أمريكا فتحت الباب لحكم طالبان في أفغانستان

فيصل اليافعي

AFP Photo: Giuseppe Cacace

بعد مرور أكثر من عام على المحادثات التي بدأت في قطر، قامت الولايات المتحدة وأفغانستان بالتوقيع على اتفاقية لإحلال السلام في هذا البلد البائس، وقد تعهدت حركة طالبان بقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة الأخرى، وفي مقابل ذلك ستقوم الولايات المتحدة بسحب قواتها من أفغانستان بحلول الصيف القادم، لكن وقبل أن يجف الحبر الذي استُخدِم في توقيع تلك الاتفاقية فقد باتت على المحك.

أولًا، أعلنت الحكومة الأفغانية أن الوعد بإطلاق سراح خمسة آلاف من أسرى طالبان هو محل تفاوض بين طالبان وكابول وليس الولايات المتحدة، وبعد ذلك حدث الهجوم الذي وقع باستخدام قنبلة في شرق أفغانستان، والذي وضع حدًا لهدنة مر عليها أسبوع.

وحاولت الولايات المتحدة التقليل من أهمية الأمر عبر تصريحات الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، الذي قال إن العنف في أفغانستان لن ينتهي بصورة مطلقة.

وبالطبع فإن الولايات المتحدة لا تريد لأي شيء أن يُفسِد صورة تلك الاتفاقية باعتبارها نجاحًا قد تحقّق، والانسحاب من أفغانستان يعُد بمثابة جائزة سياسية كبرى، وفي العام الذي تجرى فيه الانتخابات الأمريكية من الممكن للرئيس دونالد ترامب القول إنه قد أوفى بوعده – وأنه قد نجح في إعادة أفراد الجيش الأمريكي رجالًا ونساءًا من أفغانستان، لكن كيفية عودة هؤلاء الجنود من أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، ووضع الدولة التي سيتم الانسحاب منها، هل يمكن اعتبار تلك الأمور ذات أهمية ثانوية؟.

واتفاقية السلام تلك لن تجلب السلام لأفغانستان فهي مجرد سراب، ولن تؤدي لجعل أفغانستان مكان آمن، والواقع أن الولايات المتحدة قد فتحت الباب لطالبان من أجل تحقيق النصر بشكل نهائي.

ومنذ اللحظات الأولى لهذا الصراع كان لدى طالبان ميزة استراتيجية كبرى: ألا وهي الصبر، وهُم يعرفون كيف يستمرون في حرب لسنوات طويلة لأنهم في وطنهم أفغانستان، وقد نجحت طالبان في بسط نفوذها بعد أن مر عليها 20 عامًا وثلاثة رؤساء للولايات المتحدة، والواقع أن كل خطأ ارتكبه الغرب وكل مدني قُتِل في تلك الحرب وكل خطأ ارتُكِب أثناء القصف الجوي وكل مرة بقيت فيها حكومة كابول صامتة، قد أدّى إلى تصاعُد قوة حركة طالبان.

وفي النهاية وصلت تلك الحرب إلى طريق مسدود، ولم يستطع أي طرف تحقيق النصر بشكل تام، لكن وبينما انتقلت أطراف النزاع من ميدان المعركة إلى طاولة المفاوضات، فقد أثبتت طالبان مهارة فائقة في الوصول إلى ما تريد، وتمثّل الثمن الذي دفعته مقابل ذلك في الصبر، مجرد الصبر.

وفي البداية رفض الأمريكان الدخول في مفاوضات مباشرة مع حركة طالبان، ثم بعد ذلك طلبوا قيام طالبان بالتفاوض معهم ومع الحكومة الأفغانية في ذات الوقت، ثم نزعت الولايات المتحدة إلى فكرة وقف إطلاق النار، والآن فإن القوات الأمريكية تغادر أفغانستان مع أسلحتها، كل ذلك مقابل ورقة تحدد طبيعة العلاقة مع الحكومة الأفغانية في المستقبل، في وقت باتت فيه حركة طالبان أقوى من أي وقت منذ العام 2001 وحتى الآن، وهناك كلمة واحدة تفسر الوضع وماذا يحدث، لكن لن ينطق بها أحد.

