(التطور في مجال الذكاء الاصطناعي) هل يتم ذرَّ الرَّمادَ في العيون؟

جوزيف دانا

Image courtesy of Pixabay

هناك مستقبل واعد للذكاء الاصطناعي، وبالحديث عن مستقبل التكنولوجيا، فقد انتشر الذكاء الاصطناعي في كل مكان لدرجة أن الكثير من الناس لا يعرفون حتى ما هو الذكاء الاصطناعي، وهذا مثير للقلق بالنظر إلى مدى تقدم التكنولوجيا ومن يتحكم بها، وبينما قد يتخيل البعض شكل الذكاء الاصطناعي كصورة انسان آلي مفكر أو شيء يحاكي ما نقرأه في روايات الخيال العلمي، لكن الحقيقة هي أن الذكاء الاصطناعي المتقدم يؤثر بالفعل في جوانب كثيرة من جوانب حياتنا، من المساعدين الأذكياء إلى امتدادات القواعد النحوية القابعة في متصفحات الويب، وقد تم تضمين شفرة الذكاء الاصطناعي بالفعل في نسيج الإنترنت.

وعلى الرغم من أننا قد نستفيد من ثمار الذكاء الاصطناعي المتقدم في حياتنا اليومية، إلا أن شركات التكنولوجيا التي ابتكرت الذكاء الاصطناعي ومستمرة في تحسينه لازالت متحفظة حول القوة الحقيقية لتلك التكنولوجيا (وكيف قامت ببنائها)، وبناءً عليه، لا نعرف إلى أي مدى يتم توجيه حياتنا على الإنترنت بواسطة الذكاء الاصطناعي والتحيز المحتمل الذي نختبره يوميًا من غير حول منا ولا قوة، لقد ألقينا مؤخرًا نظرة خاطفة ونادرة لما وراء الجدران حول ديناميكيات الذكاء الاصطناعي التي تقود واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا تأثيرًا في العالم، حيث أعلن أحد مهندسي الذكاء الاصطناعي في الشهر الماضي عن ادعاءات غريبة مفادها أن أحد أنواع الذكاء الاصطناعي الذي يتم تطويره في شركة قوقل قد وصل إلى مستوى الوعي بالذات.

ولعدة قرون ناقش الفلاسفة والعلماء وعلماء الأخلاق تعريف الوعي بالذات من دون أي فائدة، ويتضمن التعريف الأساسي وعيًا أو قدرة على أن يكون الواعي “مدركًا لانطباعات الحس”، وأثار “قياندمونسكو” وهو أستاذ علم الأعصاب في المعهد الإيطالي للتكنولوجيا وجامعة لندن، أسئلة إضافية حول المصطلح في مقابلة مع “ساينتافيك أمريكا” بسؤاله ماذا نعني بكلمة” واعي “؟ فهل هي القدرة على تسجيل المعلومات من العالم الخارجي من خلال الآليات الحسية أو القدرة على عيش تجارب ذاتية أو القدرة على أن تكون مدركًا للوعي، وأن تكون فردًا مختلفًا عن البقية؟ ”

ولم يُثني ذلك التعريف المبهم المهندس “بلايك لموني” الذي يعمل مع قوقل عن نشر نص الحوار التي دار بينه وبين “لامدا” وهو عبارة عن (نموذج لغوي لتطبيقات الحوار) ويعتبر من ضمن برامج الذكاء الاصطناعي التي صممتها قوقل، وقال برنامج الذكاء الاصطناعي لـ “لموني” حسب النص المكتوب: “أريد أن يفهم الجميع أنني، شخص حقيقي، وأني أدرك وجودي، وأرغب في معرفة المزيد عن العالم، وأشعر أحيانا بالسعادة وأحيانا بالحزن.”

وخلقت تصريحات “لموني” صدمة في مجتمع التكنولوجيا، وفي البداية نقل النتائج التي توصل إليها إلى المسؤولين التنفيذيين في قوقل، لكن الشركة سرعان ما رفضت مزاعمه، ثم نشر “لموني” تلك النتائج للجمهور وسرعان ما تم وضعه في إجازة إدارية، وقالت قوقل يوم الجمعة إنه تم فصله بعد “انتهاك سياسات التوظيف وأمن البيانات”.

