بعد الجائحة: هل ثمة حاجة لإعادة تصنيف العالم إلى دول “متقدمة” وأخرى “نامية”؟

دنيانيش كامات

AFP Photo: Ed Jones

مهما بلغت قدرة الدول على مواجهة الجائحة والتعافي من تداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية الهائلة ، هناك حاجة إلى معرفة المعايير التي في ضوئها سيتم تصنيف تلك الدول في المستقبل. لقد سلطت جائحة فيروس كورونا المستجد الضوء بقوة على حقيقة الثنائيات القديمة البالية مثل الدول المتقدمة في مقابل الدول النامية (أو “الناشئة”) لم تعُد صالحة لهذا العصر.

وعميقًا داخل الطبيعية السياسية الفطرية لأمريكا، ربما منذ نشأتها كدولة قومية، تكمن الرأسمالية الصارمة والجامحة. وقد كشف ذلك عن عجز قطاع الرعاية الصحية الممزق في أمريكا عن التعامل مع الجائحة، فاللهث وراء الربح أدى إلى أن المستشفيات لم تحتفظ بمخزون من معدات الحماية الشخصية أو أجهزة التنفس الصناعي. طوال عقود، كانت العلاقة بين الشركات الأمريكية الكبرى وظهيرها السياسية خالية من المنغصات، وهو ما منع الإدارات الأمريكية المتعاقبة من إقحام نفسها بقوة أكبر من اللازم في مجالات النشاط الاقتصادي التي يهيمن عليها القطاع الخاص (مثل الرعاية الصحية)، كما منعها من فرض لوائح أكثر صرامة. بل إن التيار اليساري في أمريكا ينأى بنفسه عن تأييد نظام الرعاية الصحية الشاملة تأييدًا صريحًا. وفي الوقت نفسه، يواصل السياسيون الأمريكيون مناقشة ما إذا كان يجب تنظيم الاستخدام الهائل للتكنولوجيا، حتى في الوقت الذي تُستخدم فيه منصات التواصل الاجتماعي لعرقلة الديمقراطية الأمريكية.

على النقيض، اختارت ممالك الخليج العربي اتباع نموذج نقابي على الطريقة السنغافورية، حيث تدير الدولة المؤسسات الربحية العملاقة على أرض الواقع. وربما يفسر هذا سبب تمكُّن دول الخليج، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، من حشد ما يملكه القطاع الخاص من موارد وخبرات كبرى لمكافحة الجائحة. ومع ذلك، يدل انخفاض أسعار النفط ونزوح الموظفين المغتربين على أن هذه البلدان ستحتاج أيضًا إلى إعادة ابتكار نماذج اقتصادية خاصة بها في القريب العاجل.

لنقارِن النموذج الأمريكي للاقتصاد السياسي بنظيره في فرنسا أو الدول الإسكندنافية. ففي هذه الدول، الهدف من المفاوضات الجماعية بين العاملين في كل قطاع اقتصادي على حدة هو توفير أجور لائقة وظروف عمل أفضل. وعلى عكس الأمريكان، لا يحتاج الإسكندنافيون إلى العمل في وظيفتين لمجرد تلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية في حين تتحكم شريحة صغيرة من السكان في مساحات شاسعة من الاقتصاد. وتُعتبر الرعاية الصحية في العديد من البلدان الأوروبية سلعةً عامة وتوفيرها يندرج ضمن الواجبات الأساسية للدولة. وهذا لا يشير إلى مثالية تلك النماذج الاقتصادية. وعلى عكس أمريكا، لا تعكس البيانات الرسمية في فرنسا بشأن عدم المساواة في الدخل تفاوتًا عنصريًا في الأجور، فالقومية الفرنسية والمؤسسات المنبثقة منها لا تنظر إلى العِرق ببساطة. هذا ليس مؤشرًا جيدًا فيما يخص التناغم العرقي أو المساواة الاقتصادية – وكلا الأمرين مرتبط بالآخر ارتباطًا وثيقًا في فرنسا والولايات المتحدة.

كذلك كشفت الجائحة نجاح النماذج الحاكمة في الدول في تحقيق أهدافها من عدمه. ولم يعد كافيًا تصنيف الدول بذلك التصنيف البدائي إلى ديمقراطية ليبرالية أو استبدادية غير ليبرالية. الواقع يشهد بأن الديماغوغيين من أمثال “رودريغو دوتيرتي” و”ناريندرا مودي” و”فيكتور أوربان”، الذين قوَّضوا مؤسسات بلادهم الديمقراطية في الماضي القريب، قد جاءوا جميعًا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.

