رجل إنجليزي يكتشف جذوره في شرق أفريقيا

جوناثان جرونال

AFP Photo: Matt Winkelmeyer /Getty Images

من أنا؟، إنه سؤال نادرًا ما نطرحه على أنفسنا، ولكنني اضطررت لطرحه هذا الأسبوع بسبب مصادفة غريبة.

في الصيف الماضي، أجريت تحليلًا للحامض النووي الخاص بي “DNA”، كجزء من البحث الذي أعكف عليه لتأليف كتاب عن احتلال الفايكنج لإنجلترا خلال الفترة القرنين التاسع والثاني عشر. تنحدر عائلة والدي من أحد أجزاء المملكة المتحدة، والذي كان مُكتظًا بالغزاة الذين صاروا مستوطنين فيما بعد. وأردت أن أعرف ما إذا كانت شفرتي الوراثية تحتوي على الحمض النووي الإسكندنافي.

حسنًا، إنها كذلك، بالإضافة إلى الجانب البريطاني والفرنسي والألماني الذين هيمنوا على جزء كبير من جيناتي ، كما هو مُتَوَقَّع، مع قدر بسيط من الجينات الإسبانية والبرتغالية، واكتشفت أنني إسكندنافي بنسبة “12,1%”. لعل ذلك يفسر ولعي بشركة “إيكيا”.

ورغم أن نتيجة تحليل “DNA” كانت مثيرة للاهتمام، غير أن الأمر الأكثر إثارة للتفكير كان رسالة البريد الإلكتروني الواردة هذا الأسبوع من شركة الجينوم 23andme، ويحمل عنوان موضوعها سطرًا واحدًا وهو، “نوصي بالاطلاع على أحد تقاريرك غير المقروءة”.

كنت قد قرأت للتو الأخبار المتعلقة بالكارثة الأخيرة التي حلت بالمهاجرين الذين كانوا يحاولون العثور على حياة جديدة بعيدة عن ويلات الحرب والجوع والفقر. وفي طقس عاصف، انطلق عشرون “20” شخصًا من أحد شواطئ فرنسا في السابع والعشرين “27” من أكتوبر/تشرين الأول لعبور القنال الإنجليزي على متن قارب غير ملائم على الإطلاق. وعندما غرق القارب، تم إنقاذ خمسة عشر “15” شخصًا، وانتشال أربع جثث من المياه، وهم- رسول إيران – نجاد، 35 سنة، و”شيفا محمد بناهي”، 35 سنة، و”أنيتا”، 9 سنوات، و”أرمين”، ست سنوات. كان الرضيع “أرتين” مفقودًا، ولكن، وبعد مرور خمس سنوات على وفاة آلان الكردي، تجرف الأمواج جثة طفل صغير آخر إلى أحد الشواطئ الأوروبية.

كنت مُتلهفًا للهروب من التأثير المُرعب لهذا الخبر، فقمت بالنقر فوق الرابط الخاص بتقرير الحمض النووي الذي لم أقرأه، وقرأت الرسالة المُفاجئة التالية: “إنك تنحدر من سلسلة طويلة من النساء اللاتي قد تعود أصولهن إلى شرق أفريقيا”.

وعندما يتعلق الأمر بمعرفة جذورنا، يكتفي معظمنا بآخر حلقة في سلسلة جذوره– وتتمثل “هويتنا” في جواز السفر، والأعلام التي ترفرف فوق البلد التي ولدنا بها، والملامح المُميزة والمُتقاربة التي تجمعنا بأفراد عائلتنا والمجتمعات الأوسع نِطاقًا.

فيما عدا ذلك، فإننا نتعامل مع جذورنا على أساس من الثقة، على الرغم من أن التاريخ يعلمنا أن القوميات التي ترتكز عليها هوياتنا، والتي يتشبث بها الكثيرون بقوة لاستبعاد الآخرين منها، لا تزيد عن كونها مُجرد مُقومات سياسية مُلائمة.

فالجزء “البريطاني” مني، على سبيل المثال، هو مزيج من الأصول غير المعترف بها باعتبارها مُتعلقة بهويتي، وترتبط على سبيل المُجاملة بالرومان، والإنجليز، والساكسونيين، والفايكنج والنورمانديين الذين عاشوا على هذه الأرض، تاركين بصماتهم على جيناتي.

هذا هو تاريخي. وبعد قراءة التقرير الوارد من شركة 23andme، اكتشفت جذوري التي تعود لعصور ما قبل التاريخ.

