زيادة احتمالات عودة داعش

عمر تاسبينار

AFP photo

تتفق السياسة مع الحياة، من حيث الأولوية الدائمة للحاجة المُلِحَة وليس الهامة. وتدور التساؤلات الُمِّلحَة حول تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في الآونة الأخيرة وعن مصير آلاف المقاتلين السابقين من الأجانب القابعين في طي النسيان داخل السجون المؤقتة. ومع إحجام الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المسلحين عن إعادتهم إليها، فمن المُتوقع أن تشعر القوات الكردية السورية بالإحباط نتيجة عدم تقدير جهودها، بعد أن اتخذت جميع الإجراءات المناهضة لتلك الطائفة القاتلة، مما جعلها تهدد بالإفراج عن سجناء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” المُحتَجزين لديها. وتلك مشكلة ملحة بالتأكيد، ولابد من الالتفات إليها. بينما تدور الحاجة الأقل إلحاحًا – رغم أنها أكثر أهمية- حول سؤال مختلف تمامًا، وهو: هل ستعود داعش؟

والإجابة باختصار هي، “نعم”. فلا شك في أن الخلافة المزعومة قد مُنيت بالهزيمة على المستوى العسكري. غير أن الهزائم العسكرية نادراً ما تكون مُكافئة للانتصارات الاستراتيجية عندما يتعلق الأمر بمحاربة الجماعات الجهادية. فالقضاء على أيديولوجية الفكر الجهادي العنيف أصعب بكثير من القضاء ماديًا على جنودها. والأهم من ذلك، هو عدم مُعالجة الظروف السياسية والاقتصادية التي أدت إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وقد أخطأ المحللون الغربيون في مبالغتهم للتصور المُروِّع عن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ومن المُؤكد أن نهاية العالم كانت تُمثل هاجسًا لهم. ولكن الأشخاص المسؤولين عن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لم يقضوا جميع أوقاتهم في مناقشة الإيمان بالآخرة، كما أن الاستعداد “للمعركة الحاسمة” لا يفسر سبب قدرتهم على السيطرة على الكثير من المناطق، واكتساب أرضية اجتماعية واقتصادية وسياسية بهذه السرعة. وعند تحليل الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، سنجد أن السبب الرئيسي يتعلق بالسياسة أكثر من الدين.

خلال فترة ما بعد غزو العراق، انفصل أسلاف تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عن تنظيم القاعدة للتركيز على مُخطط طائفي. وأصبحت الأولوية الاستراتيجية هي “العدو القريب” – وخاصة المسلمين الشيعة – بدلاً من “العدو البعيد” والمتمثل الآن في الاحتلال الأمريكي. غير أنهم لم يتمكنوا أبداً من تطبيق تلك الاستراتيجية دون تعزيز الإحساس بمشاعر الضحية بين السُّنة عند انهيار الدولة العراقية. وبدلاً من هاجس نهاية العالم، وقع الغزو الأمريكي للعراق ثم الحرب الأهلية في سوريا التي أصابت السُّنة بصدمة غير مسبوقة وخليط من مشاعر اليأس والاستياء، والتي تبين أنها بيئة مثالية لاستشراء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. وعندما أُتيحت في سوريا مساحات شاسعة من الأراضي غير الخاضعة للحكم، أعاد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، التعريف بنفسه باعتباره مُؤسس دولة، من خلال قدرته على الاستيلاء على تلك المناطق والسيطرة عليها.

اعتمدت أيديولوجية تنظيم داعش في جوهرها دائمًا على الشعور بعدم تمكين أهل السنة. وفي مواجهة ذلك الكابوس الوجودي في بلادهم، اتجه ملايين السنة في العراق وسوريا إلى عشائرهم وقبائلهم وطائفتهم بحثًا عن الحماية والبقاء. وحل التوق إلى إقامة مدينة إسلامية فاضلة ومثالية بالمرتبة الثانية بعد ضرورة بقاء السنة ومنحهم الحماية وأساليب الحكم. وضمن هذا السياق الأوسع، استبدل تنظيم “داعش” دور الضحية بسفك الدماء” ، وفقًا لتعبير خبيرة الإرهاب، علياء الإبراهيمي. فقد صار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مهووسًا بالنقاء الأخلاقي، حيث قتل عشرات الآلاف من السوريين والعراقيين، ومن ضمنهم أعداد كبيرة من إخوانهم من المسلمين السُّنة بتُهمة “الرِدَة”، وخلق ثقافة عنف جذبت انتباه الغرب في نهاية المطاف.

