بعد انتهاء الوباء: الشرق الأوسط سيتجه للتكنولوجيا التي كان يقلق منها في السابق

فيصل اليافعي

AFP Photo: Olivier Douliery

طالما كانت هناك علاقات معقدة بين حكومات الشرق الأوسط والتكنولوجيا وخاصة شركات التكنولوجيا الغربية، وتلك الحكومات من المحيط إلى الخليج مهتمة بالابتكار لكنها غير قادرة على التخلي عن فرض القيود، لذا فقد قامت في مناسبات متعددة بالإقدام على خطوات ترمي إلى تقييد استخدام التطبيقات الشائعة مثل سكايب وفيبر وواتساب.

وكما أسفر انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) عن تغيير الكثير من الأمور، فإن الأمر هنا لا يختلف كثيرًا.

وبعد أن تعرضت مدن الخليج للعزل فإن حكومتي الإمارات العربية وسلطنة عمان قامتا برفع القيود غن بعض التطبيقات مثل سكايب للأعمال ومايكروسوفت تيمز و”زوم”، أي أن القرار شمل التطبيقات التي تعمل على تسهيل عقد اللقاءات والمؤتمرات عبر الفيديو، وقد كانت تلك التغييرات محتومة لأن الشركات بدأت العمل من المنزل، كما أن المدارس بدأت في تقديم الدروس للطلاب عبر الإنترنت، ولا يزال استخدام تطبيقي سكايب و”زوم” ممنوعًا في عدة دول أخرى على مستوى المنطقة.

لكن هل تدوم تلك التغييرات ويتسع مداها بعد انتهاء الوباء؟، الواقع أن الإجابة على السؤال تعتمد على عدة عوامل: حجم الضرر الذي سيصيب اقتصادات دول المنطقة، ومدى نجاح تعميم عقد المؤتمرات عبر الإنترنت في الشركات والمدارس.

لكن القضية الأساسية سوف تتعلق بالسياسة، ومستقبل العلاقة بين دول الشرق الأوسط والتكنولوجيا سيعتمد على العلاقة بين الشعوب وبين مسألة الخصوصية.

ومن ناحية أخرى فإن الأسباب التي تدفع بحكومات الشرق الأوسط إلى تقييد بعض مظاهر التكنولوجيا لن تتغيّر، وهذا يعود إلى المخاوف الأمنية من استغلال المتطرفين لتلك التطبيقات، وهناك مخاوف أخرى قومية تتعلّق بالجهات التي من الممكن أن تحصل على تلك البيانات.

ومؤخرًا في شهر فبراير، قامت تركيا بإغلاق منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية تويتر وإنستجرام، وذلك بعد تصاعُد النشاط العسكري في محافظة إدلب السورية. أما مصر فقد قامت بتعطيل التطبيقات التكنولوجية حتى شبكات الهاتف الجوال خلال الحرب التي تخوضها ضد المتمردين في سيناء. والقوانين الصارمة المتعلقة بجرائم الإنترنت التي تعمل بها حكومات الخليج لن تشهد تغييرًا جراء انتشار فيروس كورونا.

لكن الأمر الذي من الممكن أن يتغيّر – والذي يبدو في الواقع أنه بدأ يتغيّر بالفعل – يتمثّل في العلاقة بين الشعوب وشركات التكنولوجيا والحكومات، وهذا إن حدث سيكون أحد أهم التغييرات التي نتجت عن انتشار الوباء، وربما لهذا التغيير أن يمنح حكومات المنطقة وما وراءها ميزة المعرفة التامة بما يفعله المواطنون وبحيث لا تستمر تلك الحكومات مجبرة على الشعور بالقلق بسبب المكالمات على تطبيق واتساب.

إن تبنّي وتنظيم عملية التكنولوجيا غالبًا ما يتعلّق بالسيطرة التي تتأرجح بين الشعوب وشركات التكنولوجيا والحكومات.

والحكومات دائمًا ما تريد السيطرة على بيانات المستخدمين بأقصى صورة ممكنة، أما شركات التكنولوجيا من جانبها فتشعر بالقلق من السماح للحكومات بالاطلاع على بيانات المستخدمين، حتى أنها تخشى الانصياع للقانون خوفًا من التشويش على سمعتها إذا ما تم اكتشاف الصفقات الخفية التي يتم إبرامها، ولو اتسعت المراقبة التي تقوم بها الحكومة أو الشركة بشكل هائل فإن المستخدمين سيلجؤون إلى استخدام تطبيقات أخرى.

وتحوّل مركز الثقل إلى مسألة القبول ومحاولة العثور على ما يقبله المواطنين والمستخدمين. وتلك كانت إحدى الأمور المذهلة التي كشف عنها انتشار الوباء: وهي أن الشعوب على استعداد لأن تتقبّل فرض قيود هائلة على تحركاتها بين عشية وضحاها، علاوة على ذلك فإن الشعوب لديها الإرادة لأن تقبل السماح للحكومات وشركات التكنولوجيا بالاطلاع على كم هائل من البيانات الشخصية للمواطنين.

