انتصار الأسد في الانتخابات يعُد سببًا مثاليًا لعودة اللاجئين السوريين

فيصل اليافعي

AFP Photo: Louai Beshara

حينما صدر بيان مشترك في مساء الخامس والعشرين من مايو باسم وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا بالإضافة إلى ثلاث دول أوربية كبرى؛ يعلنون فيه أن الانتخابات المقرر لها اليوم التالي في سوريا “لن تكون حرة أو نزيهة”؛ بدا وكأن هذا البيان بديهيًا للغاية، وإعلان الانتصار الذي صدر من دمشق هو الآخر لم يكن ضروريًا، وحصول الأسد على فترة رئاسية جديدة كان أمرًا متوقّعًا لكنه كان أيضًا شديد الأهمية، ولو كانت مسألة حصول الأسد على فترة رئاسية جديدة تبلغ 7 سنوات أمرًا عاديًا بالنسبة للسوريين؛ فإن تلك المسألة بالنسبة لدول أخرى تعُد فرصة للتغيير: خاصة وأن فوز الأسد يعُد بمثابة حجة قوية لعودة اللاجئين.

وعملية عودة اللاجئين بدأت بالفعل، فخلال الشهر الماضي كانت الدنمارك أول دولة أوربية تعمل على إلغاء حقوق الإقامة للاجئين السوريين، وسوف يتبعها المزيد من الدول، والسبب في ذلك كما أعلنت الدنمارك هو أن الأوضاع في سوريا قد بدأت في التحسُن بصورة هائلة.

والحجة التي ساقتها الدنمارك لإعادة اللاجئين تجعلنا ننظر إلى الأمن بمفهومه الضيق، فالسلطات الدنماركية قامت بإلغاء تصاريح الإقامة فقط لهؤلاء الذين كانوا يعيشون داخل مدينة دمشق أو حولها؛ وهي المناطق الت خفّت بها حدة القتال على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، وما كانت تعنيه الحكومة الدنماركية لم يكن “الأمن” ولكن “الاستقرار” – ومسألة حصول النظام على 7 سنوات إضافية ستكون حجة قوية لتلك الدول من شمال أوربا حتى البحر المتوسط؛ تلك الدول التي ترجو استخدام ذريعة عودة الاستقرار مجددًا؛ مما يعني بالتبعية أن اللاجئين السوريين قد بات عليهم أن يعودوا إلى الوطن.

ويعود سبب انخفاض حدة القتال في المناطق المحيطة بدمشق إلى قيام النظام بتدمير تلك المناطق؛ وذلك بغرض حماية مركز قوته، ولنا أن نتذكّر أن – حصار الغوطة – الذي استمر 5 سنوات ووصفته الأمم المتحدة بأطول حصار في التاريخ الحديث؛ أخذ مكانه خارج العاصمة دمشق.

والمنطقة المحيطة بدمشق تتمتع بالأمن لأن النظام عمل على تدمير المعارضة بصورة وحشية في تلك المنطقة.

وقد فعل النظام في المناطق المحيطة بدمشق ما فعله بباقي الأراضي السورية؛ كما أنه يظل مستعدًا لأن يفعل ذلك مجددًا.

ولهذا فإن مصطلح “الأمن” يعُد مصطلحًا مطاطًا يقبل التفسير على عدة أوجه، فمن ناحية فإن أي لاجئ يقوم بالعودة سوف يتعرّض للاستجواب من النظام على أقل تقدير، ومسألة فرار هؤلاء اللاجئين من البلاد كفيلة بتعريضهم للشك من قِبل النظام، وهناك خشية على هؤلاء اللاجئين إذا ما عادوا للوطن أن يكونوا عُرضة للاعتقال العشوائي أو ما هو أسوأ من ذلك، ويخشى السوريون من أنه ومع حصول الأسد على فترة رئاسية جديدة ستقوم المزيد من الدول على الأقل؛ بإعلان بعض المناطق السورية باعتبارها “آمنة”؛ ومن ثم أن تقوم تلك الدول بإعادة اللاجئين السوريين لديها.

وهناك دول شمالية أخرى بدأت بالفعل العمل في هذا الاتجاه، وهناك السويد التي تستضيف عددًا يبلغ ستة أضعاف اللاجئين السوريين لدى الدنمارك؛ فقد أعلنت السويد في البداية جميع المناطق السورية مناطق غير آمنة، ومن ثم سمحت للاجئين من جميع الأراضي السورية بالقدوم إلى السويد.