وبصفته مشروع لبناء الدولة، كان من المفترض أن يفشل تنظيم “داعش”. ومع ذلك، فالظروف التي أدت إلى ظهوره – شعور الضحية السنية ودولتان مُفككتان – لا تزال قائمة. وعلى المستوى المحلي، لم تتغير معاناة أهل السنة في كلٍ من العراق وسوريا. وفي الواقع، تتفاقم مشاعر الضحية الطائفية في كلتا الدولتين. ولا تزال القبائل السنية في محافظة الأنبار تعاني من الصدمة، وتنظر إلى دولة العراق على أنها عدو يدعم الميليشيات الشيعية. وتتمثل قوات الأمن الشيعية سيئة السمعة الآن في البرلمان العراقي، بينما دفعت التوقعات المتفاقمة بحدوث مواجهة بين إيران والولايات المتحدة، طهران إلى مزيد من تضييق الخناق على بغداد. ولا يوجد في ذلك ما يُبشر بالخير فيما يتعلق بالسلام في العراق، واستقراره، وسيادة القانون به.

تتعرض المجتمعات السنية في المناطق العراقية المُحررة من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، كالموصل، لدائرة مفرغة من العنف على يد قوات الأمن العراقية، والميليشيات الشيعية العازمة على الانتقام. وتعكس بعض عمليات القتل، مثل إلقاء سجناء “داعش” من أعلى المنحدرات، وكل أنواع أحكام القصاص الوحشية، أساليب تلك الخلافة المزعومة وعنفها. وفي ظل التعذيب المنهجي المُستشري، والأوضاع الفظيعة في معسكرات السجون، والانتهاكات التي لا نهاية لها، تنمو بذور الصراع التالي. حيث صار الجيل الجديد من الجهاديين -الذين وقعوا تحت وطأة الظلم، والمعاناة الشديدة، والشكاوى المشروعة مما يُعانونه – على وشك الظهور. وأصبحت دوافع أهل السنة للتطرف والتجنيد أقوى من أي وقت مضى.

وتلعب قوى مُحركة مُشابهة هذا في سوريا. فلقد عزز نظام الأسد نفوذه ولكن بعد تدمير البلاد تقريبًا. وتستهدف قواته الآن آخر معقل للمقاومة الإسلامية السنية في إدلب. ويقتصر النجاح بالنسبة لنظام الأسد على بقاء النظام نفسه، غير أن الفوز بإدلب قد يعني فقدان سوريا، ولاسيما إذا استمرت الظروف التي أدت لظهور “داعش” دون معالجة. لا يوجد أي انتصار استراتيجي على الجهاديين إذا كانت هزيمتهم عسكريًا لن تنتج سوى مزيد من الصدمات لأهل السنة، وتغذية مشاعر الضحية والتطرف لديهم.

وفي الواقع، توجد بالفعل بعض الإشارات الواضحة التي تدل على عودة مقاتلي داعش مرة أخرى من مخابئهم في الصحراء، كما فعلوا في يوليو/تموز من العام الماضي، عندما ذبحوا أكثر من 200 شخص من طائفة الدروز في السويداء في جنوب غرب سوريا. كما عاود تنظيم داعش الظهور في محافظتي الأنبار ونينوى في العراق، حيث استعادت خلايا التنظيم النائمة هناك الأموال والأسلحة المدفونة في الرمال لزيادة عدد السيارات المُفخخة، وتنفيذ عمليات ليلية في القرى الريفية. وبالطبع، لم يختف المُنتمون لداعش في مصر وليبيا وأفغانستان، كما أنهم ينتشرون في جميع أنحاء المناطق الإسلامية في إفريقيا وشرق آسيا.

وأخيرًا، يستغل تنظيم الدولة الإسلامية أيضًا صعود اليمين المتطرف في الغرب. وإن الإسلاموفوبيا (رُهاب الإسلام) والذي تسبب في هجوم نيوزيلندا يُؤكد صحة رواية الضحايا المسلمين الخاضعين للحصار في الغرب. ويجب أن تقودنا جميع تلك العوامل إلى استنتاج واضح، وهو: أن الشائعات التي تدور حول زوال داعش مبالغ فيها حقًا.

عمر تاسبينار أحد كبار الباحثين في معهد بروكينغز، وأستاذ استراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.