وكانت كوريا الجنوبية بمثابة حالة الاختبار فيما يتعلّق بالمراقبة التكنولوجية، وهي الدولة الآسيوية الكبرى الوحيدة التي نجحت في القضاء على الفيروس دون اللجوء لفرض حصار على المدن، وكانت المراقبة الشاملة عبر الهواتف الذكية إحدى أهم الأدوات التي لجأت إليها، واستهدفت عملية المراقبة كل من المصابون بالعدوى وهؤلاء الذين يخضعون للحجر الصحي، ثم بعد ذلك نشر مسارات تحركات كل شخص وأين يعيش، وهي المعلومات التي من الممكن التعرف عليها بصورة شخصية.

وبطبيعة الحال فإن الدول الغربية الكبرى تعمل على اقتفاء أثر تطبيقات الاتصالات على الهواتف الذكية، وذلك على نفس منهج كوريا الجنوبية، ولم تستطع تلك الدول الإفصاح عن ذلك، لذا فإن النقاشات حول مسألة الخصوصية باتت في طي النسيان.

في المملكة المتحدة، حيث قامت الحكومة بتقديم الكثير من البيانات الصحية الحساسة لمحال السوبر ماركت – كي تتمكن تلك المحال من تنظيم أولويات إرسال السلع لهؤلاء الذين يعانون مشكلات صحية – لم تكن هناك نقاشات عامة تُذكر تناولت تلك المسألة، كما لم يكن هناك إشراف برلماني بخصوص تلك الخطوة. وفي الولايات المتحدة، فإن الاقتراح الخاص بدمج آلية التعقب في نظامي آي أو إس وأندرويد من خلال شركتي جوجل وآبل وهما صاحبتا أشهر نظامين لتشغيل الهواتف الذكية؛ هذا الاقتراح لم يواجه مقاومة تُذكر، حتى أن الباحثين في مجال الخصوصية باتوا أكثر قلقًا من احتمال حرمان المجتمعات الفقيرة من تلك التحديثات بسبب فشلها في تنفيذ تلك المنظومة الشاملة الخاصة بالتعقُب.

وقد لاحظت شركات التكنولوجيا والحكومات تلك المسألة، لذا من الممكن أن ينتهي الأمر بهم إلى أن تقتصر مخاوفهم بالنسبة لاستخدام البيانات الخاصة على دعاة الخصوصية وحلفائهم من الساسة ورجال الإعلام.

وربما يؤدي هذا الأمر إلى تحوّل سريع في كيفية تعامل الشركات مع الحكومات في منطقة الشرق الأوسط.

ولو أن شركات التكنولوجيا لم تعُد مضطرة للقلق من أن المستخدمين سيتركوها بسبب مخاوف تتعلّق بالخصوصية؛ فربما يدفعها ذلك إلى إبرام اتفاقيات شراكة مع الدول، وهو ما تُلِحّ عليه حكومات الشرق الأوسط، أو أن تلجأ تلك الشركات لأساليب أخرى من أجل الامتثال لاشتراطات الترخيص التي تفرضها الحكومات.

وربما يأتي التغيير أيضًا في صورة أخرى.

وقد أدّى انتشار الوباء إلى ترسيخ مبدأ مفاده أن سيطرة الدولة تعُد الوسيلة الأمثل لحماية الناس، وفي منطقة الشرق الأوسط فإن هذا المبدأ مقبول على نطاق واسع.

وقد قامت جامعة نورث وسترن العام الماضي بإجراء دراسة ضخمة حول استخدام الإعلام في سبعة دول بمنطقة الشرق الأوسط، وكشفت عن أنه بينما يشعر الكثير بالقلق بسبب مراقبة الحكومات لما يقومون به على شبكة الإنترنت؛ فإن هناك عدد متزايد يشعر بالقلق من قيام الشركات بذات الخطوة، وذلك يعني أنه لو أن هناك تغييرًا في المواقف تجاه مسألة الرقابة على الإنترنت فإن ذلك يأتي في مصلحة الحكومات، وبمعنى آخر فإنه بعد تلاشي الوباء لو أن الناس لديهم المزيد من الإرادة لمشاركة المعلومات مع شركات التكنولوجيا فسيكونون حتى أكثر طمأنينة حال إعطاء الحكومات هذا الحق، وإذا كان الأمر كذلك فإن الحكومات ربما لن تشعر بالقلق تجاه تطبيقات تكنولوجية معينة.

 

ودول الشرق الأوسط ليست الوحيدة التي تشهد تغييرًا في العلاقة مع التكنولوجيا والشركات المعنية بها كرد فعل على انتشار الوباء، لكن مسألة أن انتهاء الوباء سيؤدي إلى علاقة أكثر انفتاحًا مع التكنولوجيا تعتمد بشدة على وجود بيئة سياسية يمكن مراقبتها.