هل ما زال سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سجون آمنة داخل سوريا؟

حايد حايد

AFP Photo: Fadel Senna

قد تشكل العملية العسكرية التركية المتواصلة في شمال شرق سوريا مصدر قلقٍ للعديد من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” المأسورين، والذين استفادوا من تلك الفوضى ولاذوا بالفرار وعادوا إلى ساحة المعركة. وتقر قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد، والعالقة بين من خاضت معهم قتال لمدة ثماني سنوات وهما الجيش التركي والنظام السوري، بأن تأمين سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بات اليوم ثاني أولوياتهم.

هناك أكثر من “10,000” من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في حوالى “30” سجناً ومنشئات اعتقال جماعي في شمال شرق سوريا. لقد كان ضمان سلامة هؤلاء المعتقلين من مسؤولية قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن الداخلي التابعة لها، مع وجود دعم إضافي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

ووفقًا لتقرير صدر مؤخراً عن وزارة الدفاع الأمريكية.، هناك أيضًا مخيم منفصل للأشخاص النازحين داخلياً، وهي منشأة تُعرف باسم “الهول” وتقع في شمال شرق سوريا، وتضم حوالى “70,000” شخص، بمن فيهم الآلاف من أفراد أسر داعش.

تسمح شروط الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام بانتشار قوات النظام في مناطق قوات سوريا الديمقراطية. وتؤكد المصادر التي تحدثت إليها من كلا الجانبين على أن قوات النظام ستنشر بشكل أساسي في المناطق التي من المحتمل أن تستهدفها القوات التركية، وهي مدينة “منبج” وغيرها من المدن على الحدود، بما في ذلك كوباني [عين العرب] ذات الأغلبية الكردية. وعلى الرغم من خلو السجون في تلك المدن من سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، فإن وجود قوات النظام السوري في المنطقة المجاورة، إلى جانب التهديد التركي، لا بد أن يؤثر على قدرة قوات سوريا الديمقراطية على حماية سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وفي مقابلة مع شبكة “إن بي سي نيوز” الإخبارية الشهر الماضي، قال اللواء “مظلوم كوباني” [فرهاد عبدي شاهين]، القائد الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية، إن العثور على أفراد لتأمين السجناء كان أمرًا في غاية الصعوبة في ظل هرع رجاله جميعًا إلى الحدود الشمالية لصد الهجوم التركي، سواء طُلب منهم ذلك أم لا. ولكن هناك أمور تتعلق بتأمين سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، أكثر من ادعائه بنقص الأفراد اللازمين لهذه المهمة.

ووفقًا لأحدث التقديرات الداخلية، تمتلك قوات سوريا الديمقراطية حاليًا حوالي 70,000 مقاتل منتشرين في جميع أنحاء شمال شرق سوريا. ولذا، من المنطقي افتراض أن الآلاف من العناصر الكردية ضمن قوات سوريا الديمقراطية سيعطون محاربة تركيا الأولوية عن أي مهمة أخرى. لكن من العدل بنفس القدر أن نفترض أنه من بين العنصر العربي – الذي يضم حوالي نصف قوات سوريا الديمقراطية – هناك الكثير ممن ليس لديهم مصلحة شخصية في مواجهة الهجوم التركي، أو يفضلون عدم قتل زملائهم السوريين الذين يقاتلون إلى جانب الأتراك، وبهذا سيكون عليهم حماية السجون.

وهناك أيضًا حوالي “30,000” من قوات الحماية الذاتية وقوات الأمن الداخلي واللذان يمكن استدعائهما لحماية السجون.
ومن المفهوم أن الجنود قد يرغبون في الانتقال إلى خط المواجهة لأن لديهم عائلة في المنطقة، أو إذا كانوا يريدون فقط أن يكونوا جزءًا من الدفاع ضد التهديد الوشيك الذي تمثله القوات التركية. ولكن، بدلاً من ذلك، إذا كان إعادة نشر قوات سوريا الديمقراطية، يشير إلى أن القيادة المركزية تقلل من مستوى حماية أمن أسرى داعش، أو إذا كانت مصممة لممارسة الضغط على الغرب، فإن هذا يعد تحولًا سياسيًا – وعملاً استفزازيًا.

إن حقيقة أن التوغل التركي قد اقتصر حتى الآن على مدينتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين، يدل على أن معظم قيادات قوات سوريا الديمقراطية تبذل قصارى جهدها، وعززت قدراتها للتصدي للهجوم التركي.

إن مشكلة تأمين سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قد لا تحدث بسبب توفر الموارد، ولكن بسبب القدرة على إدارتها. وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية مؤخراً عن إلغاء مركزية هيكل قيادتها لإعطاء المجالس العسكرية المحلية مرونة أكبر في إدارة شؤونها، ومنها مسؤولية تأمين جميع مقرات تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ومع ذلك، قد يتعين على قوات سوريا الديمقراطية طلب المساعدة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من إعلان الرئيس دونالد ترامب عن سحب قواته من سوريا، أكد مسؤولٌ أمريكي في سوريا أن القوات الأمريكية مازالت هناك، وعلى استعداد لتقديم المساعدة الفنية والمالية في الأمور التي تتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وهناك مجموعة أخرى من الناس لا يرد لهم ذكرًا. وتقول مصادر محلية في شمال شرق سوريا إن قوات سوريا الديمقراطية تحرس أيضاً العديد من المخيمات التي تحتجز المشردين داخلياً. وتزخر تلك المخيمات بالمدنيين المحليين ممن لا علاقة بهم بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولكنهم لا يستطيعون المغادرة لأن مناطقهم الأصلية غير آمنة، أو لأنهم يفتقرون إلى كفيل من الخارج، وهو الآن شرط لمغادرة المخيم.

إن السماح لهؤلاء المدنيين بالانتقال إلى المواقع التي يختارونها، بمساعدة من المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، لن يقلل فقط من معاناة الكثيرين، وهم لا لائمة عليهم في الأساس، بل وأيضًا توفير الموارد لقوات الدفاع الذاتي من أجل المهمة الأكثر أهمية المتمثلة في حراسة سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
وفي النهاية، فإن أي خطوة تتخذها الآن – قوات سوريا الديمقراطية أو القوات الدولية – قد تكون مجرد حل قصير الأجل. إن وضع حد لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يعني معالجة الأسباب الجذرية التي مكنت التنظيم من الظهور، وهذا يتطلب استراتيجيات شاملة يقودها المجتمع. ولكن مع وجود حالة من الفوضى، فان هناك متنفس لهذا التنظيم ولو بسيط.

حايد حايد، زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.