القطيعة بين الجزائر والمغرب مصدر انشغال جدي في المغرب العربي

أسامة رمضاني

AFP photo: Fadel Senna

عندما وجه أكثر من مائة مثقف من المغرب العربي مؤخرا “نداء إلى التعقل” لكل من الجزائر والمغرب بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما فقد كان نداؤهم انعكاسا للقلق المتزايد في المنطقة منذ قررت الجزائر قطع علاقاتها مع الرباط. وإن كان أغلبية الخبراء لا يرون خطر مواجهة عسكرية في الأفق فإنهم يخشون من الانعكاسات السلبية لتدهور العلاقات بين الجزائر والمملكة المغربية. فالقطيعة لن تضر فقط بمصالح البلدين المتنازعين بل من المحتمل أن تكون لها ارتدادات على كامل شمال إفريقيا حيث تواجه البلدان خطر عدم الاستقرار وتخوض معركة من أجل الاصلاح الاقتصادي ومواجهة تنامي التطرف.

وفي المحيط الجغرافي الأوسع قد تعرقل القطيعة بين أكبر بلدين في المغرب العربي التعاون مع الغرب وإفريقيا وفي مجال مقاومة موجات الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط إلى أوروبا.

على مدى السنين، أظهر قطع العلاقات تصعيدا مستمرا إزاء القضايا الخلافية دون التوصل إلى حلول سريعة.
دب الخلاف حول الحدود بين البلدين منذ 1963 مباشرة بعد استقلال الجزائر من فرنسا وتسببت حرب الرمال وقتها في مئات القتلى. ومنذ ذلك الحين، تواصلت الأزمات الحادة دون توقف. وإذ حصلت أول قطيعة دبلوماسية سنة 1976 فإن استئناف العلاقات لم يتم قبل 12 عاما. ولا أحد يعرف اليوم كم ستدوم القطيعة الدبلوماسية الجديدة أو متى سيعاد فتح الحدود بين البلدين التي أغلقتها الجزائر سنة 1994.

وتبقى أعوص مشكلة خلافية هي النزاع المتواصل منذ حوالي 46 عاما حول الصحراء الغربية. هذا النزاع يضع المغرب التي تعتبر الأراضي الشاسعة للمستعمرة الاسبانية السابقة جزءا من سيادتها الترابية في مواجهة مع جبهة البوليساريو المدعومة من قبل الجزائر والتي تنادي بإقامة دولة مستقلة على نفس الأرض المتنازع عليها. وزاد النزاع توترا في الفترة الأخيرة بعدما أعلنت جبهة البوليساريو السنة الماضية أنها في حل من اتفاقية وقف إطلاق النار التي تم التوصل اليها بعد مفاوضات برعاية أممية.

وأخذ الخلاف منعرجا جديدا بعد اعتراف إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. ولم تستسغ الجزائر القرار الأمريكي خاصة وأنه كان مقرونا باتفاق لتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل. وزاد في إزعاج الجزائر أن إدارة ترامب، بعكس بعض التوقعات لم تتراجع عن قرار الاعتراف الذي اتخذته إدارة الجمهوريين. و اعتبرت الجزائر العلاقات الناشئة بين المغرب وإسرائيل تهديدا لها ووجدت ذخيرة إضافية لتعزيز موقفها في تصريحات وزير خارجية إسرائيل يايير لابيد خلال زيارة أداها للمغرب في أغسطس الماضي و أعرب فيها عن انشغاله “للتقارب المتزايد” بين الجزائر وإيران.

ودفعت الحرائق التي اجتاحت مناطق جبلية في الجزائر الصيف الماضي إلى انهيار العلاقات بين البلدين بعدما اتهمت السلطات الجزائرية حركة انفصالية في منطقة القبائل بالتورط في الحرائق بمساعدة المغرب، وإن كانت الجزائر لم تقدم أي دليل على ذلك.

ولكن هناك جذور أعمق للخلافات بين البلدين حتى بدون الأحداث الأخيرة.

فالمنافسة الشرسة بين البلدين من أجل النفوذ في شمال إفريقيا لم تتوقف أبدا ولم تبد أي من الدولتين استعدادا للقبول بسيطرة البلد الآخر. علاوة على ذلك فصلت بين البلدين رؤى متنافرة وتحالفات متباينة إضافة للاستفزازات المتبادلة. ومنذ الاستقلال اختارت كل بلاد تحالفات ومعسكرات مختلفة. وإذ تقيم الجزائر اليوم علاقات طيبة مع أوروبا وأمريكا على أساس المصالح المشتركة في الأمن والطاقة فإنها تحافظ على وشائج استراتيجية مع روسيا. وهي وإن تشترك في الرؤى مع تركيا وقطر تجاه عدة مسائل إقليمية مثل الأزمة الليبية فإن المغرب ذات العلاقات الراسخة مع الغرب منذ الاستقلال قد اقتربت في تعاونها بشكل أكبر مع السعودية والإمارات.

