لمحة طريفة عن التبذير السافر في تركيا

الكسندرا دي كرامر

Image courtesy of Adem Altan / AFP

هناك عدد لا يُعد ولا يحصى من الأمثلة لحالات الإنفاق المشكوك فيها لحزب العدالة والتنمية، من حقائب يد بقيمة 50 ألف دولار لسيدة تركيا الأولى إلى شراء الدعم السياسي قبل الانتخابات، ومع ذلك، فلا يوجد دليل أكبر على تهور الحكومة من مدينة الملاهي الفاشلة في العاصمة والمسماة أنكابارك.

حيث تقف اليوم الديناصورات العملاقة المتأكلة في مدينة الأشباح التي تبلغ تكلفتها 801 مليون دولار في شمال أنقرة. وعندما تم افتتاح الحديقة في شهر مارس 2019 كانت أنكابارك المعروف أيضا باسم وردلاند يوراسيا هي أكبر مدينة ملاهي في قارة أوروبا. ويمتد المشروع على مساحة 3.2 مليون فدان مع أكثر من 2100 مركبة، وموقف للسيارات يمكن أن يستوعب 6800 سيارة، وقد أطلق عليها الرئيس رجب طيب أردوغان “رمزا يفتخر به الشعب التركي”.

ولكن بعد مضي يومين فقط من افتتاحها الكبير، تعطلت واحدة من العاب الزلاجات ” رولر كوستر” في الحديقة، مما ترك انطباع سيء في الأسابيع التالية. وكما كتب أحد الزوار على موقع “تربفايزر” بعد ستة أشهر، فإن 20 في المئة من الالعاب لم تعمل ويبدو أن الإدارة لا تهتم بذلك، وقال “لماذا دفعت رسوم دخول بقيمة 75 ليرة ما يساوي (13 دولارا في ذلك الوقت) ؟

وتم إيقاف الحديقة في شهر فبراير 2020، بسبب فاتورة الكهرباء غير المدفوعة والتي بلغت 2.5 مليون ليرة، وتوقفت الحديقة من حينه.

وفي حين أن فشل مشروع الحديقة كان سريعا، إلا أنه كان محكوما عليه بالفشل منذ البداية، حيث أعرب العديد من الخبراء عن قلقهم من موقعه وسعره الباهظ، وقدمت غرفة المهندسين المعماريين في تركيا أكثر من 300 شكوى قانونية لمنع بناء الحديقة، وأشارت تقارير الجدوى إلى أن الموارد المالية لن تكتمل.

“ولكيلا تعلن الحديقة أقلاسها، كانت ستتطلب من 18 مليون زائر سنويا دفع رسوم دخول لا تقل عن 50 ليرة” وقال رئيس غرفة المهندسين المعماريين في أنقرة ” تيزكان كاراكوس كاندان” في فيلم وثائقي لعام 2021. أن 2 مليون زائر هو عدد أكثر من عدد الزوار الذي يزورون “ديزني لاند” وهي المدينة الترفيهية الأكثر زيارة في أوروبا. في عام 2019 زار ما يقرب من نصف مليون سائح أجنبي أنقرة، وكان على السوق المحلية جذب ملايين أخرى من أجل إبقاء الحديقة قيد التشغيل.

ومع ذلك، ظل رئيس بلدية أنقرة آنذاك “مليح جوكجيك” الذي كان يمارس الضغوطات من أجل الحديقة منذ أوائل عام 2000،  ودفع بتغييرات قانونية لتحقيق حلمه،  مقتنعا بأنه يمكن جذب الملايين الزوار،  وظل غوكجيك وحزب العدالة والتنمية ملتزمين بالمشروع حتى نهايته.

وأصبح تجاهل رأي غالبية الشعب، وخاصة في المسائل المالية سمة من سمات حزب العدالة والتنمية. وخلال عهد أردوغان، أضرت مبادرات لا حصر لها بالبيئة بشكل دائم واستنزفت الأموال الوطنية التركية، وواحدة من النفقات الأكثر جنونا في أنكابارك كانت 1.8 مليون دولار للزهور والأشجار البلاستيكية. لكن ذلك لا شيء مقارنة بإنفاق الرئيس المسرف نفسه، فكل يوم، يدفع القصر الرئاسي 10 ملايين ليرة للطعام والتنظيف والملابس وغيرها من الأشياء، وحتى مع تراجع الاقتصاد التركي، ارتفعت فاتورة القصر بشكل مطرد إلى ما يقرب من أربع مليارات ليرة سنويا.

