تحول وجبة الغداء الأساسية إلى ترف يُزيد الأزمة اللبنانية وطأة

حسين عبد الحسين

AFP photo: Joseph Eid

ينفق لبنان 160 مليون دولار سنويًا على استيراد القمح لطحنه فيما بعد وتحويله إلى دقيق. يًستخدم نصف هذا الدقيق –الذي يُباع بأسعار مدعومة– لصنع الخبز، بينما يُستخدم النصف الباقي لصُنع مجموعة متنوعة من المنتجات مثل الكعك، والأهم من ذلك، فطائر الزعتر. تُعرَف فطيرة الزعتر باسم «المنقوشة»؛ وهي أرخص الوجبات السريعة وأكثرها شعبية- ويتناولها سائقو السيارات وسائر العُمال عادةً وهم في طريقهم من مكان إلى آخر. ولكن في الأسبوع الماضي، أبلغت الحكومة المخابز أنها لا تستطيع أن توفر لهم سوى نصف كمية الدقيق المدعوم، وأنه ينبغي استخدام تلك الكمية لصُنع الخبز فقط. أما المخبوزات الأخرى، ومن بينها “فطائر المنقوشة” البسيطة التي يتناولها العمال وموظفو المكاتب على حد سواء، فينبغي أن تُصنَع بالدقيق غير المدعوم، وبالتالي صارت “المنقوشة” طعامًا “باذخ التكلفة”. (تخيل مثلًا أن يُصبح تناول شريحة بيتزا نوعًا من الترف). يُشير هذا التطور في الأحداث إلى عمق الأزمة التي يمر بها الاقتصاد اللبناني.

وفي محاولة لتجنب تفشي المجاعة (رغم أنه من المُشين مُجرد التلميح باحتمال وقوع مجاعة في لبنان)، سارع البنك الدولي بتقديم قرض “ضمان اجتماعي” بقيمة 264 مليون دولار إلى بيروت. من المُفترَض أن يغطي هذا المبلغ تكلفة واردات البلاد من السِلَع الغذائية الأساسية المدعومة للسنة القادمة على الأقل.

ورغم أن القرض سيُمول واردات لبنان من القمح، إلا إنه لن يكفي لتلبية احتياجات البلاد من الطاقة. وفي ضوء الحاجة إلى 300 مليون دولار سنويًا (وهي قيمة “7.5” مليون برميل من النفط وفقًا لمتوسط السعر السنوي الحالي والبالغ 40 دولارًا للبرميل)، لن تتمكن بيروت من استيراد ما يكفي من النفط. الأمر الذي سيُؤدي إلى زيادة تكلفة وسائل النقل بالنسبة للكثيرين، فضلاً عن عجز الدولة عن توليد ما يكفي من الكهرباء. ومع حلول فصل الصيف، واقتراب درجات الحرارة من 40 درجة مئوية، سيكتشف اللبنانيون أنهم يعيشون في بيئة أشبه بالجحيم.

كان البنك المركزي قد توقف منذ سنوات عديدة عن الإعلان شهريًا عن احتياطيات العملات الأجنبية به، وذلك قبل وقت طويل من بداية انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، حيث انخفضت قيمة الليرة إلى 8500 ليرة للدولار الواحد بعد أن كانت قيمتها تبلغ 1500 ليرة مقابل الدولار في سبتمبر/أيلول 2019. ومع ذلك، نجح البنك المركزي في ترسيخ صورة خيالية لدى اللبنانيين مفادها أن احتياطيات النقد تبلغ حوالى 17 مليار دولار. ولكن تظل حقيقة أن الحكومة اضطرت إلى خفض حصة المخابز من الدقيق المدعوم، تشي بأن احتياطي العُملة أقل كثيرًا من الرقم المُعلَن، وربما تقل عن المليار دولار، وفقًا لبعض التقديرات المستقلة.

الأمر الأسوأ من الخدع التي يمارسها البنك المركزي هو الأداء المتواضع لقيادة الدولة. وحتى الآن، جاءت استجابة القادة اللبنانيين – الرئيس ميشال عون، ورئيس مجلس النواب، نبيه بري، وأيًا كان القائم بأعمال رئيس الوزراء أو رئيس الوزراء المعين في الوقت الراهن (فالحكومة لا تزال قيد “التشكيل”)- لتلك الأزمة غير المسبوقة بتكرار نفس التصرف الذي دأبوا عليه مِرارًا: ألا وهو التعديل الوزاري.