وعلى صعيد آخر فإن الجزائر واجهت خلال السنوات الأخيرة بشكل أكبر من المغرب حالة من عدم الاستقرار السياسي خاصة خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي حكم البلاد مدة عقدين إلى حين تمت إزاحته من السلطة سنة 2019 تحت ضغط الحراك الشعبي.

وقد أدت تلك من حكم بوتفليقة، الذي توفي في أواخر الأسبوع الماضي، إلى إنهاك الجزائر داخليا وإضعاف موقفها إقليميا في نفس الوقت الذي حققت فيه المغرب أكثر من خرق دبلوماسي بعد أن التحقت مجددا بصفوف الاتحاد الإفريقي سنة 2017 وكثفت من تحركها تعزيزا لمصالحها على الساحة الإفريقية. وأصبحت المغرب أكبر مستثمر في إفريقيا الغربية وثاني مستثمر في كامل القارة. وليس مفاجئا إن كان الرئيس الجزائري تبون يدعو منذ ارتقائه لسدة السلطة إلى “عودة الجزائر” الى الساحة.

وكنتيجة للتوترات الجزائرية المغربية المستمرة فقد هوى حلم الاندماج المغاربي. ومنذ الإمضاء على اتفاقية مراكش التي أنشئ بمقتضاها اتحاد المغرب العربي ابتعدت آفاق الوحدة المغاربية أكثر من أي وقت مضى. ولا يزال المغرب العربي أقل مناطق العالم اندماجا من الناحية الاقتصادية، إذ لا تتجاوز نسبة التبادل التجاري بين بلدانه 3%. ولم يعقد الاتحاد ولو اجتماعا وزاريا واحدا منذ 2017. وقد زاد التصعيد في الخلاف الجزائري المغربي في الانطباع السائد بعدم الاستقرار في منطقة المغرب العربي حيث تواجه تونس وليبيا أزمتين داخليتين عميقتين.

ويخشى البعض في أوروبا من أن يؤدي التصعيد في التوتر بين الجزائر والمغرب إلى تعطيل التعاون المتوسطي حول قضايا حيوية مثل الإرهاب والطاقة والهجرة غير الشرعية. وقد امتدت بعد تداعيات الخلاف بين البلدين إلى أوروبا بعد أن لمحت الجزائر إلى احتمال وقف صادرات الغاز عبر الأنبوب الرابط بين الجزائر واسبانيا مرورا بالتراب المغربي. وهي تسعي للتعويض ولو جزئيا عن النقص المحتمل في صادرات الغاز الذي قد ينتج عن ذلك عبر أنبوب “مادغاز” الذي يربط الجزائر بإسبانيا.

من ناحية أخرى يشعر الأوروبيون بالقلق بخصوص إمكانية زعزعة الاستقرار الاقليمي نتيجة الوضع الأمني المتدهور في منطقة الساحل والصحراء وتصاعد التهديد الإرهابي الذي يتزامن مع مؤشرات عن نية فرنسا التخفيض من وجودها العسكري هناك. إضافة إلى ذلك، تجد بلدان غربي إفريقيا نفسها في موقف غير مريح إذ تواجه صعوبة في الحفاظ على شكل من أشكال الحياد في الخلاف بين البلدين.

وليس من الأكيد إن كانت أوروبا قادرة أو راغبة في المساعدة على التخفيض من حدة التوتر بين الجزائر والمغرب. وأصبحت محاولات الوساطة غير محتملة بعد تصريح وزير الخارجية الجزائري بأن قرار قطع العلاقات مع المغرب قرار سيادي لا رجعة فيه. وتشكل المصاريف العسكرية بالنسبة للبلدين عبئا كبيرا اعتبارا لتبعات نزاع الصحراء الغربية وحالة انعدام الثقة السائدة بشكل عام.

في الأثناء، لن يستطيع المغرب العربي تحقيق انطلاقة حقيقية ما لم يتوصل أكبر بلدين في المنطقة الى شكل من أشكال التوافق يجعلهما ينأيان بنفسيهما عن المعادلة الاستراتيجية التي تجعل أي إنجاز يحققه أحد البلدين بمثابة الخسارة للآخر.