وليست تركيا وحدها من يملك سجل بناء حدائق من دون تخطيط كاف، ففي عام 1998، توقف البناء في أرض العجائب الصينية الواقعة شمال بكين. حيث تم تصميم بلاد العجائب لتكون أكبر مدينة ملاهي في آسيا، لكن نزاعا حول أسعار العقارات أوقف المشروع، كما فشلت محاولة قصيرة لاستئناف البناء في عام 2008، واليوم تم استبدال القلاع الخيالية بمركز تسوق فاخر.

لكن ما يميز حديقة أنكره هو استخدامها كلعبة سياسية للسيطرة على عناوين الصحف قبل الانتخابات المحلية لعام 2019، وتعزيز صورة حزب العدالة والتنمية باعتباره الحزب الوحيد “الذي يعمل” لصالح تركيا، وعندما انهارت الحديقة، تصرف الحزب كما لو أنها لم تكن موجودة أبدا.

وتقف حديقة أنكابارك اليوم كأرض قاحلة حرفيا وسياسيا، وكما جرت العادة مع سياسيي حزب العدالة والتنمية، ألقى غوكجيك باللوم على رئيس بلدية أنقرة الجديد “منصور يافاس” في فشل المشروع. وذهب وزير البيئة والتخطيط الحضري التركي “مراد كوروم” إلى أبعد من ذلك، مدعيا أن فشل الحديقة كان مثالا كلاسيكيا على مخالفات حزب الشعب البليكاني: وبعبارة أخرى، لم تكن أنكابارك هي المشكلة، بل كان حزب الشعب البليكاني.

وكانت تلك الأكاذيب متناغمة مع آليات الدفاع الخاصة بحزب العدالة والتنمية وكيف يلوم قادة الحزب الآخرين ولا يتحملون المسؤولية أنفسهم.

وأصر العمدة “غوكجيك” مرارا وتكرارا خلال حملته التي استمرت عقودا للترويج لحديقة أنكابارك، على أن المشروع كان “ثاني أكبر مشروع تموله الدولة في تاريخ البلاد”، وإذا كان ذلك صحيحا، فماذا كانت مكاسب حزب العدالة والتنمية من ذلك المشروع؟ ولماذا تم إنفاق الملايين  على مدينة ملاهي في حين كان من الممكن استخدام تلك الأموال في قضايا أكثر أهمية، مثل بناء منازل لفقراء تركيا أو مساعدة الآلاف من الطلاب على الحصول على التعليم مجانا؟

حتى توفير خدمات الأنابيب الأساسية كان سيكون استخداما أكثر حكمة للمال، وكان يمكن حل مشاكل البنية التحتية في أنقرة، وخاصة توزيع المياه، بمبلغ 600 مليون دولار. وبدلا من ذلك جفت صنابير المدينة بينما تصدأ الروبوتات والديناصورات والزهور البلاستيكية التي بلغت قيمتها 801 مليون دولار تحت الشمس.

فماذا يخبرنا كل ذلك عن حزب العدالة والتنمية في عام 2022؟ وكما هو الحال مع جميع المشاريع المعلقة والمكتملة تقريبا خلال حكم الحزب، أثارت حديقة أنكبارك انتقادات من أولئك الذين يعتقدون أنها كانت مخططا قائم على الفساد ووسيلة لتوجيه الأموال العامة إلى جيوب رجال الأعمال التابعين لحزب العدالة والتنمية ومعاونيهم.

إن هيكل الحديقة المتهاوي هو رمز للإرث الاقتصادي لحزب العدالة والتنمية، وهو إرث مليء بالقرارات قصيرة الأجل التي تعود بالنفع لصالح الحزب، ومع تدهور الوضع الاقتصادي في تركيا، من المهم أن نتذكر أن الوضع المتأزم اقتصاديا والذي تعيشه البلاد اليوم كان بفضل قرارات الماضي غير المدروسة.

 

ألكسندرا دي كرامر: صحفية مقيمة في اسطنبول، وكتبت عن الربيع العربي من بيروت كمراسلة من الشرق الأوسط لصحيفة ميليت. وتتراوح أعمالها من الشؤون الحالية إلى الثقافة وقد ظهرت في مونوكل ومجلة كوريير  وميزون فرانسيز  واسطنبول آرت نيوز.