ثمّة طريقة أخرى لتصنيف الدول سياسيًا، هي نمو التصنيف على أساس نماذج الحكم. كان على الفيدرالية الأمريكية، من خلال حكوماتها القوية على مستوى الدولة والولايات، أن تجسّد نموذجًا أكثر كفاءة لمكافحة الجائحة. ومع ذلك، ربما لم يتوقع مؤسسو هذا النموذج حدوث خلل في نظام قائم على حزبين. والفدرالية الأمريكية، إلى جانب نظامها القائم على حزبين، ومع وجود رئيس مصاب بجنون العظمة على رأس السلطة فيها، هي السبب الرئيسي وراء تميز البلاد بهذا السجل المحزن فيما يتعلق بمكافحة الجائحة. من ناحية أخرى، ثبُت أن الإجراءات القوية التي اتخذتها الإدارات العليا في الولايات المركزية بفيتنام وكوريا الجنوبية قد مكَّنت تلك الدول من التغلب على الجائحة بنجاح على عكس النموذج الأمريكي.

هذا لا يعني إنكار فضائل الديمقراطيات الليبرالية المنفتحة. نعم، تمكّنت ديكتاتورية قائمة على حزب وحيد مثل الصين من إخضاع سكانها للمراقبة الجماعية وإجراءات الإغلاق الصارمة. وفي فيتنام، أغلقت الحكومة مناطق بأكملها فلم تسمح لأحد بالدخول إليها أو مغادرتها. وكانت الإجراءات التي اتخذتها الدولتان الصينية والفيتنامية غير مُستساغة سياسيًا في الدول الديمقراطية؛ لكنها نجحت. ومع ذلك، هناك جانب آخر من هذه الحُجة، وهي أن كوْن الصين مجتمعًا غير منفتح هو السبب في خروج الفيروس عن السيطرة في أيامه الأولى. تجرأ المسؤولون المحليون على عدم الإبلاغ بوجود الفيروس من خلال التسلسل القيادي، في حين تم سجن المبلغين بالأمر للسلطات. لو كان الفيروس قد اشتعلت شرارته في مجتمعات أكثر انفتاحًا، لكانت الصحافة والمجتمع المدني أول من يدق ناقوس الخطر.

يجب أيضًا مراعاة تاريخ كل دولة على حدة. ففي كوريا الجنوبية، كانت المستويات المرتفعة من الثقة بين المواطنين والدولة هي السبب الذي دفع المواطنين بصورة جماعية إلى تحميل تطبيقات تتبع جهات الاتصال والموافقة على القيود المؤقتة المفروضة على حرياتهم. لنقارِن هذا بالحركة المناهضة لارتداء الكمامة في الولايات المتحدة، حيث التشكيك في نوايا الحكومة له جذور تاريخية عميقة.

كذلك ثمّة أوجه للتباين الشديد داخل البلدان “النامية” مثل الهند. ففي حين أن عدد الإصابات مستمر في الارتفاع في جميع أنحاء الهند، فقد حازت ولاية “كيرالا” الجنوبية استحسان دول العالم لنجاحها في إدارة أزمة الجائحة، والسبب في هذا النجاح هو عقود طويلة من الاستثمار العام والحزبي في مجال الرعاية الصحية الأولية والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحكم المحلي صاحب الصلاحيات المطلقة. نتيجةً لذلك، توجد ثقة عامة راسخة في المؤسسات الحكومية في “كيرالا”، حيث تطبق الولاية مؤشرات للتنمية البشرية توازي تلك التي يجري تطبيقها في الدول الغربية.

كانت الجائحة بمثابة اختبار صارم لقدرة النماذج السياسية والاقتصادية للدول على تحمل الأزمات. حققت الديمقراطيات “المتقدمة” مثل الولايات المتحدة فشلًا ذريعًا في مكافحة الفيروس، في حين نجحت الدول “النامية” غير الديمقراطية في إدارة الأزمة جيدًا. فهل ينبغي أن نؤسس تصنيفًا جديدًا للدول على أساس هذا النهج القائم على النتائج؟ تلك مسألة جديرة بالنظر فيها.

 

“دنيانيش كامات” محلل سياسي في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما يقدم استشارات للحكومات حول السياسات والمبادرات الاستراتيجية لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.