بعد انتهاء الوباء: الشرق الأوسط لن ينعم بالسلام

Emily Hawthorne

AFP photo: Bakr Alkasem

الحدود القومية لا تعني شيئًا لفيروس كورونا (كوفيد-19) الذي وصل إلى جميع دول العالم تقريبًا، وهذا يجعل من الفيروس عدوًا لدودًا مشتركًا للعالم بأسره، ولكن بينما أدى الكفاح ضد هذا العدو المشترك إلى توقف بعض الصراعات طويلة الأمد؛ فإن فيروس كورونا بات سببًا لإثارة الاضطرابات في المناطق التي تشهد نزاعات مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل أن هذا الوباء من الممكن أن يكون سببًا لاندلاع صراعات أخرى في المستقبل.

وبالنظر للانتشار المروع لهذا الفيروس وتأثير تلك العملية على الهيئات الاقتصادية والصحية؛ من الطبيعي للدول المتورطة في صراعات أن تختار من اليوم فصاعدًا تركيز الانتباه على مكافحة فيروس كورونا. والطرف المحارب الذي كان يسعى للانسحاب أو إعادة تموضع قواته باتت الفرصة سانحة أمامه اليوم لتحقيق ذلك.

والمملكة العربية السعودية على سبيل المثال؛ وجدت في القلق من انتشار فيروس كورونا مُبرِرًا لإعلان وقف إطلاق النار بشكل مؤقت في اليمن، وقبل أشهر معدودة وتحديدًا قبل ظهور فيروس كورونا سعت المملكة إلى الخروج من الصراع في اليمن بما يضمن مصالحها (أي المملكة)، وبتلك الخطوة فإن المملكة تسعى إلى تحقيق رغبتها.

وبالمِثل فإن الحاجة للتركيز على منع تزايد العدوى قبل انتشار الفيروس ستدفع بعض الحكومات التي تنافس بعضها البعض لانتهاج سياسات نفعية على المدى القصير، خاصة بالنسبة للدول التي لديها حدود مشتركة، وتلك الحالة تنطبق على كل من السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية اللتان أجبرهما ظهور فيروس كورونا على التعاون سويًا، وعلى الرغم من أن هذا التعاون الآن يعُد مناقِضًا للهوة السياسية العميقة بين الطرفين؛ إلا أنه سلّط الضوء على أن الاشتراك في أرض واحدة، ومن ثم مواجهة مخاطر واحدة سيؤدي إلى تجاوز الخلافات بين الجانبين على الأقل في الوقت الراهن.

وبالطبع بالنسبة للحالتين في اليمن وإسرائيل/فلسطين فإن الصراعات المستمرة بعيدة عن الحل، وظهور فيروس كورونا أدّى إلى صرف النظر عن تلك الصراعات. وبالنسبة للرياض فإن احتدام المعركة مع فيروس كورونا هو مبرر منطقي ومناسب لوقف العمليات العسكرية في اليمن ولو إلى حين، حتى لو لم يتم علاج أسباب اندلاع الصراع منذ البداية. أما المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين فإنهم يتعاونون من أجل وقف انتشار تلك العدوى المُميتة، لكنهما لم يفتحا بابًا للتعاون في مجالات أخرى.

وبعض النزاعات ستشهد هدوءاً مؤقتًا فيما يخص العمليات العسكرية، لكن تلك النزاعات في الغالب الأعم لن تنتهي بصورة دائمة، وتلك الحالة تنطبق على التورط التركي في كل من سوريا وليبيا.

في سوريا، هناك أنباء أن القوات التركية بدأت في تقليل التحركات من أجل تفادي انتشار فيروس كورونا بين عناصر الجيش التركي، لكن هذا لا يعني انتهاء التورط التركي في العمليات العسكرية الدائرة على الأراضي السورية، وفي ليبيا؛ لا زال اللواء خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي منخرطًا بنشاط في القتال بطرابلس ضد القوات الموالية لتركيا، وقد أظهرت بوضوح عملية قصف المستشفى في السادس من إبريل، والتي ذكر ان من قام بها هي قوات حفتر، أن العمليات العسكرية لن تتوقف على الرغم من تصاعُد انتشار فيروس كورونا في ليبيا.

