 2021.

وأخيرًا؛ هناك صورة أُخرى من صور انقطاع سلسلة التوريد، والذي قد ينجم عن بعض الإجراءات المُباشرة للدولة، مثلما حدث في موضوع الإمدادات الطبية في بداية الجائحة. آنذاك، أحكم المشترون في الدول الغنية، مثل الولايات المتحدة، السيطرة على الإمدادات الطبية التي سبق وأن دفع آخرون ثمنها بالفعل؛ من خلال أسعار تفوق سعر البيع بعدة أضعاف. وُصِف هذا الأمر حينها بالقرصنة الحديثة وهو أمر لم يطوه النِسيان بعد. وعلى سبيل المثال؛ أثار الأمر التنفيذي “أمريكا أولًا”، الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب، والذي يمنح الأمريكيين أولوية الحصول على اللقاح، المخاوف في كندا التي سيعتمد إمدادها باللقاح على المصانع الموجودة في أمريكا. وبالتالي، فمن الأفضل أن تبذل الدول ما في وسعها لتفادي هذا النوع من “النزعة القومية عند توزيع اللقاح”، وأن تسمح بتنفيذ الالتزامات التعاقدية لصانعي اللِقاح؛ تجنبًا لوقوع أي اضطرابات على الصعيد العالمي.

أتاح طرح اللقاح للعالم التطلُع إلى إمكانية عودة الأمور إلى طبيعتها. ولكي يُصبح هذا الأمر حقيقة واقعة؛ يجب حماية سلسلة توريد جرعات اللقاح من هؤلاء الذي يسعون إلى التربُح من نشر الفوضى، التي ستنتج عن الجشع أو التجارة غير المشروعة.

 

دنيانيش كامات؛ مُحلل سياسي متخصص في منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ومُستشار لبعض الحكومات في الشؤون السياسية والمبادرات الاستراتيجية، وتطوير الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.