هل سيتم اقامة المعارض عبر الانترنت بشكل مستمر؟ وإذا كان كذلك، فلنرتقب عالم أصغر للفنون

Melissa Gronlund

AFP Photo: Jonathan Nackstrand

قبل خمسة عشر “15” عامًا تقريبًا، اجتمعت مجموعة من الفنانين ومخرجي الأفلام وأمناء المتاحف والنقاد في مهرجان أوبيرهاوزين السينمائي للأفلام القصيرة في غرب ألمانيا لمناقشة الاستعانة بوسيلة تكنولوجية جديدة، وهي: يوتيوب. كيف ستختلف مشاهدة الأفلام والفيديو عبر الإنترنت عن أماكن المشاهدة العادية، مثل السينما أو مهرجان أوبيرهاوزين نفسه، ذلك المهرجان الذي يمارس دورًا مهمًا في السينما الفنية الأوروبية؟ هل ستكون الأفلام بنفس الجودة – إذا ما شاهدها الشخص منفردًا، وبدقة ضعيفة، على جهاز كمبيوتر – بدلاً من عرضها على شاشة السينما ليشاهدها مجموعة افراد تجمعوا لرؤيتها؟

وقال “ستيوارت كومر”، أمين أحد المتاحف، ملطفًا أجواء هذا النقاش الحاد، “إن تلك الأفلام أشبه بالنسخ الضوئية”. ويقول “كومر”، والذي يشغل الآن منصب كبير أمناء وسائل الإعلام والأداء لدى متحف الفن الحديث في نيويورك، إن مشاهدة مقاطع الفيديو على يوتيوب لا تشبه مشاهدة فيلم معيار 35 مم على شاشة السينما، والمشاهدة من المنزل لها وظيفة أخرى، وهناك فرصة لكلتا الطريقتين.

ومن المثير للاهتمام أن نسترجع ذكريات ما نحن بصدده الآن. ومنذ ذلك الحين، تبددت العديد من الشكوك حول مشاهدة الأفلام عبر الإنترنت. لقد أصبحت جودة البث أفضل من ذي قبل. وعندما كانت الأفلام التاريخية غالبًا ما يتم تعديلها وتحريرها، وتحسين جودتها وتركيب مقاطع صوتية جديدة – وطرحها من جديد وكأنها نسخة أصلية، كانت المتاحف والفنانين تمتلك قنوات لعرض هذا النوع من الأفلام، بدلاً من عرضها مجانًا على قنوات اليوتيوب التقليدية. ومن خلال تلك القنوات، فإننا نعلم أن الجمهور سيشاهد الفيلم من بدايته حتى النهاية – وهذا من الأمور الأخرى التي تدعو للقلق، لأنه بدون العقد الاجتماعي المتمثل في شراء تذكرة والجلوس في صالة السينما، سينشغل المشاهد عن مشاهدة الفيلم ويكتفي بلقطات منه بدلاً من متابعته حتى النهاية.

وفي عام 2020، وفي ظل الإغلاق بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، بات الحظ حليفنا لوجود منصات “يوتيوب” و”نتفلكس” و”فيميو” وغيرها من منصات البث والمشاركة. ورغم ذلك، يجب أن نكون ممتنين لتلك المنصات لأنها كانت موجودة منذ فترة طويلة، تمكنا خلالها من إنتاج أفلام يمكن عرضها عبر الإنترنت. واليوم، أصبحت مشاهدة “نسخًا ضوئية” من الأفلام المعروضة على الشاشة الصغيرة منعدمة في معظم الحالات، باستثناء الأعمال التي جرى إعدادها لتناسب الشاشة الصغيرة في المقام الأول.

ومن غير الواضح ما إذا كان عالم الفن التقليدي – مثل اللوحات والمعارض الفنية والمنحوتات – يمر الآن بمرحلة انتقالية مماثلة لما مرت به صناعة السينما قبل عقد من الزمن. وتشهد المتاحف ترقيم جميع غرف اللوحات الفنية، وتسابق المعارض التجارية والفنية الزمن لبناء منصات البيع عبر الإنترنت، واليوم توصى المدارس باستخدام تطبيق فنون وثقافة جوجل “Google Arts&Culture”، وهو مشروع الرقمنة الذي يعود إلى عام 2011، لممارسة الأنشطة التعليمية أثناء فترة الإغلاق. فهل تعتبر تلك المنصات نسخ مصورة، وهي حل مؤقت حتى يهدأ عصر التباعد الاجتماعي؟ أم هل ستبقي المؤسسات الفنية، والتي شعر بعضها بالسعادة بسبب الزيادة الهائلة في أرقام الجمهور عبر الإنترنت، على عمل تلك المنصات بمجرد انتهاء مرحلة الإغلاق؟.