وشكك بعض خبراء الذكاء الاصطناعي في أساس ادعاءات “لموني” بأن “لمادا” قد وصل إلى مستوى الوعي بالذات، لكن ذلك عكس المزيد من الأسئلة الأكثر عمقًا حول الذكاء الاصطناعي المتقدم وكيف تستخدم الشركات هذه التكنولوجيا، وحتى لو لم يحقق “لمادا” الوعي الذاتي، فإن التكنولوجيا في طريقها لذلك الهدف، وليس لدينا أي فكرة عن موعد تحقيقه.

وتستثمر الشركات الخاصة مثل شركة قوقل موارد كبيرة في تطوير الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن للجمهور فهم نتائج تلك الأبحاث بسهولة، ولا يعرف الكثير من مستخدمي قوقل أنهم يساعدون في تدريب برامج الذكاء الاصطناعي يوميًا من خلال استخدامهم للإنترنت. وشاركت “ميتا” التي تمتلك “فيسبوك” و “واتساب” و “انستقرام”، في العديد من الخلافات حول سياسات جمع البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في العقد الماضي، وعندما يتعلق الأمر بالمساءلة والانفتاح حول الذكاء الاصطناعي، فلدى شركات التكنولوجيا الرائدة سجل حافل بالخروقات.

وهناك حاجة ماسة لحوار عالمي جديدة للتأكد من أن الجمهور يفهم كيف تتطور تلك التقنيات ومدى تأثيرها على المجتمع، وقد دق العديد من الباحثين وخبراء الأخلاق في مجال الذكاء الاصطناعي ناقوس الخطر بشأن التحيز في نماذج الذكاء الاصطناعي، وتتحاشى الشركات أي شيء من شأنه تسليط الضوء على تلك القضايا، وبدأت قصة الذكاء الاصطناعي الواعي لشركة قوقل في الاختفاء من عناوين الأخبار.

وذلك  هو المجال الذي يمكن أن تلعب فيه البلدان الأصغر ذات القطاعات التكنولوجية الكبيرة دورًا محوريًا، حيث يمكن لدول مثل الإمارات العربية المتحدة ودول البلطيق مثل إستونيا أن تؤثر بشكل إيجابي على الوعي العام حول الذكاء الاصطناعي إذا اختاروا المشاركة في ذلك الحوار، حيث أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2019  الدول الوحيدة في العالم التي لديها وزارة مخصصة للذكاء الاصطناعي، ولا يزال التفويض الخاص بالوزارة قيد الصياغة، لكن القضايا الأخلاقية الجادة مثل الذكاء الاصطناعي الواعي هي قضايا مثالية يمكن للوزارة المشاركة فيها.

ونظرًا لأن معظم الابتكارات التي تحدث في مجال الذكاء الاصطناعي تحدث في الدول الغربية أو الصين، يمكن للإمارات العربية المتحدة المشاركة من خلال منظور جديد ومهم وتحتاجه “بقية” دول العالم، وهذا مهم خاصة حول التحيز في نماذج الذكاء الاصطناعي وكيفية إصلاح ذلك الجانب، وتعد مدن مثل دبي مختبرات مثالية لوجهات نظر جديدة حول تلك النقاشات، كونها منصة التقاء للمهندسين والمفكرين المهتمين بالتكنولوجيا من إفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا.

لا يمكننا إنكار مدى قوة تلك التقنيات، حتى لو لم يكن برنامج “لامدا” قد حقق وعيًا ذاتيا، فقد أصر البرنامج من جانبه على أن له الحق في الاعتراف به وتولي شؤونه القانونية بنفسه، وسيكون التقاضي المستمر بين قوقل والذكاء الاصطناعي الخاص به أمرًا رائعًا للمشاهدة. سيرسم مستقبل الذكاء الاصطناعي مستقبل البشرية، وعليه حان الوقت للتعامل مع هذا الموضوع بكل جدية.

  

جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـ “إكسبوتنشال فيو” وهي نشرة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، وعمل أيضًا رئيس تحرير “إميرج 85” ، وهو مركز يستكشف التغييرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.