بمجرد أن تتوقف المضادات الحيوية عن العمل، هل سنقبل على عصر العلاج بملتهمات البكتريا؟

جوناثان جرونال

AFP Photo: Mychele Daniau

تواجه البشرية مشكلة خطيرة بسبب العقاقير. ولا علاقة للهروين أو الكوكايين بتلك الكارثة التي تشكل تهديدًا وجوديًا للبشرية. فعلى الرغم من تأثيرها الضار على مجتمعاتنا في جميع أنحاء العالم، إلا أن تكلفة مواجهة تلك العقاقير لا تقارن بالكارثة الخطيرة التي تلوح في الأفق ألا وهي الاعتماد المطلق على المضادات الحيوية.

إننا ندين بالكثير للمضادات الحيوية. فبعد اكتشاف البنسلين في عام 1929، لم تعد الأمراض البكتيرية مثل الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا الجرثومي والسل والتهاب الحلق، مميتة. واليوم، يتناول المرضى الذين يخضعون للجراحة المضادات الحيوية لتفادي خطر حدوث العدوى. ويتناول مرضى السرطان الذين يتلقون علاجًا كيميائيًا، وهو علاج يضر بالجهاز المناعي، المضادات الحيوية للوقاية من أي التهابات محتملة قد تكون مميتة.

إلا أنه بعد مرور 90 عامًا فقط على اكتشاف “ألكساندر فلمنج” للبنسلين الناتج عن العفن، وتدمير هذا العفن لبكتيريا المكورات العنقودية الذهبية في أحد أوعية المختبر، تغيرت نظرتنا إلى المضادات الحيوية.

ظل المرضى والأطباء على حد سواء يستخدمون المضادات الحيوية على مدار عقود لأنها أشبه بالمعجزة بالنسبة لهم – وغالبًا ما كانوا يستخدمونها لأسباب غير وجيهة. فعلى سبيل المثال، لا يمكن للمضادات الحيوية أن تقضي على الفيروسات، غير أن المرضى الذين يعانون من الالتهابات الفيروسية يطلبون المضادات الحيوية وغالبًا ما يحصلون عليها.

ولكن، كما كانت منظمة الصحة العالمية تحذر لسنوات، تكمن المشكلة في أنه بسبب الإفراط في الاستخدام غير المناسب للمضادات الحيوية، طورت البكتيريا من مقاومتها لمضادات الميكروبات – وهي العوامل التي تقتل تلك الكائنات الحية الدقيقة الضارة أو تحول دون نموها. ولذلك، صرحت منظمة الصحة العالمية أن مجموعة متزايدة من أدوية علاج العدوى، بما في ذلك السل وتعفن الدم والتهابات المسالك البولية، والأمراض التي تنقلها الأغذية، وعدوى المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين والتي سبق وأن تم السيطرة عليها داخل المستشفى، “أصبحت أقل فعالية في عدة أماكن في العالم.” “وبدون المضادات الحيوية، ستكون الإجراءات الطبية الحديثة، مثل الجراحات الهامة، وزرع الأعضاء وعلاج الأطفال المبتسرين، والسيطرة على مرض السكري، وعلاج السرطان كيميائيًا، في غاية الخطورة.”

بدأت بعض الدول تلتفت لهذا الخطر مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، التي طلبت من أطبائها في عام 2018 الكف عن وصف المضادات الحيوية بشكل مفرط، واتخاذ إجراءات صارمة ضد الصيدليات التي تبيع الأدوية بدون وصفة طبية. إلا أن هذا التدخل يعتبر متأخرًا جداً. فقبل ست سنوات، وجدت الأبحاث المنشورة في مجلة “لانسيت” الطبية أن “الحصول على المضادات الحيوية أمرًا سهلاً في العديد من بلدان الشرق الأوسط”.

وقد سلطت دراسات أخرى متنوعة الضوء على وصف المضادات الحيوية بصورة عشوائية. وفي إحدى الدراسات في دولة الكويت، تبين أن “50%” من 270 مريضًا مصابين بالتهابات الجهاز التنفسي العلوي تناولوا مضادات حيوية، على الرغم من أن ثمانية منهم فقط كانوا في حاجة إلى تلك المضادات الحيوية. وفي إيران، يحصل “99%” من المرضى في بعض المستشفيات على المضادات الحيوية بصفة منتظمة.