وعبر مغادرتها دون الوصول لاتفاق سياسي راسخ وحتى بدون خطة قابلة للتنفيذ، فقد منحت الولايات المتحدة لحركة طالبان جائزتين ثمينتين، الأولى هي الانتصار الدعائي؛ فقد بات بمقدور حركة طالبان الآن التفاخُر بأنها نجحت في طرد القوات الأجنبية من البلاد والثانية هي أن رحيل تلك القوات الأجنبية سيترك الحكومة الأفغانية في موقف ضعف إلى حد كبير، فقد كان حضور الولايات المتحدة يمنح حكومة كابول القوة والنفوذ، والآن فإن طالبان ستذهب للتفاوض مع الحكومة الأفغانية باعتبارها (أي طالبان) الطرف الأقوى.

ومما لا شك فيه أن حركة طالبان ستحصل على العديد من المميزات، على الأقل لأن الحركة لا نية لديها للتعامل مع حكومة كابول كشريك أو حليف أو حتى خصمًا سياسيًا تقليديًا، وعلى العكس فقد أعلنت حركة طالبان أن لا نية لديها في استهداف القوات الأجنبية بل استهداف الحكومة الأفغانية حتى تنهار، وقد أدّى اتفاق السلام إلى تعرُض الإدارة في كابول لخطر بالغ.

وتلك الامتيازات التي حصلت عليها طالبان ستشمل بلا شك تقاسُم السُلطة، حيث أن تلك الجزئية كانت القاسم المشترك في جميع المحادثات السابقة لكن هناك قضايا أخرى غاية في الأهمية مثل مصير اللاجئين ونزع السلاح وإطلاق سراح الأسرى (تلك القضية في حد ذاتها تعُد بمثابة حجر عثرة) وإمكانية العفو عمن قاموا بارتكاب جرائم على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، وفوق كل هذا هناك المخاوف من سعي طالبان من أجل القصاص من هؤلاء الذين تحالفوا مع الغرب، وقد سرت تلك المخاوف حتى قبل أن يبدأ الطرفان في التطرُق إلى التفاصيل الخاصة بتقاسُم السُلطة.

والواقع أن أفغانستان بلد معقد وتوجد به اختلافات إثنية ودينية وجغرافية، وجميع تلك الاختلافات بحاجة إلى أن يتم استيعابها في حكومة المستقبل وتلك المفاوضات من الممكن أن تستمر لسنوات وتستمر معها العمليات المسلحة لحركة طالبان، وهناك فرصة ذهبية أمام حركة طالبان تتمثّل في أن تلك المفاوضات من الممكن أن تستمر لمدة طويلة وبحيث لن تكون هناك حكومة أفغانية في النهاية يمكن التفاوض معها.

وهذا السيناريو بالتحديد هو ما يخشاه الكثير من الأفغان.

وربما يبدو أعضاء طالبان في صورة مقاتلي الحرية الذين يكافحون ضد الدخلاء الأجانب لكنهم بالطبع ليسوا كذلك، ولو عادت طالبان إلى الحكم فإن الملايين من الأفغان سيصطدمون بالحقيقة القاسية والتي شهدها هؤلاء أثناء فترة حكم طالبان في التسعينات من القرن الماضي.

وبما أنها تعي ذلك جيدًا، فقد سعت طالبان خلال السنوات الأخيرة إلى تحسين صورتها، وقال المتحدث باسم طالبان منذ عامين إن “عودتنا لن تكون بتلك الصورة القاسية كما كان الأمر في العام 1996”.

لكن إذا كانت القوة الوحيدة التي تستطيع الوقوف بوجه طالبان تقبع على مسافة 15 ألف كم فستكون الشكوك هنا لها ما يبررها. وفي النهاية فإن طالبان لن تتحرك صوب العاصمة كابول كما فعلت في سبتمبر من العام 1996، ولن تقوم الحركة بمنع النساء من الذهاب إلى العمل والمدارس والجامعات كما فعلت في نهاية سبتمبر من العام 1996، وبدلًا من ذلك فإن تأثير الحركة سوف يتعاظم بشكل تدريجي كما سيتسم بالغدر، وسيكون الأمر عبارة عن حرب عصابات تحت غطاء العمل السياسي.

وهذا هو ما أفضى إليه اتفاق السلام، وبعد مرور 20 عامًا من الحرب باتت هدية الوداع التي تتركها الولايات المتحدة للجيل الجديد من الشعب الأفغاني تتمثّل في تمهيد الطريق لحقبة جديدة من حكم طالبان.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.