كافة الخطط الاقتصادية اللبنانية ستبوء بالفشل ما لم تنجح الحكومة في السيطرة على نفوذ حزب الله

حسين عبد الحسين

قامت شركة “ماكنزي” للاستشارات الإدارية بتقديم خطة اقتصادية للحكومة اللبنانية مدتها 5 سنوات، ومن المُتوقّع لتلك الخطة أنها ستكون نواة برنامج الحكومة القادمة التي سيقوم سعد الحريري بتشكيلها، وعلى أي حال فإن تفاصيل الخطة لم يتم الكشف عنها بعد، لكن الخطة بالعموم تقترِح تخفيض نفقات القطاع العام من 40% إلى 15%، ونصحت شركة “ماكنزي” الحكومة اللبنانية بتوجيه الاستثمارات للقطاعات الإنتاجية، مثل شركات التكنولوجيا الناشئة والخدمات والسياحة والقطاع الصناعي، وبعيداً عن أن تلك الخطة ربما كانت مستوحاة من هواجس جيل الألفية، فإنه يجب وضع حلول جذرية للمشكلة الاقتصادية اللبنانية خاصة وأن البلاد تُعاني من ظروفاً خاصة، وما لم يتم وضع تلك الحلول فإن تلك الخطة سيكون مصيرها الفشل.

وبناء على طلب الحكومة، فإن شركة “ماكنزي” أهملت الآثار السياسية التي من الممكن أن تطال الاقتصاد، وبدلاً من التركيز على تبعات الأنشطة العسكرية المستمرة لحزب الله في المنطقة؛ فإن شركة “ماكنزي” عمدت إلى الاكتفاء بالنصح باتخاذ خطوات إدارية من أجل إخراج لبنان من أسوأ الأزمات المالية والاقتصادية التي واجهت لبنان منذ الإعلان عن استقلال البلاد في العام 1943.

والحقيقة أن شركة “ماكنزي” أضرّت بلبنان بسبب تجاهُل نتائج أنشطة حزب الله على الاقتصاد اللبناني، وكانت دراسة صادرة عن البنك الدولي قد أكّدت على أن مُعظم المؤسسات الاقتصادية ترى أن العقبة الكبرى التي تقف أمام تنمية الاستثمار في لبنان تعود إلى “عدم الاستقرار السياسي”، وقال أكثر من ثلثي رجال الأعمال الذين شملتهم الدراسة أن الفوضى السياسية تعُد العقبة الرئيسية أمام قيامهم بمشروعات استثمارية في لبنان، ويجب على شركة “ماكنزي” أن تتيقّن من أن الخطة الاقتصادية المُزمعة التي تمتد لخمس سنوات، والتي تعتمد على خفض النفقات الحكومية فقط قد لا يُكتب لها النجاح.

والحقيقة أن مسألة الفصل بين السياسة والاقتصاد طالما كانت مطلباً أساسياً لحزب الله، خلال مرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية؛ وحينما كانت البلاد تحت الوصاية السورية تم إيكال مهمة إعادة إعمار لبنان لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وحينها كان حزب الله يُصنّف على أنه حركة مقاومة وطنية، واتهم المعارضون رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري بالإفراط في الاستدانة من أجل تنفيذ خطة إعادة الأعمار حتى وصلت الديون إلى سبعة مليارات دولار.

ولم يكُن من خيار آخر أمام الحريري سوى الاقتراض من أجل إعادة إعمار البلاد الي دمرتها الحرب وإصلاح بنيتها التحتية، والواقع أن حزب الله اختار طريق المواجهة العسكرية مع إسرائيل بدلاً من التفاوض، وهذا أدّى بدوره إلى إجبار الحكومات المتعاقبة التي قام الحريري بتشكيلها على اقتراض الأموال بمعدلات فائدة مرتفعة بسبب تكلفة الحرب المستمرة مع إسرائيل، وأيضاً فقد أُجبِر الحريري على إصلاح بعض المنشآت مثل محطات الكهرباء مرّات عديدة، حيث أن تل أبيب غالباً ما كانت تُعاقِب حزب الله عبر قصف البنية التحتية اللبنانية.

والواقع أن رهان الحريري على ازدهار لبنان في ظل قيام حزب الله بدور فاعل كان رهاناً خاسراً بامتياز، وبعد اغتيال رفيق الحريري قام حزب الله بتقديم عرض إلى سعد الحريري نجل رئيس الوزراء الراحل وخليفته في المنصب حيث عرض حسن نصر الله زعيم حزب الله على سعد الحريري إحياء العمل بسياسة والده الراحل رفيق الحريري، ووفقاً لمنظور حسن نصر الله فإن تلك السياسة تقضي بتركيز سعد الحريري والدولة اللبنانية على الشأن الاقتصادي وترك أمور الأمن والمخابرات والدفاع والشئون الخارجية لحزب الله.

