بعد هجوم بيتسبرغ على اليهود أن يتحدوا مع المسلمين والأقليات الأخرى لأن العنصرية ضد مجموعة واحدة لها تداعيات على جميع الأقليات

جوزيف دانا

في القرن السابع عشر في أمستردام، اتخذت الطائفة اليهودية في المدينة خطوة غير مسبوقة فطالبت السلطات البلدية بوقف الهجرة اليهودية حيث دفعت المذابح المنظمة ضد اليهود في الشرق موجات من اللاجئين اليهود إلى لللجوء في مدن مثل أمستردام.لكن الجالية اليهودية في مدينة أمستردام وهي أكثر مدن أوروبا ازدهارًا لم ترغب في زعزعة الوضع الراهن.

كان مجتمع أمستردام اليهودي يتكون معظمه من المهاجرين البرتغاليين وكان من الأكثر أمناً وازدهاراً في العالم في ذلك الوقت. بعد هروبهم من الاعتناق الجبري للمسيحية في البرتغال، أسس هؤلاء التجار مجتمعًا حيويًا يحميه التسامح السائد لدى مستقبليهم الهولنديين. وتوسلوا إلى أن تظل الأبواب مغلقة قائلين إنهم سيرسلون المساعدات إلى إخوانهم في الشرق.

في حين أنه قد يبدو في غير مكانه أن نذكر تلك الجالية اليهودية دون غيرها لدى النظر فيالأحداث المعاصرة في الولايات المتحدة، تبقى أوجه التشابه قوية بين المجتمعين اليهوديين حيثيمتع كلاهما بمستويات غير مسبوقة من القبول في المجتمعات التي استقبلتهما، بما في ذلك الوصول إلى أعلى المستويات التعليمية والمهنية في المجتمع. وازدر كلاهما ازدهراً اقتصاديا وفكرياً في مما أسهم في توسعهما الكبير. فكان لليهود حرية التجول دون وصمة عار في شوارع نيويورك أو أمستردام.

غير أن يهود أمستردام كانوا مخطئين في الظن بأن ضبط النفس قد يحميهم ولك ما بينته القرون الثلاث الماضية. فإن العنصرية وضد أي شخص، وأينما ظهرت يجب مواجهتها ومحاربتها أكانت ضد اليهود أوالمسلمين أو غيرهم.

وبالفعل، فإن الهجوم المروع على كنيس في بيتسبرغ قد أبرز مدىارتكاز اليهود الأمريكيين على وهم السلامة والأمن في بناء هويتهم. وفي حين أن يهود أمستردام والذين شكلوا مجتمع يهودي كان حجمه صغيراً نسبياً، تبقى الجالية اليهودية في أمريكا من أهم أقطاب الحياة اليهودية عالمياً. وهذا الهجوم الشنيع يسلط الضوء على خطوط الصدع السامة السائدة الآن في الولايات المتحدة. وبينما اعتادت الأقليات الأخرى مثل الأمريكيين من أصل أفريقي واللاتينيينعلى الهجمات العنيفةوذلك أمر مريع، إلا أن الجالية اليهودية تمتعت بسلامة نسبية. وبالنسبة لكثير من اليهود حول العالم، تبقى أمريكا هي الأرض الموعودة الخالية من معاداة الساميةالآثمة التي تتواجد في أماكن أخرى. وقد زعزع هذا الهجوم ذاك المفهوم في جوهره.

في عملهم البارز في النقد الاجتماعي بعنوان جدلية التنوير، حدد الفلاسفة اليهود الألمان ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو مكان معاداة السامية في المجتمع الأوروبي.إن وجود الآخرالذي يمكن استهدافه ولومهلكل مصائب المجتمع كان ولا يزال يشكل دعامة أساسية في بناء المجتمع الأوروبي بعد عصر التنوير. ولطالما شغل اليهودي هذين الدورين.وبعد الهولوكوست ، وجد المجتمع الأوروبي آخرينفي المهاجرين ، وعلى نحو متزايد اليوم، في العرب والمسلمين.

لم يثبت أن هوركهايمر و أدورنو كانا محقان فحسب، بل أن الأنماط التي شاهدوها قد تسارعت في المشهد السياسي الأمريكي الحالي.وقد ضخم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظريات المؤامرة التي يشاركها معادون للسامية والقوميين البيض والتي تدّعي أن حفنة من القوميين (يقرأ:اليهود)هي مصدر المشاكل الأمريكية. وإن فكرة عدم انتماء اليهود إلى الولايات المتحدة بشكل أو بآخر، وانتقالهم إلى مكان آخر، هي مجاز إضافي يجد صدىً فريداً من نوعهلدى بعض السياسيين الإسرائيليين الذين يجادلون حول ضرورة عودة اليهود الأمريكيين إلى إسرائيل.

ولطالما تواجدت تلك القوى العنصرية في الولايات المتحدة ومنذ تأسيسها، ولكن على مدى الثلاثين سنة الماضية لم تتجلى سوىفي هام الحياة الأمريكية. لقد كانت تلك العقود الثلاثة ثمرة صراع من أجل الحقوق المدنية للجميع وضد العنصرية تجاه قلة من الناس الذين تم اعتبارهم أقليات“.وقد كان أي نوع من العنصرية مرفوضاً في أعين الناس، وكانت العنصرية محرجة. مع انتخاب دونالد ترامب وتصريحاته القومية، فلم تعد تخفى العنصرية. صندوق باندورا الذي حشنت فيه أميركا ماضيها السيئ قد تم إغفاله.

وما زاد الطين بلةأن إدارة ترامب حولت الأموال الحرجة بعيداً عن مواجهة كل أشكال التطرف، بما في ذلك التطرف اليميني.تم تضييق برنامج وزارة الأمن الداخلي الذي تبلغ تكلفته 10 ملايين دولار لمواجهة الفكر المتطرف العنيف في عام 2017 للتركيز على التطرف الإسلامي وما يحمل ذلك من اللوازم الضمنية والمضللة للغاية، وهي أن هذا هو عمل العرب والأقليات الأخرى، فدعت الحملة الجديدة لمكافحة الإرهاب العنصريين إلى الإعلان عن الكراهية الآثمة التي تسكنهم.

في أعقاب الهجوم، حشدتمجموعات مسلمة مبالغ طائلة من الأموال للجالية اليهودية في بيتسبرغ. وفي حديثه للصحفيين بعد جمع مبلغ 178ألف دولاراً لضحايا الهجوم، قال زعيم المركز الإسلامي في بيتسبرغ: اخبرنا بما تحتاجون إليه بالضبط وإن كنتم بحاجة إلى من يحمي أبوابكم خلال خدمة الصلاة القادمة فأخبرونا بذلك. سنكون متواجدين معكم.”

وذاك موقف يتسحق الثناء. يجدر على الجالية اليهودية الأمريكية أن تتحرك بالمثل. يجدر على اليهود كغيرهم من الأقليات سواء كانوا مسلمين أو لاتينيين أو أميركيين أفارقة، أن يجتمعوا لمواجهة التهديد الذي يواجه الولايات المتحدة من الداخل.العنصرية ضد مجموعة واحدة تعني العنصرية ضد الجميع.ومتى لم تعد العنصرية عيباً محرجاً أصبحت الأقليات كافة قابلة للاستهداف. وتبقى أميركا في الوقت الحاضر مجتمعاً يحكمه حكم القانون من خلال قوة مؤسساتها.إن الوحدة في وجه العنصرية هي الطريق الأنسبللخروج من الظلام الذي وقع على أمة عظيمة.

Joe Raedle/Getty Images/AFP