ولم يكن أداء المثقفين في لبنان أفضل حالًا –ولعله أسوأ- من أداء البنك المركزي وكبار المسؤولين في الدولة. ففي مُعظم الأحيان، عجز الصحفيون والنخب الأخرى عن إدراك خطورة المشكلة أو استيعاب المطلوب للتعامل معها. واستمروا في تكهنات لا نهاية لها بشأن من سيتبوأ المناصب الوزارية في الحكومة القادمة، وكأنما ذلك قد يُحدث فرقًا. بعد أن عجزت سلسلة من الحكومات المُتعاقبة عن حل أيٍ من المشاكل الأكثر إلحاحًا التي تواجه لبنان.

ربما يستمد أولئك المثقفون شجاعتهم من رواية “الأسوأ هو” للكاتب المسرحي “صموئيل بيكيت”، والتي تتضمن تلك الأسطر التي يشيع اقتباسها كثيرًا، وهي: “مهما بلغ عدد محاولاتك، ومهما بلغت إخفاقاتك، لا يهم. حاول مُجددًا، حتى لو أخفقت مُجددًا، فكل محاولة ستشهد بعض التحسن”. ولكن التشبيه الأنسب لوصف الوضع في لبنان يوحي بمزيد من التدهور؛ ألا وهو: “واصل الفشل مُجددًا. وارتكب نفس الأخطاء بصورة أسوأ، ولسوف تيأس من تحسن الأوضاع إلى الأبد”.

وإذا كان الجِدال والحديث المتواصل بمقدورهما دعم إجمالي الناتج المحلي، لفاق لبنان السعودية والإمارات ثروةً. ولكن الأمور لا تسير هكذا. ولكن هناك موضوع واحد يتجنب المسؤولون في الحكومة والمحللون مُناقشته؛ إنه موضوع حزب الله، تلك الميليشيا الرهيبة التي تُعرقِل أي فرصة قد تغتنمها البلاد للخروج من أزمتها.

طالما أن حزب الله يستخدم السلاح ويتصرف وكأنه وكيل إيران لتحقيق نزعتها المغامرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لن يحظى لبنان بأي فرصة لإنقاذ اقتصاده. فمن قد يستثمر في لبنان؟ ومن قد يخاطر برأس ماله في بلد يشتبك فيه الحزب المهيمن باستمرار مع الجميع تقريبًا؟

عندما برزت أمريكا كقوة عالمية عظمى في القرن الماضي، تجنَّب قادتها الانصياع لفكرة إقامة إمبراطورية أمريكية. ولكنهم رأوا أن مصلحة أمريكا تتشابك مع مصالح الدول الصديقة التي تشَجَّعت لممارسة حقها في تقرير المصير. وبطبيعة الحال، لم تكن تلك الفكرة ناجحةً على الدوام. ومع ذلك، أثبتت العديد من الدول أن بإمكانها ممارسة الحكم الذاتي بحكمة، وتحقيق الازدهار. ولكن لبنان لم يكن قط من بين تلك الدول.

يحتفظ لبنان الحديث بأحد مظاهر ثقافته القديمة، وهو بيع “الخدمات العسكرية” لمن يدفع أعلى سعر في المنطقة. ففي العصور القديمة، تحالفت دول المدن الفينيقية الساحلية مع القوى السائدة في بلاد ما بين النهرين ومصر. واليوم، يُنفذ حزب الله أوامر إيران. وبدلاً من التكاتف لإسقاط حزب الله، ومنع كارثة اجتماعية واقتصادية وشيكة، استمرت النخبة اللبنانية –التي تنتقل من فشلٍ إلى فشل أسوأ من السابق- في موالاتها للميليشيات. وفي هذا الصدد على وجه الخصوص، يجب ألَّا يلتفت العراق الحديث، وريث ممالك بلاد ما بين النهرين، إلى أي نموذج من بلاد الشام.

شبَّه وزير الخارجية الفرنسي، “جان إيف لودريان”، أحزاب الأقلية الحاكمة في لبنان بالفرقة الموسيقية التي كانت على متن السفينة تايتانيك، والتي واصلت عزفها أثناء غرق السفينة في محاولة منهم لتهدئة الركاب. وصرَّح “لودريان” لصحيفة “لو فيجارو” قائلًا: “صار لبنان كسفينة تيتانيك ولكن بدون الفرقة الموسيقية، بينما يعيش اللبنانيون حالة من الإنكار التام أثناء انهيار دولتهم، ولا يوجد حتى من يعزف الموسيقى لتهدئتهم”.

أما أسوء ما في الأمر؛ هو أن حتى فطائر الزعتر لم تعد مُتوفرة.

 

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” لندن.