ما بعد الجائحة: الدول “النامية” تتصدر المنافسة

جوزيف دانا

AFP Photo: Giuseppe Cacace

كانت التغييرات تجري في العالم على قدم وساق، حتى قبل أن يهتز العالم لجائحة فيروس كوفيد-19. لنبدأ بالحقائق: أكثر من 85% من سكان العالم يعيشون خارج أمريكا الشمالية وأوروبا. وإذا أضفت إلى ذلك انتشار تكنولوجيا الاتصالات وعملية التمدن السريعة فيما يخص عالم الـ 85% هذا، فسوف يتضح أن عوامل قوة التجارة والبراعة الاقتصادية الأولية وحتى الهيمنة على التكنولوجيا قد تسرّبت من بين أيدي الغرب. ببساطة، لقد أخذ الحاجز بين الاقتصادات “المتقدمة” والاقتصادات “النامية” يتهاوى بصورة لا تُصدق. بعد كل ذلك، هل يظل منطقيًا أن نقسم العالم إلى هذين الفريقين، حيث يُنظر إلى أحدهما على أنه متفوق على الآخر؟

ردود الفعل المتباينة على الجائحة سلّطت مزيدًا من الضوء على هذا التساؤل. كيف يعجز بعض الدول الأكثر تقدمًا على مستوى العالم – فيما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي والثقافة التكنولوجية وبراءات الاختراع المُسجَّلة سنويًا ومعدل التخرج من الجامعات وما إلى ذلك – عن وضع برنامج لائق بدرجة معقولة لاختبارات فيروس كوفيد-19؛ في حين تنجح دول أصغر بكثير مثل الإمارات العربية المتحدة نجحت في تأسيس منصات اختبار متطورة بين عشية وضحاها بالمعنى الحرفي؟ بعض الدول في آسيا استغلّت ما لديها من احتياطي نقدي أيًا كان لضمان عدم تصاعد نسبة البطالة، في الوقت الذي واجه فيه ساسة أمريكا ورطة شديدة تمثّلت في الأموال الطارئة التي يجب سدادها للعاطلين عن العمل وشيكات الحوافز التي تُقدَّم لمرة واحدة. في الآن ذاته، نجحت ماليزيا فيما يتجاوز مجرد الحفاظ على الاقتصاد في وضعه الطبيعي فشهِد قطاع الصناعة انتعاشًا؛ وهي ليست الدولة الوحيدة من دول شرق آسيا التي نجحت في ذلك.

في مقال نُشر للكاتب “بانكاج ميشرا” في مجلة “لندن ريفيو أوف بوكس”، طرح الكاتب فكرة أن الجائحة كشفت عن أن “أوائل الرابحين في التاريخ المعاصر يبدون الآن أكبر الخاسرين، في ظل أنظمتها السياسية الفاقدة للشرعية واقتصاداتها المشوهة على نحوٍ غريب وعقودها الاجتماعية الممزقة”.

يتطلع عالم الـ 85% إلى المستقبل يحدوه الأمل والطموح (برغم الزلزال الهائل الذي تعرّض له)، بينما يقف الغرب في مفترق طرق غارقًا في مستنقع. هل تستمر دول مثل الولايات المتحدة على درب الغوغائية والانحدار، أم تُعيد اكتشاف المجتمعات والاقتصادات الخاصة بها فتضع أساسًا لإنقاذ الفقراء والطبقة العاملة قبل الغرق؟ لقد أعادت الجائحة طرح هذا التساؤل بوضوح.