وبعد رفض عرض حزب الله على مدار عقد من الزمن استسلم سعد الحريري في النهاية ورضخ لرغبة الحزب، وقام الحريري بالتنسيق مع الرئيس اللبناني التابع لحزب الله ميشيل عون من أجل إقرار تلك الترتيبات، وحينما طلبت الحكومة اللبنانية من شركة “ماكنزي” وضع خطة اقتصادية في شهر يناير فإن الحكومة شدّدت على أن تلك الخطة يجب أن تكون اقتصادية بحتة، ووافقت شركة “ماكنزي” على عرض الحكومة اللبنانية الذي بلغت قيمته 1.3 مليون دولار.

والحقيقة أن لبنان لديها فرصة لتنمية الاقتصاد على الرغم هيمنة حزب الله، وعلى سبيل المثال؛ فإن شركة الكهرباء كانت بمثابة عبء على الخزانة اللبنانية التي تكبّدت بسببها نفقات بلغت 20 مليار دولار على مدار الخمسة والعشرون الماضية، وتقدّم البنك الدولي بعرض للحكومة اللبنانية يقضي بقيام البنك بإعادة تشغيل شركة الكهرباء مقابل خصخصة الشركة، وكيّ ينجح البنك الدولي في إقناع الحكومة اللبنانية بقبول العرض فقد عرض تقديم منحة قيمتها مليار دولار حال قبول تلك الخطة.

لكن شركة الكهرباء لها أهمية خاصة بالنسبة للدولة، فهي تضُم عدداً هائلاً من أتباع -رئيس مجلس النواب- نبيل بري، بينما هناك شبكة من مالكي مولدات الكهرباء التي باتت بمثابة البديل للكهرباء الحكومية بالنسبة لأغلب العائلات، وهؤلاء المُلّاك قاموا بالضغط على الرئيس ميشيل عون مما أسفر في النهاية عن فشل صفقة البنك الدولي.

كما أن خطة شركة “ماكنزي” الاقتصادية سوف تواجه بمعارضة كتلة هائلة من القطاع العام مثل المُعلمين وموظفي الجامعات اللبنانية والمدارس الحكومية، كما أن الخطة ستواجه بمعارضة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وهو عبارة عن منظمة حكومية معنية بالتأمين الصحي وأمور التقاعُد والمعاشات، وتلك المنظمة من الممكن أن تثير متاعب سياسية شديدة للحريري إذا ما أقدم على خصخصة المنظمة حيث أن أغلب أعضاء تلك المنظمة هم من سائقي التاكسي الموالين لـبري والذين سيفقدون عضويتهم في المنظمة حال تعرّضت للخصخصة.

ورغم أن تلك الخطة تقوم على الاستثمار في القطاعات المُدِرّة للربح؛ فإنها تعتمد على موارد لا تملكها لبنان من الأساس، ولا يمكنها حتى الحصول على تلك الموارد من الخارج، حيث أن نسبة الديون بلغت 140% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفقاً لمنظمة “نومبيو” فإن لبنان يحتل المركز الثاني على مستوى الدول العربية فيما يتعلّق بارتفاع تكاليف المعيشة، كما أنه يحتل المركز 32 على مستوى العالم في ذات الصدد، وكي تكون هناك مقارنة واضحة، من الممكن أن نشير إلى أن مصر تحتل المركز الخامس على مستوى العالم فيما يتعلّق بانخفاض تكاليف المعيشة، ويبقى السؤال: ما الذي سيدفع المستثمرين لإختيار لبنان رغم غلاء الأسعار والفوضى السياسية وانهيار البنية التحتية، ويترك مصر التي تتمتّع بالاستقرار السياسي وبنية تحتية أفضل من اللبنانية، كما تملك عمالاً يتمتّعون بالمهارة؟

وربما تعُد خطة شركة “ماكنزي” ذي السنوات الخمس بمثابة انتصاراً لكل من ميشيل عون وسعد الحريري، وربما تؤدي تلك الخطة إلى تخفيف الضغط على الجهات المانحة التي قدّمت للبنان 11 مليار دولار في صورة مِنح وقروض مُيسّرة، لكن الواقع يقول أن المصاعب الاقتصادية اللبنانية لا يمكن التغلُب عليها طالما أن حزب الله يستخدم الأراضي اللبنانية مُنطلقاً للمغامرات العسكرية على مستوى المنطقة.

وقد حاول رفيق الحريري في هذا الاتجاه لكنه فشل، وقد قام زعيم الدروز وليد جمبلاط بتلخيص الوضع على أفضل ما يكون حينما قال أن لبنان عليها الاختيار بين أن تصبح فيتنام أو هونغ كونغ، حارب الأول الولايات المتحدة وعاش في فقر، أما الثاني وهو هونغ كونغ فقد باتت واحة الاستقرار بالنسبة للمستثمرين في منطقة تعج بالاضطرابات، وحقّقت هونغ كونغ نجاحات اقتصادية هائلة، والواقع أن بيروت بات عليها أن تصل للقرار بنفسها، وأن ذلك سيكون سبب النجاح، وأن كثرة الخطط سواء الخاصة بشركة “ماكنزي” أو غيرها لن تساعد لبنان ما لم تساعد لبنان نفسها.

AFP PHOTO/RAMZI HAIDAR