وأشد ما يدعو للقلق الآن هو أن يؤدي انتشار فيروس كورونا إلى تخفيف الضغط العسكري على الجماعات التي يعتبرها الكل بمثابة عدو؛ مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وفي العراق فإن مخاوف القادة العسكريين من انتشار فيروس كورونا داخل القواعد العسكرية، أدت إلى تعليق الأنشطة التدريبية التي يقوم بها التحالف المناهض لتنظيم داعش.

وبما أن أنظار العراق باتت تتجه لقضية أخرى، فإن ذلك سيقدم لتنظيم داعش – الذي لا يزال ناشطًا في بعض الأماكن الجبلية والصحراوية النائية – فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفه ومن ثم تشكيل خطر داهم على استقرار العراق في وقت لاحق.

والآثار الاقتصادية السلبية طويلة المدى لهذا الوباء العالمي؛ من الممكن أن تؤدي أيضًا إلى إثارة الاضطرابات في الدول الضعيفة اقتصاديًا مثل لبنان والعراق من بين دول أخرى، مما سيكون بالتبعية مصدرًا لنزاعات أخرى في المستقبل.

والدول الغنية ربما تواجه حقائق اقتصادية جديدة تجبرها على تخفيض الميزانية، لكن الإنفاق على الدفاع سيظل يمثل الأولوية كما هو حال حكومات الشرق الأوسط منذ زمن، كما أن أولويات الأمن القومي ستظل في الصدارة.

وفي الدول الغارقة في نقاشات حول الإصلاحات السياسية، فإن الحاجة لرد فعل موحد ضد فيروس كورونا ربما يؤدي لانتهاج أساليب واقعية فيما يتعلق بالسياسة والحكم، وهذ من الممكن أن يؤدي لفتح ممر وسط الطريق المسدود على المدى القصير، لكنه من الممكن أن يسهم أيضًا في وضع عقبات ضخمة أمام هذا الممر على المدى الطويل.

وفي السنغال على سبيل المثال فإن الحوار الوطني قد توقف بسبب انقسامات على خلفية الإصلاحات الانتخابية، لكن بات في مقدور الرئيس الحصول على دعم المعارضة السياسية من أجل إطلاق عملية رد فعل منسقة على انتشار فيروس كورونا تشارك فيها مختلف القوى الوطنية. وفي الجزائر فإن الحوار الوطني قد توقف بشكل مؤقت أيضًا، كما توقفت الحركة الاحتجاجية المناهضة للحكومة مؤقتًا بسبب انتشار فيروس كورونا، وبات هناك متنفس للحكومة الجديدة لتنفيذ سياسات تعمل على مكافحة الفيروس، ومن الآن فإن المشهد السياسي في كل من السنغال والجزائر يبدو مُطمئِنًا، إلا أن المشاعر المناهضة للحكومة والخصومة معها ستعود إلى الظهور مجددًا بين النخبة بمجرد تلاشي خطر فيروس كورونا.

وعلى الرغم من ظهور فيروس كورونا كعدو مشترك، مما يعني أن الدول ستعمل سويًا لما فيه خير البشرية، إلا أنه على الأرجح ستسعى كل دولة إلى تحقيق مصالحها القومية.

ولو حدث شيء ما، فإن الضغوط على الاقتصاد العالمي والخوف من الأجانب وهما نتيجة لانتشار الوباء، سيؤديان إلى تأجيج النعرة القومية، كما سيكون الأمر بمثابة ذريعة للحكومات التي تريد البقاء في السلطة بدعوى حماية هوية الدولة.

إميلي هوثورن محللة في شئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى مركز ستراتفور، وهي منصة جيوسياسية معنية بقطاع الاستخبارات مقرها أوستنتكساس، وتراقب التطورات السياسية والتجارية والأمنية في المنطقة.