يقع بعض اللوم في هذا الأمر على المعلومات الخاطئة. فوفقاً لدراسة أجرتها جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام في عام 2018، ونشرتها مجلة “BMC Public Health”، يعتقد بعض المرضى في المملكة العربية السعودية اعتقادًا راسخًا أن المضادات الحيوية هي علاجٌ “لكل الأمراض”، أو أنها تقوي الجهاز المناعي. ويتعمد العديد من المواطنين تخزين الأدوية، أو اصطحابها معهم في سفرهم إلى الخارج تحسبًا لأي ظروف. وتشير الدراسة إلى أن الإفراط في تناول المضادات الحيوية في المملكة العربية السعودية أدى إلى تزايد حالات مقاومة المضادات الحيوية”.

تحاول بعض البلدان معالجة هذه المشكلة. وبفضل “الجهود الدؤوبة” في دولة الإمارات العربية المتحدة، أعلنت وزارة الصحة في مؤتمر حول مقاومة مضادات الميكروبات بدبي في شهر مارس الماضي، أن معدلات استخدام المضادات الحيوية انخفضت بنسبة “43%”. ورغم ذلك، لم تحرز جميع الدول هذا التقدم، وحتى ذلك الحين، فكلٌ يخوض معركته الخاسرة. وفي دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية عن 65 دولة بين عامي 2016 و 2018، تبين أن ثمة اختلافًا كبيرًا في كمية المضادات الحيوية المستهلكة، والتي تتراوح ما بين “4.4” إلى “64.4” جرعة يومية لكل 1000 نسمة يوميًا.

وفي ظل ارتفاع مقاومة المضادات الحيوية، فإن عصر المضادات الحيوية أشرف على نهايته – وهو سيناريو يحمل بعضًا من العواقب المروعة مستقبلاً كالتي تظهر عادةً في أفلام الكوارث في هوليود. ومع ذلك، هناك أمل يلوح في الأفق، ولا يرجع هذا الأمل إلى ابتكار علاج متطور جديد، وإنما إلى العلاجات البديلة للمضادات الحيوية التي كانت موجودة قبل اكتشاف البنسلين.

تم اكتشاف ملتهمات البكتريا قبل البنسلين بعشر سنوات، غير أن العلم كان عاجزًا في ذاك الوقت عن استخدام “الملتهمات” بشكل فعال، وما لبث أن تجاهلها بعد اكتشاف البنسلين. واليوم، قد تكون “ملتهمات البكتريا” الحل المنقذ للبشرية.

إن “ملتهمات البكتريا” (أو “العاثية” كما يُشار إليها اختصارًا) هي عبارة عن فيروسات تهاجم البكتيريا – وهناك الكثير منها في انتظار أن يتم استخدامه والاستفادة منه. فقد أشادت إحدى الأبحاث المنشورة في المجلة العالمية لعلم العقاقير والأدوية المعوية “بالعاثيات” باعتبارها “الكيان البيولوجي الأكثر وفرة على الأرض، و[الذي] يلعب دوراً حاسماً في تنظيم المجموعات البكتيرية، [و] المسؤول عن وفاة ما يقرب من “20%” إلى “40%” من جميع البكتيريا السطحية البحرية كل 24 ساعة.”

خلص الباحثون بجامعة كاليفورنيا، في بيركلي، إلى أنه بالرغم من أن أمورًا كثيرة لا تزال مجهولة بخصوص التفاعلات بين “العاثيات” والبكتيريا والإنسان، إلا أنه “قد حان وقت البدء في العلاج بالعاثيات”.

وهناك تجارب جارية على البشر بالفعل. ففي شهر يناير من هذا العام، أفاد باحثون فرنسيون أن مزيجًا من 12 نوع من “ملتهمات البكتيريا” قد نجح في تدمير البكتيريا لدى عشرات المصابين بالحروق الذين يعانون من جروح خطيرة. لقد كان التدمير أبطء مقارنة بالمضادات الحيوية التي تناولها المرضي في عينة الدراسة، غير أن الباحثين خلصوا إلى أن كفاءة “العاثيات” ستكون أفضل إذا كانت مركزة بشكل أكبر.

وعلى أي حال، إذا استمرت مقاومة مضادات الميكروبات في الزيادة بمعدلها الحالي، فإن المقارنة مع المضادات الحيوية قد تصبح عديمة الجدوى قريبًا، ولن يتبقى أمامنا خيار سوى “العاثيات”.

فبعد قرن من التجاهل، ربما حان وقت ظهور “ملتهمات البكتريا” – ولكن ليس في القريب العاجل. ويعتقد الخبراء أن مقاومة المضادات الحيوية بحلول عام 2050 قد تحصد أرواح عشرة ملايين شخص كل عام.

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.