لن يكون الجواب استنادًا إلى نجاح التجربة، بل من الناحية الاقتصادية. ستواجه المتاحف والمعارض الفنية نقصًا كبيرًا في الميزانية عندما تفتح أبوابها للجمهور: سواء بسبب تقليص التمويل العام، أو انخفاض التبرعات الخاصة، انعدام الإيراد على مدار أشهر. وستجد المعارض الفنية نفسها غير قادرة على الوفاء ببرامجها في ظل تأجيل العروض الفنية حتى إشعار آخر، في حين أن الأعمال المفترض نقلها إلى مكانٍ ما قد تكون ضرورية لمكانٍ آخر أو يلزم إعادتها إلى موطنها (أو قد تكون تكلفة شحنها باهظة). ومن المرجح أن تستمر المعارض الفنية عبر الإنترنت لبعض الوقت لتلبية هذه الاحتياجات اللوجستية – وقد تستمر أيضًا بعد ذلك كجزء غير مكلف أمام عدد محدود من الجمهور لمتابعة المعارض الفنية.

ورغم ذلك، لا ينبغي لنا أن ننساق وراء الاعتقاد بأن المشاهدة عبر الإنترنت ستمر مرور الكرام. فمثل معظم حالات الاستعانة بمصادر خارجية لتوفير التكنولوجيا، فإن المعارض الفنية عبر الإنترنت تعني فقدان الوظائف: الفنيون، ومرممو اللوحات الفنية، والموثقون، وشركات الشحن، وشركات التأمين، والمرشدون والحراس الذين يساعدون في عرض الأعمال الثمينة للجمهور. وفي تلك المهام دعم للغير: فقد يكون الفني فنانًا صاعدًا، والمرشد طالبًا، بينما قد يقدم المحافظون والحراس الدعم للعائلات في المنزل. وقد تكون الأعمال الفنية قابلة للرقمنة لتناسب أولئك الذين يريدون ببساطة إلقاء نظرة عليها، وليس للأشخاص الذين يكسبون رزقهم في التجارة: ويتوقف عالم الفن على شراء السلع المادية وبيعها وحفظها وعرضها.

ويتجاوز التأثير الاقتصادي عالم الفن. وعلى مدار سنوات، عندما كان الفن يبرز أهميته لينال دعم الجمهور، كانت البطاقة الرابحة في عالم الفنون هي تأثيره الاقتصادي المضاعف. ووجد مجلس الفنون في العام 2015 أن كل جنيه إسترليني ينفقه مجلس الفنون في إنجلترا على الفنون، تسترده الحكومة خمسة “5” جنيهًا إسترلينيًا من الضرائب. وكان “تأثير بلباو”، المتعلق بالتحول الاقتصادي الذي حدث في مدينة بلباو شمال إسبانيا بعد إنشاء متحف “غوغنهايم بلباو” هناك، قد سيطر على العديد من الاستراتيجيات الهائلة لتطوير المدن من ذلك الحين – بما في ذلك، على الأرجح، الإستراتيجيات الخاصة بأبو ظبي. ويستمر الجدل من قبل الاستشاريين الدوليين، وهم من أظهروا أن الزائرين يتوجهون إلى منافذ الأطعمة والمشروبات ومحلات بيع الهدايا والفنادق بعد مشاهدة المعارض الفنية في المتاحف – وبالمثل، من غير المرجح تحصيل عائدات في حالة رقمنة المعارض الفنية.

إن ما أثار قلق الجمهور في “أوبيرهاوزين”، على مدار السنوات الماضية، هو تأثير YouTube على مجتمع صانعي الأفلام وأمناء المتاحف والنقاد. ومع تحول المتاحف والمعارض الفنية إلى معارض عبر الإنترنت، بات على الجمهور إدراك أنهم يخاطرون بأكثر من مجرد فقدان المشاهدة الواقعية.

 

ميليسا جرونلوند، تتكتب عن الفن، وتتنقل ما بين أبوظبي ولندن. تنشر “ميليسا” أعمالها في مجلة “Artforum” و”L’Hebdod’Art” و”BOMB” و”e-flux” و”نيويوركر”، بالإضافة إلى منشورات أخرى. وخلال الفترة من عام 2007 إلى عام 2014، عملت “ميليسا” محاضرة عن الفن المعاصر في مدرسة روسكين للرسم والفنون الجميلة في جامعة أكسفورد.