تتكون معظم جيناتنا الوراثية من أزواج من الكروموسومات التي تتغير أماكنها من جيل إلى جيل. ومع ذلك، فالحمض النووي للميتوكوندريا، والذي ينتقل من الأمهات إلى أطفالهن، يظل ثابتًا في مكانه، الأمر الذي يُتيح إمكانية تتبع أصول الأجداد على مدى عشرات الآلاف من السنين.

يُحدَّد مسار الجين بواسطة العلامات الجينية للمجموعات العِرقية، وهي عائلات السلالات التي تنحدر من سلف مشترك. ومثل جميع الأشخاص الأحياء اليوم، تعود جذوري العميقة إلى المجموعة العِرقية “هابلوغروب L”، وهي سلالة يعود منشأها إلى امرأة عزباء عاشت في شرق أفريقيا قبل 150 أو 200 ألف سنة.

ينحدر فرع مجموعة “الهابلوغروب L” الخاص بي، “L3″، من امرأة عاشت لاحقَا في شرق أفريقيا فيما بعد منذ ما يقرب من 60000 أو 70000 سنة.

وفي مرحلة ما، أصبح أحفادها المُنحدرون من نسلها مهاجرين، وعبروا من أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية، إما عبر شبه جزيرة سيناء أو عبر البحر الأحمر باستخدام القوارب، ربما عند المضيق الضيق بين اليمن وجيبوتي حاليًا – وهي قناة مائية يبلغ عرضها تقريبًا عرض القناة الإنجليزية عند أضيق نقطة لها.

أدى الكروموسوم L3 بدوره إلى ظهور مجموعة “هابلوغروب W”، والتي يُعتَقَد أن أصلها يعود إلى امرأة عاشت في الشرق الأوسط منذ ما يقرب من 20000 سنة. ومن الناحية الجينية، تلك هي مجموعة جينات “هابلوغروب” الخاصة بي من جهة الأم. ومع مرور الوقت، انتشر أحفاد تلك المرأة من شبه الجزيرة العربية، متجهين شرقًا عبر بلاد ما بين النهرين إلى إيران والهند، ومن الشمال عبر القوقاز إلى روسيا وأوروبا.

واليوم، تنتشر مجموعة “هابلوغروب W” بكثرة في الشرق الأوسط وجنوب وسط آسيا، ولاسيما بين الشعب السندي في جنوب باكستان، وفي شمال غرب الهند، وبين الأكراد والشعب المزندراني في شمال إيران. ووفقًا لشركة 23andMe، “تنتشر مجموعة “هابلوغروب w” بمستويات مُنخفضة في أنحاء أوراسيا، وتوجد بنسب تقل عن 10% في آسيا الوسطى، بامتداد الساحل الأطلسي لأوروبا وفنلندا”.

عُدت بذهني متذكرًا آخر مجموعة من المهاجرين الذين غرقوا في القناة، بعد أن خاطروا بحياتهم وفقدوها لمجرد أنهم أرادوا أن يكونوا مثلي – أو يعيشوا حياتهم على الأقل وينعموا بجميع المزايا التي أستمتع بها. وللعلم، كان أولئك المهاجرون من إيران، ولكن لا يزال هناك سيل مُستمر من اليائسين الذين يشقون طريقهم إلى القناة من جميع أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وعلى الرغم من المآسي، لا تزال أبواب أوروبا مغلقة بإحكام، حيث ترفض السلطات في بريطانيا قبول طلبات اللجوء من الخارج، ولم تترك لأولئك الذين يأملون في بدء حياة جديدة هناك أي خيار سوى المخاطرة بوقوع كارثة أثناء سعيهم لتحقيق أحلامهم. أما عن أولئك المُصممين على إبقاء المهاجرين خارج البلاد، لدرجة تبدو للعيان أنهم يعتبرون غرق أطفال الآخرين تكلفة مقبولة للقيام بذلك، فهم أناس “آخرون” – إنهم “ليسوا” جزءًا “منا”.

ويمكننا أن نتعلم القليل من تاريخنا، بخلاف حقيقة أن التاريخ غالبًا ما يكون معيبًا أو يسهل التلاعب به. ولكن تظل حقيقة تاريخنا مُسجَّلة ومحفوظة بأمان في حمضنا النووي، مُلقنة إيانا درسًا وهو: أنه لا يوجد “هم” و”نحن”، بل “نحن أصلنا واحد”.

 

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.