لكن في العام 2019 تغيّرت تلك التقييمات وتم إعلان بعض المناطق السورية باعتبارها آمنة، وبشكل حاسم فإن العديد من تلك المناطق التي تم إعلانها آمنة تخضع لسيطرة نظام الأسد بما فيها دمشق واللاذقية؛ تلك المناطق التي تعُد من أهم مراكز قوة النظام، والسويد لم تحاول بعد إلغاء الإقامة بالنسبة للاجئين لكن السوريين يخشون من أن المسألة مجرد وقت.

وليست الدول الأوربية وحدها التي ترى في انتصار الأسد فرصة لعودة اللاجئين السوريين، ومن أصل جميع دول الشرق الأوسط التي تستضيف لاجئين سوريين؛ لا يوجد دولة واحدة أعلن ساستها معارضتهم لوجود اللاجئين السوريين مثل لبنان، وقد قام جبران باسيل الذي تولّى منصب وزير الخارجية حتى العام الماضي وصهر الرئيس اللبناني؛ قام بشن حملة عامة ضد وجود اللاجئين السوريين لسنوات، حيث ادّعى باسيل أن أغلب هؤلاء السوريين أتوا إلى لبنان من أجل العمل؛ كما اقترح إعادة مئات الآلاف من هؤلاء اللاجئين إلى وطنهم، وحصول الأسد على فترة رئاسية جديدة سيدعم هذا التوجه الذي يتبناه جبران باسيل.

كما أن فوز الأسد سيؤدي إلى تسليط الضوء على محاولات إعادة كتابة الدستور السوري، ومن ثم ستكون هناك نداءات من أجل بحث جميع الأسس الخاصة بالوساطة الدولية بجنيف، وعملية جنيف للسلام لا زالت ترتكز على فرضية مؤداها أنه من الممكن لممثلين عن النظام السوري والمعارضة والمجتمع المدني التوافق على دستور جديد، مما يفتح الطريق أمام فترة انتقالية بدون نظام الأسد ومن ثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وعلى مدار 6 سنوات منذ الإعلان عن خطة جنيف؛ أدت الانتصارات العسكرية التي حققها النظام إلى خفض سقف التوقعات بالدخول في فترة انتقالية، حتى أنه في أواخر فبراير الماضي حين اجتمعت لجنة جنيف لآخر مرة؛ بلغ منتهى التوقعات وضع دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وتلك الجولة الأخيرة من المحادثات انتهت إلى الفشل، فقد استمر ممثلي الحكومة السورية في وضع العراقيل مدركين أن رياح الحرب لم تعُد قوية، مما جعل المجتمع الدولي بالتبعية يمتلك القليل من النفوذ، وقد أدلى المبعوث الأممي جير بيدرسون بتصريحات للصحافة في فبراير؛ حيث أعلن غاضبًا أن “تلك اللجنة ليست للمناقشات، إننا (لن نستطيع) الاستمرار في تلك المناقشات للأبد”.

وتلك هي عين الحقيقة، والواقع أنه مع النصر الذي حققه الأسد وحصوله على فترة رئاسية جديدة مدتها 7 سنوات فإن تلك المحادثات باتت في الغالب محكوم عليها بالفشل.

وقد كان من المُفترض في الدستور الجديد أن يكون مقدمة لإجراء انتخابات وليس مجرد إجراء لا فائدة منه، واليوم فقد جرت تلك الانتخابات دون أن تتم إعادة كتابة الدستور – وهذا يعني أنه إذا لم تستمر تلك اللجان في الاجتماع على مدار الأعوام السبعة المقبلة فإن تلك العملية ستصبح إلى زوال.

ومسألة استمرار هذا النظام المريض بجنون العظمة لسبع سنوات أخرى لن تعني سوى جلب المزيد من القلق لهؤلاء الفارين من سوريا، والذين يخشون من العودة إلى المدن التي باتت “آمنة” بعد الحرب التي شنها النظام، والنظام الذي يحكم عبر التخويف سيظل قادرًا على إرهاب حتى هؤلاء الذين يعيشون في المنفى.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.