هل في العقوبات ضررًا لإيران، أم دعمًا لصناعة الأسلحة الأمريكية؟

جوناثان جرونال

AFP Photo: Sabah Arar

دومًا ما يكون الانغماس في فلك تكهنات “ماذا لو” التاريخية أمرًا مسليًا، والأكثر من ذلك أن يكون بلا معنى. فماذا لو أن قذيفة المدفعية التي أصابت العريف هتلر أثناء وجوده على الجبهة الغربية في عام 1916 قد قتلته بالفعل؟، أما كان للحرب العالمية الثانية ألا تحدث، ولم يكن هناك “تسوية نهائية”، وربما لم يكن هناك وجود لإسرائيل، ولم يحدث صراع مستمر في الشرق الأوسط؟

إن التداعيات المحتملة لتلك المراحل الحرجة تكون محيرة للعقول، والنتائج العكسية المحتملة لا حصر لها. ولكن في هذا العام، والذي يوافق الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، ليس من المفيد فقط فهم آلية تلك الثورة التي جعلت هذه الأمة منبوذة بين دول العالم، بل انه أمرًا ضروريًا كذلك إذا ما انتهت العداوة المميتة بين إيران والمجتمع العالمي.

ماذا لو، في عام 1953، لم تخطط أميركا للإطاحة بمحمد مصدق، رئيس وزراء إيران المنتخب ديمقراطياً، بسبب رغتبه في تأميم احتياطي النفط والذي لم يستفد منه آنذاك سوى خزائن البريطانيين؟ إن عملية خلع مصدق، والذي حيكت خيطوها في لندن وواشنطن، ونفذها عملاء وكالة الاستخبارات المركزية في إيران، منحت السلطة المطلقة لمحمد رضا بهلوي، الشاه.

في كتاب “أتباع الشاه – انقلاب أمريكي، وجذور الإرهاب في الشرق الأوسط”، كتب المؤلف الأمريكي “ستيفين كينزر”، أنه لو سُمح لإيران بتقرير مصيرها بنفسها، فإن الدولة “ربما استمرت في طريقها نحو الديمقراطية الكاملة”، وربما تصبح نموذجًا لبلدان أخرى في المنطقة، و”تغير شكل التاريخ جذريًا”.

وبدلاً من ذلك، فإن نظام الشاه المقيت، والمدعوم أمريكيا بالعُدة والعتاد، والذي مارس التعذيب والقتل كما يشاء، وكان عازمًا على تغريب إيران بوتيرة أثارت قلق مواطنيها المحافظين، قد مهد الطريق لعودة الزعيم الديني “روح الله الخميني” من منفاه في عام 1979. وبسبب غضبهم من رفض الولايات المتحدة إعادة الشاه المخلوع لمحاكمته، هاجم الثوار، في 4 تشرين الثني / نوفمبر 1979، السفارة الأمريكية، واحتجزوا 52 أمريكيًا كرهائن لمدة 444 يومًا.

وها نحن هنا اليوم. ولا تزال أمريكا تتذمر من فقدان وجهها الذي مكنته في عام 1979، في حين أن الاعتقاد الذي لا يتزعزع بأن أمريكا هي الشيطان الأكبر يواصل دعم سلطة حكم رجال الدين في إيران، والتي لا تزال تثير الاضطرابات في المنطقة بأسرها وتزعزع استقرارها.

لم يكن تأسيس حكم ثيوقراطي إسلامي في إيران هو المحفز الحتمي للمواجهة الطويلة والمستمرة بين البلدين. فهناك العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، بينها علاقات متحضرة تمامًا مع غيرها رغم اختلاف معتقداتهم. ولكن أمريكا بدورها، تجاوبت، أكثر من أي وقت مضى في ظل عهد الرئيس ترامب، مع السياسة التي تنتهجها القيادة الإيرانية لصالحها والمتمثلة في شيطنة الغرب، بشيطنة إيران بشكل مستمر.

في البداية، فرضت أمريكا العقوبات على إيران في عام 1979، في تعبير منها عن غضبها الدفين من الاستيلاء على سفارتها. وفرضت أمريكا المزيد من العقوبات بعد الحرب الإيرانية العراقية. ولأسباب عديدة، استمرت العقوبات الأمريكية منذ ذلك الحين، مما أدى إلى إثارة المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وتبرير، من وجهة نظر طهران، كل ضربة تم توجيهها ضد الغرب وحلفائهم خلال عقود من الإرهاب الإيراني الذي ترعاه الدولة.

لكن انسحاب ترامب أحادي الجانب من الاتفاق النووي، الذي هو نتاج 12 عاماً من التعاون الدولي المضني والذي تم التوصل اليه لتخفيف العقوبات في مقابل أن تقلص إيران من طموحاتها النووية، وأن تنضم إلى المجتمع الدولي، قد زاد الأمر سوءًا، رغم أن الأمل يحذو الكثيرين بانتهاء الأزمة.

وكما تنبأ حلفاء أمريكا المنزعجين، جاء الرد الإيراني على الانسحاب الأمريكي بأن صعدت إيران أنشطتها النووية، معلنة الأسبوع الماضي أنها تتخذ خطوات نحو استئناف عملية تخصيب اليورانيوم.

إن التخريب الأمريكي للاتفاق النووي يأتي بنتائج عكسية غير ملموسة لدرجة أنه من المقنع التكهن بأن سبب تخريب الاتفاق النووي هو أكثر من مجرد كراهية تاريخية. وفي آذار/ مارس، أكد تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أنه بين عامي 2009 و2013، وبين عامي 2014 و2018، نمت صادرات الأسلحة الأمريكية بنسبة مذهلة بلغت 29 في المائة. وأكثر من نصف الأسلحة المصدرة كانت متجهة إلى الشرق الأوسط، وإلى دول متحالفة مع أمريكا خوفًا من إيران.

وبعبارة أخرى، فإن وجود شرق أوسط متصالح مع نفسه سيكون له تداعيات بالغة السوء على الأنشطة التجارية الأمريكية – وعلى السياسيين الذين يحتاج ناخبوهم إلى ملايين الوظائف الناتجة عما وصفه الرئيس الأمريكي السابق، دوايت أيزنهاور، بالمجمع الصناعي العسكري. وفي عام 1961، حذر”دوايت” من “اكتساب النفوذ غير المبرر” بسبب الصناعة نفسها. وفي خطاب سابق، لكنه أقل شهرة، تحدث “أيزنهاور” ببلاغة عن الحماقة الأخلاقية للاقتصاد القائم على إنتاج الأسلحة.

وقال: “كل سلاح يتم صنعه، وكل سفينة حربية تبحر، دليل على وقوع سرقة من الذين يتضورون جوعًا ولا يجدون ما يسد رمقهم، ويبردون ولا يجدون ما يكسيهم”. إن هذا العالم المتناحر لا ينفق المال وحده. إنه ينفق عرق عماله، وعبقرية علماءها، وآمال أطفاله. “إنه تحذير يتوافق اليوم مع كل طفل إيراني سيرث من والده الكراهية السامة، وانعدام الثقة في “الشيطان الأكبر”.

لذلك دعونا نلعب لعبة “ماذا لو” مرة أخرى. وبدلاً من ترامب الذي يستغل دروس التاريخ ولا يتعلم منها، ماذا لو كان الزعيم القادم لأقوى أمة في العالم هو “آيزنهاور”، والذي يستطيع أن يترك الماضي خلف ظهره من أجل المستقبل؟

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.

يمكن تحميل صورة فائقة الجودة للكاتب عبر موقعنا