في أمريكا، وبينما دار النزاع مؤخرًا بين كلٍ من البيت الأبيض والديمقراطيين حول حزمة جديدة لتحفيز الاقتصاد، كان هناك أمر شديد الوضوح: ربما تحاضر أمريكا الدول الأخرى عن حاجتها للإصلاح، لكنها – في لحظة مصيرية – فشلت في إدراك أنها بحاجة إلى تجديد تلفظ فيه ما يخربها من الداخل. لقد كشف الوباء التصدعات العميقة التي أصابت رفاهية المواطنين الأمريكان العاديين. بصورة أو بأخرى، لا يجد مواطنو أغنى دولة في العالم الحق الإنساني في الرعاية الطبية. وفي الوقت ذاته، فالتشتت ما بين الحقوق والالتزامات على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى الولايات قد أضرّ بالبلد وبشعبه خلال الأزمة. ماذا يمكن أن يحدث حين يكون الدستور عائقًا أمام تطبيق سياسة حكيمة؟ لكن السياسيين لم يعترفوا بأوجه القصور التي تستدعي إصلاحات جذرية دون شك؛ بل الساسة يتنازعون حول مسألة المعونات المخصصة لمواجهة الجائحة والتي لن تلبث أن تنتهي.

لو بدأنا التأمل في عالم ما بعد الجائحة، لاتّضح لنا أن الأمر لم يعُد قاصرًا على الاقتصاد. لا شك أن الغرب – وحتى أمريكا – سيظل مهيمنًا على قوة اقتصادية مهولة؛ لكن لا مفر من تغيير فكرتنا عن الشكل الذي يسير به العالم. الإطار الخاص بالقرن العشرين والمعنيّ بتقسيم العالم إلى دول متقدمة وأخرى نامية لم يعُد صالحًا للاستمرار. لننظر في الاستجابة المتقدمة التي أبدتها أبو ظبي في مواجهة الجائحة، في مقابل سلسلة فوضوية من التردد في صنع القرار أعقبت “قرارات حاسمة” أقدمت عليها المملكة المتحدة، على سبيل المثال. هل يمكننا مواصلة الادعاء بأن المملكة المتحدة دولة “متقدمة” وأن أبا ظبي ضمن نادي المجتمعات “النامية”؟

بينما يتحول اهتمام الغرب إلى الداخل، ويكافح عقودًا من عدم المساواة في التطور، يجري تشكيل تحالفات جديدة في عالم الـ 85% من شأنها تحديد الاقتصادات المستقبلية القائمة على المعرفة. ثمّة مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي مثل دبي وسنغافورة ستحلّ محل نيويورك ولندن لهذا الجيل. حتى التطور التكنولوجي ليس عصيًا على هذه التحولات؛ فبينما يستمر وادي السيليكون الأمريكي في الهيمنة بصورة ما على القطاع التكنولوجي في الوقت الحالي، تنضم بالفعل منصات ومنتجات جديدة من عالم الـ 85% إلى مضمار المنافسة بين صفوف الأسواق العالمية.

وفي حين يستشعر كثيرون القلق حيال شركة الاتصالات الصينية “هواوي” وعلاقتها المُحتملة بالحزب الشيوعي الصيني، هناك شكوك أقل في أن الصين قد أنتجت شركةً تكنولوجية عملاقة، وأن الجهود التي بذلتها إدارة دونالد ترامب مؤخرًا لحظر منصة التواصل الاجتماعي الصينية الشهيرة “تيك توك” ما هي إلا تذكير لنا بالبراعة البرمجية التي يمكن أن تظهر في أرجاء الصين، في “شانغهاي” و”غوانزو” و”ووهان”.

لقد أثبتت الجائحة كيف يمر الغرب بحالة حرب داخلية فيما يخص كفاءة الحكومة، وأن كفاءة الحكم لم تعُد مرادفةً للغرب. العديد من الدول في الشرق الأوسط وآسيا ترعى مواطنيها بصورة أفضل، وعدم المساواة في الأجور بدأت تزداد استفحالًا في أمريكا الشمالية وأوروبا. سواءً نظرنا للأمر بمعايير اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، فتقسيم العالم إلى شطرين – المتقدم والنامي – يحمل القليل من الوجاهة في الوقت الحالي. للدقة نقول إن هذا التحول بدأ منذ سنوات مضت؛ كل ما فعلته جائحة كوفيد-19 هو لفت أنظارنا إليه.

 

يعيش “جوزيف دانا” بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، ويشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، وهي شراكة بحثية بمثابة مختبر لاكتشاف التغير الجاري في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى العالمي.